الهلال الأحمر الفلسطيني أكد رفضه قرار إخلاء مستشفى القدس
الهلال الأحمر الفلسطيني أكد رفضه قرار إخلاء مستشفى القدس

مع تواصل القصف الجوي وتقارير عن تقدم بري للقوات الإسرائيلية داخل غزة، تحذر منظمات دولية ومسؤولون صحيون بالقطاع من خطورة دعوات الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي إلى بعض المستشفيات.

ويشدد عاملون في القطاع الصحي بغزة، تحدث معهم موقع "الحرة"، ومسؤولون بمنظمات دولية على الصعوبات والعراقيل الكبيرة التي تجعل من تنفيذ عمليات الإخلاء التي يدعو إليها الجيش الإسرائيلي "مهمة مستحيلة"، وذلك في ظل الأوضاع الصحية والإنسانية التي يعيشها القطاع المحاصر.

ويقول المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، محمد الفتياني، لموقع "الحرة"،إن 22 مستشفى داخل قطاع غزة أخطرت بدعوات للإخلاء، مشيرا إلى أن تنفيذ "المطالبات مستحيلة"، لأن هذه المراكز الصحية "تعج بآلاف الجرحى والمصابين"، بالإضافة إلى آلاف النازحين الذين يلوذون إليها طلبا للحماية.

وكان آخر هذه الدعوات ما كشفت عنه جمعية إسعاف الهلال الأحمر الفلسطيني التي قالن إن الجيش الإسرائيلي وجه إنذارات "شديدة اللهجة" بضرورة إخلاء مستشفى القدس التابع لها في وسط قطاع غزة، كاشفة عن قصف محيطه بشكل "متواصل" ما تسبب بأضرار في أقسامه.

وأضافت الجمعية في بيان أن الجيش الإسرائيلي "يتعمد إطلاق صواريخ مباشرة بجوار مستشفى القدس بشكل متواصل، بهدف إجبار الكادر الطبي والنازحين والمرضى على إخلائه، ما ألحق اضرارا بالغة في أقسام المستشفى، وعرّض الأهالي والمرضى للاختناق".

واعتبر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، يدروس أدهانوم غيبريسوس، أن التقارير المتعلقة بتهديد المستشفى تثير "قلقا بالغا".

وأضاف عبر منصة "إكس": "نكرر، من المستحيل إخلاء المستشفيات المكتظة بالمرضى دون تعريض حياتهم للخطر". 

في المقابل، حاول موقع "الحرة" التواصل مع المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا، عبر رسالة نصية، للحصول على تعليق حول ذلك، لكنها طلبت إعلام وحدة المتحدثين باسم الجيش بذلك. 

بدورها، أكدت وحدة المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي رغبتها على التعليق بالاتهامات التي تتحدث عن تعرض حياة الجرحى والمرضى للخطر من خلال القصف أو دعوات الإخلاء، لكنها لم ترسل حتى تاريخ نشر هذا التقرير أي تعليق. 

وتتهم إسرائيل حماس بإخفاء أسلحة في المستشفيات وبتواجد مقاتلين لها فيها، الأمر الذي تنفيه الحركة الفلسطينية.

ومن هذا المنطلق، يشدد الفتياني على أن "المسؤولين الصحيين يخشون من مثل هذه الاتهامات على سلامة المرضى والمصابين، خاصة وأن تنفيذ أوامر الإخلاء لا يمكن أن يحصل مع تواجد مئات الأشخاص بغرف العناية المركزة، والذين يعتمدون في البقاء على قيد حياتهم على أجهزة التنفس الاصطناعي والمراقبة الصحية الدقيقة".

ويشير المتحدث ذاته إلى أن "مستشفى القدس مثلا، يضم أكثر من 400 مريض ومصاب، إضافة إلى حوالي 12 ألف من النازحين المدنيين وأكثر من مئة من العاملين الصحيين".

"صعوبات وتعقيدات"

ويكشف الفتياني أن عمليات الإخلاء الفورية التي تدعو إليها القوات الإسرائيلية "معقدة وتعترضها صعوبات جمة"، مشيرا إلى أنها تحتاج جهودا لوجستية عالية وتوفير أماكن بديلة للمرضى والمصابين، وأيضا وسائل لنقل آلاف النازحين.

