صورة تعبيرية لعنصر في الشرطة الاتحادية العراقية
صورة تعبيرية لعنصر في الشرطة الاتحادية العراقية

عائلة المهندس العراقي بشير خالد في حالة صدمة وحزن كبيرة على وفاته، ومطلبها الآن بعد أن شيعته لمثواه الأخير تحقيق العدالة ومحاسبة "قاتله".

يعتقدون أنه قتل "بتواطؤ" داخل السجن المركزي في ناحية الكرخ.

هم أساساً استهجنوا نقله لهذا السجن المخصص لذوي الأحكام العالية، بعد أن كان محتجزاً في مركز توقيف حطيّن في العاصمة بغداد.

والداه وإخوته منهارون نفسياً، كما يقول ابن خالته جمال محمد لموقع "الحرة".

ظهرت الأم وهي مهندسة معمارية في مقابلة تلفزيونية غارقة بدموعها، غير مصدّقة أنها فقدت بشير "لمجرد مشاجرة".

وصفت وفاة بشير بأنه "غدر" و"راح بدون ذنب".

وقالت للمذيع العراقي "ما أقدر أدخل فيسبوك وأشوف صوره.. الله يخليكم كافي (كفى)".

فقد ملأت صور وفيديوهات توثق الاعتداء عليه وظهور كدمات على جسده، صفحات العراقيين في مواقع التواصل، وتفاعل عشرات الآلاف معها.

بعض مقاطع الفيديو نشرها الإعلام الرسمي لوزارة الداخلية ووزيرها عبد الأمير الشمري.

الاثنين، وجّه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بتشكيل لجنة تحقيق وإعلان نتائجها أمام الرأي العام.

نقابة المهندسين، من جهتها، نعت بشير وأعلنت الحداد وتعطيل الدوام الرسمي في المركز العام للنقابة وجميع فروعها في المحافظات لمدة ثلاثة أيام ابتداءً من الثلاثاء.

وقالت إن المهندس الشاب فارق الحياة "جرّاء التعذيب".

و"الحداد على روحه يمثل طريقتها في الاحتجاج على هذه الجريمة البشعة والتضامن مع عائلته"، بحسب تعبيرها.

وقالت النقابة عبر حسابها الرسمي في إكس إنها "تتابع القضية بشكل جاد".

 

رواية العائلة

في أواخر مارس الماضي، وصل بلاغ لبشير بأن اللواء عباس التميمي يريد مقابلته. 

يقول ابن خالته، جمال محمد لـ"الحرة":

"ذهب لمنزل اللواء من أجل الاستيضاح منه حول السبب، لكن الحرس عند المجمع السكني اعترضوا طريقه وأصرّ بشير على الدخول، لتندلع مشاجرة بينهم شارك فيها أبناء اللواء. تعرض بشير للضرب المبرح، وبعدها تم استدعاء عناصر الشرطة فتم اعتقاله وإيداعه في مركز توقيف حطّين".

وهناك تعرض لاعتداء من طرف عدد من السجناء، وهو ما يُظهره الفيديو الذي نشرته وزارة الداخلية الأحد.

هما مشاجرتان، الأولى أمام بيت اللواء، والثانية داخل السجن كما وصفها الإعلام الرسمي. 

الأمم المتحدة تقول إن هناك انتهاكات لحقوق المعتقلين في السجون العراقية
"صعق وعنف جنسي".. تقرير: التعذيب مستمر في السجون العراقية والقوانين "حبر على ورق"
كشف تقرير صدر عن الأمم المتحدة، الثلاثاء، استمرار ممارسات "التعذيب" للمحتجزين في السجون العراقية، وغالبيتهم من المقبوض عليهم في قضايا تتعلق بالإرهاب، على الرغم من الضوابط القانونية التي تمنع هذه الممارسة التي قالت إنها منتشرة في السحون في جميع أنحاء البلاد

في 31 مارس الماضي نشر الإعلامي العراقي قصي شفيق مناشدة من عائلة بشير للشمري مرفقة بثلاثة مقاطع فيديو مددها ثوان. 

فيديو (1): بشير في مركز الشرطة، يقول له أحد العناصر "ماذا تريد؟" فيرد "أوخد حقي وأرفع دعوى".

