أزمة المخابز تهدد بتفشي الجوع في غزة.
أزمة المخابز تهدد بتفشي الجوع في غزة.

تتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في جنوب ووسط قطاع غزة بصورة كبيرة وسريعة في ظل القيود الإسرائيلية على المعابر وإدخال المساعدات الغذائية، وذلك بعد 13 شهرا من الحملة العسكرية المدمرة التي شنتها إسرائيل على حماس في قطاع غزة ردا على هجوم مسلحي الحركة في السابع من أكتوبر 2023. 

وفي هذا الإطار حذرت الأمم المتحدة من أن معظم المخابز، التي تعد شريان الحياة للفلسطينيين، أغلقت والبقية على وشك الإغلاق.

وربما يحتاج الحصول على خبز في قطاع غزة إلى الانتظار في صفوف طوابير طويلة، وفي بعض الأحيان تخرج دول أن تنال مرادك.

وبات تأمين رغيف الخبز أمرا صعبا في ظل الشح الحاد في الدقيق والمواد الغذائية نتيجة القيود الإسرائيلية على المعابر والسماح بمرور كميات قليلة من المواد الغذائية التي لا تتناسب مع احتياجات النازحين بحسب تقارير المنظمات الدولية.

ويقول النازح الفلسطيني، أحمد الحاج لقناة الحرة: "نأتي 4 صباحا حتى نأخذ ربطة طحين بـ3 شيقل ولا نأخذها بسبب الازدحام الشديد".

وأضاف "أطالب الوكالة أن توزع الطحين (الدقيق) على الناس بدلا من هذا التجمهر الذي يؤدي إلى الاقتتال والمشاكل".

أزمة المخابز تهدد بتفشي الجوع في غزة.

وأكدت تقارير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية أن 7 مخابز تعمل فقط من أصل 19 مخبزا، وأصبحت مهددة بالتوقف في حال استمر هذا الوضع".

وباتت المطابخ الخيرية هي السبيل الوحيد لحل أزمة الجوع القاتل الذي حذرت منه المنظمات الإنسانية بين النازحين لإبقائهم على قيد الحياة، ومع ذلك ونتيجة الأوضاع أصبحت هذه المطابخ تقلص عملها.

وقال مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، أمجد الشوا، للحرة "هذا الواقع الإنساني دفعنا باتجاه التحذير من إمكانية انهيار منظومة العمل الإنساني بشكل كامل في ظل عدم قدرة هذه المنظومة على الاستجابة لهذه الاحتياجات المتزايدة".

وأضاف "وكذلك طالبنا بإعلان قطاع غزة منطقة مجاعة في ضوء سوء التغذية الشديد الذي وصلت إليه مختلف قطاعات المجتمع، وخاصة النساء والأطفال، وكذلك عدم القدرة على توصيل أبسط احتياجات الغذاء بسبب إغلاق عشرات المخابز والمطابخ المجتمعية أبوابها".

وأكدت الأمم المتحدة أن وصول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة يواجه عراقيل كبيرة مطلع الشهر الجاري وأن الجيش الإسرائيلي لم يسمح بوصول ثلثي عمليات المساعدة الإنسانية الأسبوع الماضي.

وينفي الجيش الإسرائيلي عرقلة وصول المساعدات إلى غزة.

وتقول إحدى النازحات للحرة "ابني وابنتي لم يأكلا خبز من أمس وأول أمس، وأنا لا أعرف من أين يمكن أن أحصل عليه؟!".

ويتسبب النقص الكبير في الغذاء والأدوية وسلع أخرى في تفشي الجوع والمعاناة بين المدنيين النازحين الذي يعيشون ثاني شتاء قاس لهم على التوالي، بعد أن تركتهم الحرب في العراء أو في خيم متهالكة لا يجدون ما يحتمون به، بلا ماء ولا طعام ولا ملابس تقيهم البرد مع انخفاض درجات الحرارة.

ونزح معظم سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2,4 مليون نسمة خلال أكثر من عام من الحرب، مرة واحدة على الأقل وكثير منهم مرات عدة وفقا للأمم المتحدة.

ويشكو قطاع غزة من تعطيل دخول قوافل المساعدات الإنسانية من المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل. والاحتياجات الأساسية إما مفقودة أو تباعد بأسعار بعيدة عن متناول معظمهم.

