لافتة في إسرائيل تجمع صور الرهائن المختطفين في غزة - فرانس برس
لافتة في إسرائيل تجمع صور الرهائن المختطفين في غزة - فرانس برس

أطلق الرئيس المنتخب دونالد ترامب الاثنين تحذيرات صارمة، مُلوّحا برد غير مسبوق إذا لم يتم الإفراج عن الرهائن قبل 20 يناير المقبل، موعد تنصيبه رئيسا للولايات المتحدة.

وفيما يرى البعض أن هذه التهديدات قد تُسرّع المفاوضات بين إسرائيل وحماس، يحذر آخرون من أن التصعيد الكلامي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويُفاقم الأزمة القائمة.

وكتب ترامب على منصته "تروث سوشل"، "إذا لم يطلق سراح الرهائن (..) فإن الثمن الذي سيدفع في الشرق الأوسط سيكون باهظا، وكذلك بالنسبة إلى المسؤولين الذين ارتكبوا تلك الفظائع ضد الإنسانية".

وأكد أن "هؤلاء المسؤولين عن هذا الحادث سيلحق بهم ضرر أكبر من أي ضرر لحق بأي شخص آخر في تاريخ الولايات المتحدة الطويل والحافل. أطلقوا سراح الرهائن الآن!".

وتمنى رئيس معهد السياسة العالمية في واشنطن، باولو فان شيراك لترامب "حظا سعيدا" في مسعاه، لكنه استبعد إطلاق سراح الرهائن قبل التوصل إلى صفقة مع حماس ووقف لإطلاق النار، واصفا طريقة الرئيس المنتخب بأنها "غريبة جدا لإدارة الدبلوماسية".

وقال: "ترامب لديه سمعة بأنه شخص لا يمكن التنبؤ بتصرفاته ويمكنه القيام بأشياء غريبة، لكن ليس لدي أي فكرة عما يمكن أن يفعله ولم يفعله الإسرائيليون حتى الآن. إذا لم تفرج حماس عن الرهائن، هل سيرسل مثلا قاذفات بي-52 ويدمر غزة أكثر مما دمرها الإسرائيليون حتى الآن ويقتل بضعة آلاف أخرى من المدنيين. نحن نعلم أن عناصر حماس ليسوا في الساحة العامة ولا يمكن التعرف عليهم لأنهم يختبئون بين المدنيين".

خريطة الدمار في قطاع غزة

لكن شيراك يؤكد في الوقت ذاته أن تهديد ترامب قد يدفع نحو تسريع وتيرة المفاوضات بين حماس والإسرائيليين.

وفي السابع من أكتوبر 2023، شنّت حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة ومصنفة منظمة إرهابية في الولايات المتحدة، هجوما غير مسبوق على إسرائيل، أسفر عن مقتل 1208 أشخاص، معظمهم من المدنيين، وفقا لتعداد أجرته وكالة فرانس برس بالاستناد إلى بيانات رسمية إسرائيلية.

وخطِف أثناء الهجوم 251 شخصا من داخل الدولة العبرية، لا يزال 97 منهم محتجزين في القطاع، بينهم 35 شخصا أعلن الجيش الإسرائيلي أنهم قتلوا.

هجوم السابع من أكتوبر 2023

وتنفّذ إسرائيل منذ ذلك الوقت ردا على الهجوم بقصف مدمر وعمليات عسكرية في القطاع تسببت بمقتل أكثر من 44 ألف شخص في غزة غالبيتهم مدنيون من النساء والأطفال، وفق أرقام وزارة الصحة التي تديرها حماس وتعتبرها الأمم المتحدة ذات صدقية.

جانب من الدمار الذي لحق بغزة في إطار الحرب المستمرة منذ 14 شهرا

وكان ترامب تعهّد تقديم دعم قوي لإسرائيل، لكنّه أعرب أيضا عن رغبته في تأمين صفقات على المسرح العالمي.

ويقول مدير مركز التحليل السياسي العسكري في معهد هدسون، ريتشارد وايتز إن "الولايات المتحدة لديها بالفعل طائرات بدون طيار في المنطقة تحاول العثور على الرهائن الأميركيين الذين لم يتبق سوى عدد قليل منهم ولا أحد يعرف مكانهم، ومن غير المؤكد ما إذا كانوا على قيد الحياة أم لا".

وذكرت حركة حماس الاثنين أن 33 من الرهائن في غزة قتلوا خلال الحرب المستمرة منذ 14 شهرا تقريبا بينها وإسرائيل في القطاع، دون الإفصاح عن جنسياتهم.

ويتوقع وايتز أن يكون الرهائن حاليا تحت سيطرة أمراء حرب يختلفون عن القادة العسكريين المختلفين في المناطق المختلفة لأنه تم تقويض هيكل قيادة حماس".

وقال: "أنا لست متأكدا تماما مما قد يفعله. نحن نعلم أنه أطلق سلسلة من هذه التهديدات ضد كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، بدون أي مزيد من التفاصيل، لكنني أعتقد أنه لا يخطط لفعل أي شيء. إنه يأمل أن يتمكن من تخويف حماس، وربما قطر ومصر وبعض الوسطاء الآخرين، حتى يسرعوا في العمل على إطلاق سراحهم"، مشيرا إلى أن فريق ترامب يعتبر أن انتخابه هو الذي جلب اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان.

وجاء تهديد ترامب بعد جهود دبلوماسية شاقة بذلتها إدارة الرئيس جو بايدن وفشلت حتى الآن في تأمين اتفاق من شأنه إنهاء حرب إسرائيل في غزة وتحرير الرهائن.