فيديو (2): بشير على سرير المستشفى، يظهر كدمات على قدميه وبطنه، يقول مصور الفيديو خلف الكاميرا "هذا التعذيب.. هذا التعذيب".

فيديو (3): يُظهر رأسه، حول عينيه كدمات. يقول الصوت "مضروب على رأسه بوكس ومضروب من الخلف على ما يبدو بأخمص حديدة أو مسدّس أو رشّاش".

ويبدو أن هذه كانت المرة الأولى التي يتم النشر فيها حول قضيته ومحاولة جذب انتباه السلطات والرأي العام لها.

هذه الفيديوهات تم تداولها خلال الأيام الماضية من أبريل الحالي من قبل مئات العراقيين الذين ناشدوا السلطات لإنقاذ حياته، قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة الاثنين.

وفي فيديو آخر، نشر لاحقاً، يظهر بشير داخل زنزانة صغيرة يحاول بقدمه وهو جالس على الأرض منع أفراد الدخول أحدهم يرتدي قميصاً. 

قال لمن يحاول الدخول عنوة "إنت مو شرطي" قاصدا أنه شخص مدني.

يقول ابن خالته "سمحوا لمدنيين بأن يدخلوا مركز الشرطة ويقتلوه.. هذا كان آخر فيديو له".

لكن في المؤتمر الصحفي لوزارة الداخلية قالت إن آخر فيديو هو للمشاجرة في سجن "جعيفر" وبعدها نقل لمستشفى الكرخ.

بشير كان مهندساً "بارعاً" وقبلها "طالباً متفوقاً"، يقول محمد، مضيفاً "وهو أخ وابن عائلة عريقة، فقد أسّس جدّه اللواء نشأت البكري كليّة الشرطة، وهو معروف ليس على مستوى العراق فحسب بل عربياً".

وكان بشير مهندساً معمارياً كوالدته، وعمل قبل اعتقاله ووفاته في أكبر المشاريع الهندسية في بغداد.

يصمت خلال المكالمة.. ثم يكمل بحسرة "للأسف خسارة كبيرة.. خسارة كبيرة".

رواية السلطة

الأحد، عقدت وزارة الداخلية العراقية مؤتمراً صحفياً للوقوف على ملابسات وفاة بشير خالد، مثلها كل من وكيل الوزارة لشؤون الشرطة الفريق هادي رزيج كسار، والناطق الرسمي مقداد ميري، ورئيس لجنة التحقيق التي شكلتها الوزارة وليد خالد علي أكبر.

قالت إن القصة بدأت في 27 مارس والمؤتمر في 6 أبريل (الأحد) وهذا ملخص رواية الوزارة:

"حاول المهندس بشير دخول مجمّع الأيادي ليلاً بحجة دعوة سحور، رغم رفض رجال الأمن لعدم وجود تنسيق مسبق. لاحقاً، تسلل إلى العمارة رقم 11 حيث يسكن اللواء عباس، مدّعياً رغبته بلقائه. نفى اللواء معرفته ببشير، وحدث شجار بينهما".

وأضافت :نُقل الطرفان لمركز شرطة حطين، حيث اتُّهم بشير باقتحام منزل، واحتُجز. لاحقاً ظهرت عليه تصرفات هستيرية، فنُقل إلى مركز جعيفر، وهناك تعرّض للاعتداء من موقوفين. أُدخل مستشفى الكرخ فاقداً للوعي. لم تُسجل اعتداءات من الشرطة، وشُكلت لجنة تحقيق لكشف علاقة بشير باللواء وتحولت القضية لمكافحة الإجرام".

وتابعت "لكننا نعتقد بوجود علاقة بينه وبين اللواء لأنه يعرف منزله جيداً وما زال التحقيق جاريا وتم استدعاء اللواء وأولاده لذلك".

الهاشمي اغتيل في يوليو 2020 أمام منزله في بغداد
محكمة التمييز العراقية تلغي حكم الإعدام بحق قاتل هشام الهاشمي
نقضت محكمة التمييز الاتحادية العراقية حكم الإعدام الصادر بحق المدان باغتيال الباحث هشام الهاشمي، الجريمة التي أثارت تنديدا محليا وخارجيا، وأعادت القضية إلى محكمة التحقيق، ما يعني إلغاء الحكم، كما علمت وكالة فرانس برس، الخميس.

