بعد أسابيعَ من دخول الهدنة بين إسرائيل وحزب الله اللبناني حيز التنفيذ، بدأ الحديث مؤخرا يزداد حول الجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى هدنة بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة.
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، قال خلال زيارتِه إلى تركيا، إنه يرى مؤشرات مشجعة على التقدم نحو وقف لإطلاق النار في غزة، طالبا من أنقرة استخدام نفوذها كي ترد حركة حماس بالإيجاب على مقترح وقف إطلاق النار.
جايك والاس السفير الأميركي السابق وكبير الباحثين في برنامج الشرق الأوسط بمركز كارنيغي للسلام الدولي قال لقناة الحرة إن رغم التوقعات بوجود فرص أفضل الآن للتوصل إلى اتفاق لكن "الشيطان في التفاصيل" التي لم يحصل اتفاق عليها لحد الآن من قبل حماس و إسرائيل.
وأوضح والاس أن حماس مستعدة للإتفاق لكنها لن تتنازل عن نقاط أساسية أبرزها إنسحاب إسرائيل الكامل من غزة "وهذا أمر لن توافق عليه إسرائيل" حسب تعبيره.
تطبيق الاتفاق، بحسب السفير الأميركي السابق، يتطلب جهودا كثيرة من قبل الإدارة الأميركية والوسطاء مثل مصر وقطر وتركيا، مضيفا أن الأسابيع المقبلة قبل تولي دونالد ترامب منصبه الرئاسي "ستكون شاهدة اذا أثمرت هذه الجهود أم لا".
جايك والاس أوضح أيضا أن لتركيا دور مهم في هذا الملف بسبب دعمها لحماس طوال الفترة الماضية ولديها نفوذ على الحركة، مضيفا أن بلينكن طلب من أنقرة أن تستخدم هذا النفوذ للضغط باتجاه وقف إطلاق النار، حسب تعبيره.
صحيفة وول ستريت جورنال كشفت عن تفاصيل الاقتراح الجديد لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة، والذي قالت إن مصر صاغته ودعمته واشنطن، ويستند إلى خطة لمدة 60 يوماً ينسحب خلالها الجيش الإسرائيلي جزئيا من القطاع.
مصدر مصري مطلع، قال إنه لن يتم إعادة الرهائن الإسرائيليين إلا بعد أسبوع من سريان الاتفاق على أن يتم إطلاق سراح أسرى فلسطينيين مقابلَهم، من دون الحديث عن أرقام أو معايير محددة.
ونقلت الصحيفة عن وسطاءَ عرب أن حركة حماس استجابت لمطلبين رئيسييْن من مطالب إسرائيل، ما أثار الآمال في إمكانية التوصل إلى اتفاق قد يفضي إلى الإفراج عن بعض الرهائن في غضون أيام.
وأخبرت حماس الوسطاءَ لأول مرة بأنها ستوافق على اتفاق يسمح للقوات الإسرائيلية بالبقاء مؤقتا في غزة عند توقف القتال.
ويقوم مقترح الهدنة على إنشاء لجنة فلسطينية مكونة من خمس عشرة شخصية من التكنوقراط تكلف بإدارة قطاع غزة، وستتكلف الولايات المتحدة بمراقبة عمل هذه اللجنة.
ووفق التسريبات فسيتم خلال فترة الستين يوما التفاوض على إنهاء الحرب، والتفاوض على مطلب حماس بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، على أن يتم إنجاز الاتفاق بحلول تسلّم الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب لمنصبه يوم 20 يناير المقبل.
لم تصل الصواريخ الأخيرة التي أطلقتها حماس من غزة إلى إسرائيل، ولكنها أشعلت شرارة احتجاجات غير مسبوقة ضد الحركة تطالبها بالتخلي عن السلطة والخروج من القطاع لإنهاء الحرب.