ويلفت المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني إلى الصعوبات التي تعترض أيضا نقل الملفات الطبية والإدارية الخاصة بالمستشفيات، إضافة إلى تجهيزات غرف الأشعة والمختبرات وغيرها والتي يستدعي تنقيلها وقتا وفرقا فنية متخصصة.

وإلى حدود يوم الجمعة الماضي، قالت منظمة الصحة العالمية، إن 23 من 35 مستشفى في قطاع غزة لا يزال يعمل بشكل جزئي.

والأحد، دخلت 33 شاحنة محملة بمساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، الأحد، عبر معبر رفح الحدودي مع مصر حسبما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا).

وذكر المكتب الأممي أن هذه أكبر قافلة تدخل القطاع الفلسطيني المحاصر منذ الاستئناف المحدود لتسليم المساعدات الإنسانية في 21 أكتوبر.

وقال المكتب في تقريره اليومي عن الحرب بين إسرائيل وغزة "على الرغم من أن هذه الزيادة مرحب بها، إلا أن هناك حاجة إلى حجم أكبر بكثير من المساعدات بشكل منتظم لتجنب مزيد من التدهور في الوضع الإنساني المتردي، بما فيها الاضطرابات المدنية".

وشدد التقرير على أن "الإدخال الطارئ للوقود لتشغيل المعدات الطبية ومرافق المياه والصرف الصحي أمر بغاية الضرورة على وجه التحديد".

وعلاوة على كل ما سبق، يضيف الفتياني "ألا مكان آمن بقطاع غزة، من شماله إلى جنوبه"، موضحا أنه "لا توجد أيضا بدائل يمكنها استقبال المرضى، حيث لا يمكن أن تجعل من أي مكان مستشفى بين عشية وضحاها، خاصة في ظل غياب مستشفيات ميدانية بالقطاع".

ويوضح الفتياني أن "لا خيار أمام السلطات الصحية والأطقم الطبية سوى أن تواصل عملها وتقدم خدماتها في المستشفيات، ومحاولة الضغط على المؤسسات الأممية الدولية لتأمينها وتفادي استهدافها".

"عمل انتحاري"

وتعليقا على تكرر ضربات بمحيط عدد من المستشفيات يشير المسؤول الصحي إلى خطورة هذه الهجمات، مؤكدا أن "محيط مستشفى القدس تعرض لقصف عنيف أحدث أضرارا وفوضى مع تسرب غبار وشظايا إلى داخله، ما تسبب في اختناقات وبعث الرعب في صفوف النازحين والمرضى والعاملين".

ويشير المتحدث ذاته إلى "خطورة هذه الضربات التهديدية، بالنظر إلى أن المستشفيات تضم أجهزة لتوليد الأوكسيجين وبعض خزانات الوقود، التي يمكن أن يؤدي انفجارها إلى اندلاع نيران وحرائق قوية".

اختصاصي العظام في مستشفى المعمداني، فضل نعيم، يرى من جهته أن  دعوات الإخلاء التي تصل عدد من المستشفيات "جريمة في حق الإنسانية"، مشيرا إلى أن "استهدافها أو التهديد بذلك أمر مرفوض في كل الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية".

ويضيف نعيم في تصريح لموقع "الحرة"، أن دعوات الجانب الإسرائيلي بإخلاء المستشفيات أو قصفها ومحيطها تمثل "تعديا غير مقبول وتستدعي تحركا دوليا".

ويشير نعيم إلى عدم تلقي المستشفى المعمداني الذي تعرض لضربة قبل أسبوعين، نفى الطرفين علاقتهما بها، أي دعوات لإخلائه.

وتابع أن "الاستجابة للمطالبات التي تصل المستشفيات الأخرى مستحيلة، كونها مأهولة بآلاف المرضى والمصابين، الذين يعد نقلهم عملا انتحاريا".

المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه
المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه

لم تصل الصواريخ الأخيرة التي أطلقتها حماس من غزة إلى إسرائيل، ولكنها أشعلت شرارة احتجاجات غير مسبوقة ضد الحركة تطالبها بالتخلي عن السلطة والخروج من القطاع لإنهاء الحرب.

وخلال اليومين الماضيين خرجت احتجاجات ضد حماس شارك فيها الآلاف، بدأت من بيت لاهيا شمالا حيث كانت الشرارة الأولى وامتدت حتى مناطق أخرى في خان يونس ومخيم النصريات.

وخرج سكان غزة عن صمتهم ورفعوا أصواتهم بالآلاف ضد حماس بعد ممارسات مسلحي الحركة خلال وقف إطلاق النار التي قادت إلى تجدد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

فما إن عاد سكان شمال غزة إلى بيوتهم من خيام النزوح في الجنوب وحاولوا الاستقرار مجددا، "حتى عاد مسلحون من حركة حماس إلى إطلاق قذائف صاروخية من بين المدنيين ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى العودة إلى القصف والدخول البري"، وفقا لما نقلت مراسلة الحرة.

حماس تعلم، حسب سكان في القطاع، أن هذه الصواريخ لا تجدي نفعا سوى أن الجيش الإسرائيلي يجد المبرر لضرب المناطق مجددا والدخول بريا وإصدار أوامر إخلاء جديدة.

"سكان غزة لم يعدوا يجدوا ما يخسروه بعد المعاناة الطويلة، حيث لا طعام ولا شراب ولا دواء، وحتى المساعدات الإنسانية في ظل سيطرة حماس لم توزع بل سرقت ونهبت وسكان غزة يدفعون الثمن"، حسبما نقلت مراسلة الحرة عن سكان في القطاع.

وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.

"ليست مسيسة"

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، رفض الشارع الغزّي الاتهامات الموجهة للمشاركين بالاحتجاجات بأنهم "يعملون لأجندات معينة" سواء بأوامر من السلطة الفلسيطنية أو بتحريك من الجيش الإسرائيلي.

ووردت هذه الاتهامات على لسان مسؤولين من حركة حماس ومؤيدين لها، وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.

 

 

واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".

جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة".

"الناس على وشك أن تنفجر"

ورفض عبد المعطي فلفل أحد مخاتير بيت لاهيا في قطاع غزة في مقابلة هاتفية مع قناة الحرة وصف الحراك الشعبي الذي خرج ضد حماس بالمسيس فصائليا أو حزبيا، وقال إنه "نتج عن ظروف القهر والدمار والقتل والتشريد المستمر التي عاشها سكان غزة خلال أشهر الحرب."

وقال إن "كل هذه الظروف تراكمت في نفسية الناس للخروج في هذه الاحتجاجات"، وأضاف أن "الناس على وشك أن تنفجر" مع عدم وجود أي بصيص من الأمل لإنهاء الحرب.

وأوضح أن المظاهرات بدأت بعد اجتماع وجهاء من مدينة بيت لاهيا الذين قرروا أن يحتجوا ضد الواقع الذي يعيشونه وأنهم يريدون إيصال صوتهم للعالم، مؤكدا أن الهدف من هذه الاحتجاجات "إنساني وناجم عن الظروف والقهر."

وتحدث فلفل عن الوضع الإنساني في شمال غزة حيث "لا مدارس ولا مشافٍ، حتى أن الناس يصومون رمضان بدون سحور أو فطور"، حسب تعبيره.

وتوقعت مراسلة الحرة أن تكون هناك احتجاجات جديدة، مشيرة إلى أن هذه المظاهرات ليست الأولى ولكنها الأجرأ، حيث كان هناك الكثير من المظاهرات قبل الحرب ولكن حماس كانت تقمع التحركات وتقوم باعتقالات بين صفوف الشبان المشاركين فيها.

وأشارت إلى أن الوضع مختلف الآن، فالاستهدافات الإسرائيلية لعناصر حماس أثرت كثيرا في قدرتها على ملاحقة المواطنين الذي خرجوا وطالبوا برحيل الحركة المسلحة وغيابها عن المشهد وترك الساحة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.

وأودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.

وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.

وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.

وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.

وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.

وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.