وعلقت إسرائيل واردات البضائع التجارية، الشهر الماضي، ولم تدخل غزة منذئذ سوى شاحنات المساعدات التي تحمل جزءا ضئيلا للغاية مما تقول جماعات الإغاثة إنه ضروري للقطاع الذي فقد فيه معظم الناس منازلهم وليس لديهم أي أموال تذكر.

وقالت مارغريت هاريس المتحدثة باسم منظمة الصحة العالمية "أصبح من الصعب للغاية إدخال المساعدات"، وذلك بعد سلسلة من حوادث النهب في مطلع الأسبوع.

ويقول تجار إن سعر كيس الدقيق (الطحين) كان يبلغ قبل الحرب 10 دولارات أو 15 دولارا وكيلوجرام من الحليب المجفف 30 شيقلا، أما الآن فقد أصبح سعر الدقيق (الطحين) 100 دولار وكيلوجرام من الحليب المجفف 300 شيقل، بحسب رويترز".

وفي ظل الفوضى الناجمة عن الحرب، تزايدت وتيرة الهجمات التي تشنها العصابات المسلحة على قوافل الإمدادات، إذ تستولي هذه العصابات على الشاحنات وتبيع البضائع المنهوبة في أسواق غزة بأسعار باهظة.

وتتهم إسرائيل حركة حماس بالاستيلاء على المساعدات الإنسانية. وتنفي الحركة ذلك وتتهم إسرائيل بمحاولة إثارة الفوضى في غزة من خلال استهداف أفراد الشرطة الذين يحرسون قوافل المساعدات.

وقالت المسؤولة الكبيرة في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ناتالي بوكلي، الجمعة، إن الكارثة الإنسانية في غزة تتفاقم بسبب الانهيار التام للقانون والنظام مضيفة أن الصراع بين إسرائيل وحركة حماس يجعل القطاع غير صالح للسكن.

كما قالت بوكلي، نائبة مفوض عام الأونروا للبرامج والشراكات، إن مذكرات الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق، يوآف غالانت، وقائد عسكري في حماس تعني أنه سيكون هناك مساءلة بشأن المعاناة التي لحقت بملايين الأشخاص.

وأضافت بوكلي "في الأساس، يحتاج كل سكان غزة إلى المساعدة مع اقتراب شبح المجاعة".

وأقر البرلمان الإسرائيلي، الشهر الماضي، تشريعا يحظر على الأونروا العمل في البلاد عند دخوله حيز التنفيذ في أواخر يناير. وقال المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني إن تنفيذه "ستكون له عواقب كارثية".

وفي حديثها في مؤتمر بقبرص، قالت بوكلي إن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل قطاع غزة يوميا تراجع إلى 37 في الوقت الراهن من 500 شاحنة يوميا قبل الحرب، كما صارت هذه الإمدادات معرضة لخطر النهب من عصابات إجرامية.

وتعرضت ما يقرب من 100 شاحنة تحمل أغذية للفلسطينيين للنهب، في 16 نوفمبر، بعد دخولها غزة في واحدة من أكبر الخسائر في المساعدات منذ بدء الحرب قبل 13 شهرا.

وقالت "صارت غزة غير صالحة للسكن"، ووصفت الوضع بأنه إخفاق للإنسانية.

وأضافت "يجب أن تكون هناك مساءلة عن كل الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي التي تحدث. إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال أمس ضد ثلاثة أفراد هو بداية هذه المساءلة".

وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق نتانياهو وغالانت والقائد العسكري في حماس محمد دياب إبراهيم المصري، الشهير باسم محمد الضيف، لاتهامهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وتقول إسرائيل إن حماس هي المسؤولة عن كل الأذى الذي يلحق بالمدنيين في غزة لأنها تنشط وسطهم، وهو ما تنفيه الحركة الفلسطينية.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الجمعة، إن العام الحالي شهد مقتل عدد من موظفي الإغاثة أكبر من أي عام منذ بدء الإحصاء، معظمهم خلال الصراع في قطاع غزة.

ووفقا لقاعدة بيانات أمن عمال الإغاثة، التي تضم إحصاءات تتعلق بأحداث يعود تاريخها إلى عام 1997، لقي 281 من موظفي الإغاثة حتفهم منذ بداية العام الحالي، بما يتجاوز الرقم القياسي السابق وهو 280 المسجل في عام 2023.