وخلال اليومين الماضيين خرجت احتجاجات ضد حماس شارك فيها الآلاف، بدأت من بيت لاهيا شمالا حيث كانت الشرارة الأولى وامتدت حتى مناطق أخرى في خان يونس ومخيم النصريات.
وخرج سكان غزة عن صمتهم ورفعوا أصواتهم بالآلاف ضد حماس بعد ممارسات مسلحي الحركة خلال وقف إطلاق النار التي قادت إلى تجدد العمليات العسكرية الإسرائيلية.
فما إن عاد سكان شمال غزة إلى بيوتهم من خيام النزوح في الجنوب وحاولوا الاستقرار مجددا، "حتى عاد مسلحون من حركة حماس إلى إطلاق قذائف صاروخية من بين المدنيين ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى العودة إلى القصف والدخول البري"، وفقا لما نقلت مراسلة الحرة.
حماس تعلم، حسب سكان في القطاع، أن هذه الصواريخ لا تجدي نفعا سوى أن الجيش الإسرائيلي يجد المبرر لضرب المناطق مجددا والدخول بريا وإصدار أوامر إخلاء جديدة.
"سكان غزة لم يعدوا يجدوا ما يخسروه بعد المعاناة الطويلة، حيث لا طعام ولا شراب ولا دواء، وحتى المساعدات الإنسانية في ظل سيطرة حماس لم توزع بل سرقت ونهبت وسكان غزة يدفعون الثمن"، حسبما نقلت مراسلة الحرة عن سكان في القطاع.
وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.
"ليست مسيسة"
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، رفض الشارع الغزّي الاتهامات الموجهة للمشاركين بالاحتجاجات بأنهم "يعملون لأجندات معينة" سواء بأوامر من السلطة الفلسيطنية أو بتحريك من الجيش الإسرائيلي.
ووردت هذه الاتهامات على لسان مسؤولين من حركة حماس ومؤيدين لها، وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.
واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".
جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة".
"الناس على وشك أن تنفجر"
ورفض عبد المعطي فلفل أحد مخاتير بيت لاهيا في قطاع غزة في مقابلة هاتفية مع قناة الحرة وصف الحراك الشعبي الذي خرج ضد حماس بالمسيس فصائليا أو حزبيا، وقال إنه "نتج عن ظروف القهر والدمار والقتل والتشريد المستمر التي عاشها سكان غزة خلال أشهر الحرب."
وقال إن "كل هذه الظروف تراكمت في نفسية الناس للخروج في هذه الاحتجاجات"، وأضاف أن "الناس على وشك أن تنفجر" مع عدم وجود أي بصيص من الأمل لإنهاء الحرب.
وأوضح أن المظاهرات بدأت بعد اجتماع وجهاء من مدينة بيت لاهيا الذين قرروا أن يحتجوا ضد الواقع الذي يعيشونه وأنهم يريدون إيصال صوتهم للعالم، مؤكدا أن الهدف من هذه الاحتجاجات "إنساني وناجم عن الظروف والقهر."
وتحدث فلفل عن الوضع الإنساني في شمال غزة حيث "لا مدارس ولا مشافٍ، حتى أن الناس يصومون رمضان بدون سحور أو فطور"، حسب تعبيره.
وتوقعت مراسلة الحرة أن تكون هناك احتجاجات جديدة، مشيرة إلى أن هذه المظاهرات ليست الأولى ولكنها الأجرأ، حيث كان هناك الكثير من المظاهرات قبل الحرب ولكن حماس كانت تقمع التحركات وتقوم باعتقالات بين صفوف الشبان المشاركين فيها.
وأشارت إلى أن الوضع مختلف الآن، فالاستهدافات الإسرائيلية لعناصر حماس أثرت كثيرا في قدرتها على ملاحقة المواطنين الذي خرجوا وطالبوا برحيل الحركة المسلحة وغيابها عن المشهد وترك الساحة.
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.
وأودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.
وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.
وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.
وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.
وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.
وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.
وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.