خلال المؤتمر عرض فيديو قالت فيه الوزارة إنه يوثق "حالة الهستيريا" التي أصابت بشير وهو في مركز الاحتجاز، وهو نفس الفيديو الذي يقول فيه لعنصر شرطة وأفراد بملابس مدنية "إنت مو شرطي.. أريد حقي وارفع شكوى".

وعبر حسابها الرسمي على فيسبوك وكذلك حساب "إعلام الوزير" للشمري، نشرت وزارة الداخلية العراقية الأحد كذلك فيديو، قالت إنه لمشاجرة داخل غرفة السجن التي كان يقيم فيها المهندس بشير.

ويُظهر الفيديو بحسب التعليقين الصوتي والمكتوب، بشير وهو يأخذ ثوباً "ليس له.. ليس من حقّه".

هذا هو سبب المشاجرة، وفق التعليق، فقام "صاحب الثوب" بمحاولة أخذه من يدي بشير قائلاً "هذي مالتي (لي)".

تدخّل بعض السجناء لحل المشكلة، لكن دون جدوى.

وفي الفيديو يدخل بشير لحمام الغرفة "لتبديل ملابسه" على ما يبدو، ليدخل لاحقاً عدد من السجناء ويبدأون بضربه.

أخرجوه، وأتمّوا ضربه أمام بقية النزلاء.

رأي السلطة ليس واحداً، فمجلس النوّاب مثلاً رأى حصول تعذيب لبشير.

في منشور لحسابه الرسمي يوم السبت الماضي، ظهرت صور للجنة حقوق الإنسان النيابية تزور بشير في مستشفى الكرخ، ممثلة بالنائبة نيسان الزاير.

ونقل على لسانها أن "التعذيب في مراكز التحقيق ليس جديدا ووزير الداخلية لا يسمع نداءاتنا".

 وأضافت أن "التحقيق الأولي في هذه القضية يبين تواطؤ واضح من الضباط لإيقاع أشد الضرر بالضحية".

ونشرت على حسابها الرسمي الاثنين صوراً تُظهر مشاركتها في جنازة بشير.

 

الرأي العام

يقول ابن خالة بشير،  جمال محمد لـ"الحرة"، إن مسعى العائلة الآن محاسبة المسؤول عن وفاة بشير وأن تصبح قضيته قضية رأي عام.

القضية بالفعل وصلت للرأي العام، فمتابعة مواقع التواصل وقرارات الحكومة تشير إلى تفاعل عشرات الآلاف مع القضية، غالبيتهم يطالبون بالتحقيق والمحاسبة.

يعتقد العميد مقداد ميري، في مقابلة مع التلفزيون الرسمي تم تسجيلها قبل الإعلان عن وفاة بشير "الحقيقة الموضوع أخذ حيز كبير في العراق، قد يكون الحيز أكبر بكثير مما أشير في بعض الاتهامات".

عدد ممن أبدى رأيه وموقفه من القضية لا يثق بالحكومة أو بلجانها، مستذكراً حالات من الماضي لم يتم فيها معاقبة الجناة، من بين هؤلاء منظمات حقوقية، مثل منظمة إنهاء الإفلات من العقاب.

تشكلت هذه المنظمة بعد انتفاضة تشرين (2019-2020)، التي ذهب ضحيتها أكثر من 600 عراقي وفق أرقام رسمية وتلتها وقائع اغتيال عديدة لنشطاء وباحثين ناصروا مطالب المتظاهرين.

وتطالب منذ سنوات بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن قتل العديد من ضحايا الرأي في العراق.

نقابة المهندسين، من جهتها، أصدرت بياناً الاثنين قالت فيه إن بشير توفي "نتيجة التعذيب".

وهذا يمثل "اعتداء صارخا على كرامة الإنسان العراقي وانتهاك فاضح للقيم الإنسانية التي تتأسس عليها المجتمعات المتحضرة"، وفق تعبيرها.

وأكدت النقابة أنها "لن تتوانى عن الدفاع عن حقوق المهندس بشير ولن تتخلى عن المطالبة بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة جميع المتورطين في هذه الجريمة، مهما كان نفوذهم أو مواقعهم".