ومنذ اندلاع الحرب، تم التوصل إلى هدنة وحيدة في نوفمبر 2023 استمرت أسبوعا، وأتاحت إطلاق رهائن كانوا محتجزين في القطاع مقابل معتقلين فلسطينيين لدى إسرائيل.

وقادت الولايات المتحدة مع قطر ومصر وساطة بين إسرائيل وحماس، لكن هذه الجهود لم تثمر عن هدنة أخرى.

كما يأتي تهديد ترامب في ظل بداية مفاوضات جديدة غير مباشرة، حيث توجه وفد من حماس السبت الماضي إلى القاهرة لإجراء محادثات بشأن مقترح لوقف القتال في غزة لمدة 60 يوما على الأقل، مع السماح لإسرائيل بالحفاظ على وجود عسكري في القطاع، قبل إطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة بعد 7 أيام من ذلك.

المظاهرات تتواصل في إسرائيل لإطلاق سراح المختطفين في غزة - رويترز
إسرائيل: مؤشرات على تقدم في صفقة الرهائن
أشار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الأحد، إلى أن هناك مؤشرات على "تقدم" في صفقة إطلاق سراح الرهائن المحتجزين في غزة، لكنه لم يوضح المزيد من التفاصيل، في الوقت الذي تتواصل فيه المفاوضات من أجل الوصول لوقف إطلاق نار على غرار ما حدث في لبنان.

وفي ظل المفاوضات الجارية، نشرت حركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى)، السبت، مقطعا مصورا لرهينة يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأميركية، ظهر فيه وهو يناشد ترامب العمل على إطلاق سراحه.

المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه
المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه

لم تصل الصواريخ الأخيرة التي أطلقتها حماس من غزة إلى إسرائيل، ولكنها أشعلت شرارة احتجاجات غير مسبوقة ضد الحركة تطالبها بالتخلي عن السلطة والخروج من القطاع لإنهاء الحرب.

وخلال اليومين الماضيين خرجت احتجاجات ضد حماس شارك فيها الآلاف، بدأت من بيت لاهيا شمالا حيث كانت الشرارة الأولى وامتدت حتى مناطق أخرى في خان يونس ومخيم النصريات.

وخرج سكان غزة عن صمتهم ورفعوا أصواتهم بالآلاف ضد حماس بعد ممارسات مسلحي الحركة خلال وقف إطلاق النار التي قادت إلى تجدد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

فما إن عاد سكان شمال غزة إلى بيوتهم من خيام النزوح في الجنوب وحاولوا الاستقرار مجددا، "حتى عاد مسلحون من حركة حماس إلى إطلاق قذائف صاروخية من بين المدنيين ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى العودة إلى القصف والدخول البري"، وفقا لما نقلت مراسلة الحرة.

حماس تعلم، حسب سكان في القطاع، أن هذه الصواريخ لا تجدي نفعا سوى أن الجيش الإسرائيلي يجد المبرر لضرب المناطق مجددا والدخول بريا وإصدار أوامر إخلاء جديدة.

"سكان غزة لم يعدوا يجدوا ما يخسروه بعد المعاناة الطويلة، حيث لا طعام ولا شراب ولا دواء، وحتى المساعدات الإنسانية في ظل سيطرة حماس لم توزع بل سرقت ونهبت وسكان غزة يدفعون الثمن"، حسبما نقلت مراسلة الحرة عن سكان في القطاع.

وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.

"ليست مسيسة"

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، رفض الشارع الغزّي الاتهامات الموجهة للمشاركين بالاحتجاجات بأنهم "يعملون لأجندات معينة" سواء بأوامر من السلطة الفلسيطنية أو بتحريك من الجيش الإسرائيلي.

ووردت هذه الاتهامات على لسان مسؤولين من حركة حماس ومؤيدين لها، وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.

 

 

واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".

جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة".

"الناس على وشك أن تنفجر"

ورفض عبد المعطي فلفل أحد مخاتير بيت لاهيا في قطاع غزة في مقابلة هاتفية مع قناة الحرة وصف الحراك الشعبي الذي خرج ضد حماس بالمسيس فصائليا أو حزبيا، وقال إنه "نتج عن ظروف القهر والدمار والقتل والتشريد المستمر التي عاشها سكان غزة خلال أشهر الحرب."

وقال إن "كل هذه الظروف تراكمت في نفسية الناس للخروج في هذه الاحتجاجات"، وأضاف أن "الناس على وشك أن تنفجر" مع عدم وجود أي بصيص من الأمل لإنهاء الحرب.

وأوضح أن المظاهرات بدأت بعد اجتماع وجهاء من مدينة بيت لاهيا الذين قرروا أن يحتجوا ضد الواقع الذي يعيشونه وأنهم يريدون إيصال صوتهم للعالم، مؤكدا أن الهدف من هذه الاحتجاجات "إنساني وناجم عن الظروف والقهر."

وتحدث فلفل عن الوضع الإنساني في شمال غزة حيث "لا مدارس ولا مشافٍ، حتى أن الناس يصومون رمضان بدون سحور أو فطور"، حسب تعبيره.

وتوقعت مراسلة الحرة أن تكون هناك احتجاجات جديدة، مشيرة إلى أن هذه المظاهرات ليست الأولى ولكنها الأجرأ، حيث كان هناك الكثير من المظاهرات قبل الحرب ولكن حماس كانت تقمع التحركات وتقوم باعتقالات بين صفوف الشبان المشاركين فيها.

وأشارت إلى أن الوضع مختلف الآن، فالاستهدافات الإسرائيلية لعناصر حماس أثرت كثيرا في قدرتها على ملاحقة المواطنين الذي خرجوا وطالبوا برحيل الحركة المسلحة وغيابها عن المشهد وترك الساحة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.

وأودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.

وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.

وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.

وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.

وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.

وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.