وأظهر الإحصاء مقتل 178 من موظفي الإغاثة هذا العام في الأراضي الفلسطينية بما في ذلك قطاع غزة، حيث يدور الصراع الأكثر إزهاقا للأرواح بالنسبة للأمم المتحدة.

المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه
المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه

لم تصل الصواريخ الأخيرة التي أطلقتها حماس من غزة إلى إسرائيل، ولكنها أشعلت شرارة احتجاجات غير مسبوقة ضد الحركة تطالبها بالتخلي عن السلطة والخروج من القطاع لإنهاء الحرب.

وخلال اليومين الماضيين خرجت احتجاجات ضد حماس شارك فيها الآلاف، بدأت من بيت لاهيا شمالا حيث كانت الشرارة الأولى وامتدت حتى مناطق أخرى في خان يونس ومخيم النصريات.

وخرج سكان غزة عن صمتهم ورفعوا أصواتهم بالآلاف ضد حماس بعد ممارسات مسلحي الحركة خلال وقف إطلاق النار التي قادت إلى تجدد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

فما إن عاد سكان شمال غزة إلى بيوتهم من خيام النزوح في الجنوب وحاولوا الاستقرار مجددا، "حتى عاد مسلحون من حركة حماس إلى إطلاق قذائف صاروخية من بين المدنيين ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى العودة إلى القصف والدخول البري"، وفقا لما نقلت مراسلة الحرة.

حماس تعلم، حسب سكان في القطاع، أن هذه الصواريخ لا تجدي نفعا سوى أن الجيش الإسرائيلي يجد المبرر لضرب المناطق مجددا والدخول بريا وإصدار أوامر إخلاء جديدة.

"سكان غزة لم يعدوا يجدوا ما يخسروه بعد المعاناة الطويلة، حيث لا طعام ولا شراب ولا دواء، وحتى المساعدات الإنسانية في ظل سيطرة حماس لم توزع بل سرقت ونهبت وسكان غزة يدفعون الثمن"، حسبما نقلت مراسلة الحرة عن سكان في القطاع.

وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.

"ليست مسيسة"

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، رفض الشارع الغزّي الاتهامات الموجهة للمشاركين بالاحتجاجات بأنهم "يعملون لأجندات معينة" سواء بأوامر من السلطة الفلسيطنية أو بتحريك من الجيش الإسرائيلي.

ووردت هذه الاتهامات على لسان مسؤولين من حركة حماس ومؤيدين لها، وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.

 

 

واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".

جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة".

"الناس على وشك أن تنفجر"

ورفض عبد المعطي فلفل أحد مخاتير بيت لاهيا في قطاع غزة في مقابلة هاتفية مع قناة الحرة وصف الحراك الشعبي الذي خرج ضد حماس بالمسيس فصائليا أو حزبيا، وقال إنه "نتج عن ظروف القهر والدمار والقتل والتشريد المستمر التي عاشها سكان غزة خلال أشهر الحرب."

وقال إن "كل هذه الظروف تراكمت في نفسية الناس للخروج في هذه الاحتجاجات"، وأضاف أن "الناس على وشك أن تنفجر" مع عدم وجود أي بصيص من الأمل لإنهاء الحرب.

وأوضح أن المظاهرات بدأت بعد اجتماع وجهاء من مدينة بيت لاهيا الذين قرروا أن يحتجوا ضد الواقع الذي يعيشونه وأنهم يريدون إيصال صوتهم للعالم، مؤكدا أن الهدف من هذه الاحتجاجات "إنساني وناجم عن الظروف والقهر."

وتحدث فلفل عن الوضع الإنساني في شمال غزة حيث "لا مدارس ولا مشافٍ، حتى أن الناس يصومون رمضان بدون سحور أو فطور"، حسب تعبيره.

وتوقعت مراسلة الحرة أن تكون هناك احتجاجات جديدة، مشيرة إلى أن هذه المظاهرات ليست الأولى ولكنها الأجرأ، حيث كان هناك الكثير من المظاهرات قبل الحرب ولكن حماس كانت تقمع التحركات وتقوم باعتقالات بين صفوف الشبان المشاركين فيها.

وأشارت إلى أن الوضع مختلف الآن، فالاستهدافات الإسرائيلية لعناصر حماس أثرت كثيرا في قدرتها على ملاحقة المواطنين الذي خرجوا وطالبوا برحيل الحركة المسلحة وغيابها عن المشهد وترك الساحة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.

وأودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.

وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.

وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.

وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.

وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.

وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.