من جانبه، أصدر مركز العراق لحقوق الإنسان الاثنين، بياناً نعى فيه بشير وقال إنه قضى "تحت التعذيب في أحد السجون العراقية".

وعدّ ذلك "انتهاكا صارخاً لحقوق الإنسان ومخالفة واضحة لاتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، فضلاً عن خرق للمادة 37 من الدستور العراقي التي تنص في فقرتها (ج) على حرمة التعذيب ولا عِبرة بأي اعتراف يُنتزع بالإكراه".

وطالب المركز بضرورة إنفاذ القانون والالتزام بالاتفاقيات الدولية التي تُعنى بحماية حقوق الإنسان.

واعتبر ما جرى للمهندس الراحل "دليلا على ما هو مخفي داخل السجون من ممارسات مرفوضة، ودعا إلى فتح تحقيق حيادي بإشراف مجلس القضاء الأعلى ومكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة".

وتعليقاً على تصريح للمتحدث باسم وزارة الداخلية مقداد ميري بأن عناصر الأمن "ليسوا ملائكة ومن الممكن حدوث حالات تعذيب"، قال الكاتب والباحث العراقي أياد العنبر إن مثل هذه التصريحات "استفزازية ولا تعالج المشكلة".

وأضاف "ليس موضوعنا أن تكون مواصفات المنتسب بالداخلية ملائكية. الموضوع هو محاسبة كل من يتورط بانتهاك حقوق الإنسان، ويستغل منصبه الأمني بفساد أو مصالح شخصية، ويتم الاستهتار بأرواح الناس".

وفي ختام حديثه مع "الحرة"، يقول جمال محمد قريب بشير، إن العائلة "لا تعرف بالضبط ماذا أراد اللواء عبّاس منه ولماذا حاول بشير الدخول لبيته.. لقد توفي وذهب سرّه معه".

الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)
الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق تشكلت بدعم مالي وعسكري إيراني (رويترز)

قالت صحيفة "التايمز" البريطانية إن إيران نقلت صواريخ أرض أرض بعيدة المدى إلى وكلائها في العراق، يمكن أن يصل مداها لدول أوروبية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر استخبارية إقليمية، لم تسمّها، القول إن الأسلحة نقلت إلى ميليشيالت موالية لإيران في العراق الأسبوع الماضي.، مضيفة أن هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها ميليشيا متحالفة مع إيران صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى في العراق.

وأشارت المصادر إلى أن عملية التسليم جرت عبر القوة الجوية التابعة للحرس الثوري الإيراني، مبينة أن الصواريخ يمكنها استهداف مناطق تمتد لغاية أوروبا.

وتابعت المصادر أن نوعين آخرين من الصواريخ، هما "قدس 351" المجنحة وصواريخ "جمال 69" الباليستية، جرى تهريبها إلى العراق الأسبوع الماضي، وكلاهما بمديات أقصر من صواريخ أرض-أرض.

وقال مصدر استخباراتي إقليمي للصحيفة إن "إيران نقلت مؤخرا صواريخ إلى الميليشيات الشيعية في العراق، بما في ذلك نماذج جديدة ذات مدى أطول، وهي صواريخ لم تُمنح لتلك الميليشيات في الماضي".

ووصف المصدر التحرك الإيراني بأنه "خطوة يائسة قد تعرض استقرار العراق للخطر".

ويتناقض هذا التطور مع التقارير التي وردت هذا الأسبوع من مسؤولين عراقيين وقادة كبار قالوا إن الميليشيات المدعومة من إيران في العراق "مستعدة لتسليم أسلحتها" لتجنب صراع محتمل مع الولايات المتحدة.

لكن مصدر دبلوماسي في المنطقة أبلغ صحيفة "التايمز" أن "الجهود التي لوحظت في آخر 48 ساعة لإنشاء صورة تُظهر أن الميليشيات تقوم بتسليم أسلحتها هي مجرد خدعة".

ولم يرد المتحدث باسم الحكومة العراقية على اتصالات موقع "الحرة" المتكررة وطلب مكتوب أرسل عبر الهاتف للتعليق على ما ورد في تقرير صحيفة "التايمز".

وتشكلت الفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق بدعم مالي وعسكري إيراني في فترة فوضى أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003.