بايدن على أمل بتحقيق وقف لإطلاق النار في غزة قبل مغادرته البيت الأبيض. أرشيفية
بايدن على أمل بتحقيق وقف لإطلاق النار في غزة قبل مغادرته البيت الأبيض. أرشيفية

مع اقتراب موعد رحيل إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، تتباين التكهنات بشأن عقد صفقة لإنهاء الحرب الدائرة في قطاع غزة بين إسرائيل وحماس في أعقاب الهجوم الذي شنته الحركة على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.

وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن أجرى 12 زيارة إلى منطقة الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر في 2023، في محاولات لتهدئة الحرب في غزة والتوصل لاتفاق لإطلاق سراح الرهائن.

وعلى الرغم من اقتراب المفاوضات للتوصل لاتفاق وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس مرارا، إلا أن المساعي دائما ما تفشل وهو ما تسبب في حالة إحباط لدى الوسطاء.

المحلل السياسي الأميركي في معهد هدسون، ريتشارد وايتز لم يستبعد أن يتم التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار قبل مغادرة الرئيس الأميركي، بايدن للبيت الأبيض يوم 20 يناير المقبل، وقال "هناك إمكانية لذلك".

وأضاف في حديث لقناة "الحرة" أن هذا الاتفاق لن يكون في 2024، بل قد يكون في مطلع 2025، منوها إلى أن المفاوضات لم تبحث "الحلول المستدامة" لوقف الحرب في غزة.

وقال وايتز إننا نشهد عوامل بعضها يدفع للتوصل لاتفاق وقف إطلاق النار، وبعضها الآخر يدفع بعكس ذلك، موضحا أن من يرى نفسه منتصرا فيما يحدث لا يريد وقف إطلاق النار، في وقت نحتاج فيه إلى الاتفاق لإطلاق سراح الرهائن وتكثيف إدخال المساعدات إلى غزة.

وأشار وايتز إلى أن حماس لا تريد التخلي "الرهائن" باعتبارهم ورقتها التفاوضية، والحكومة الإسرائيلية تعتقد أن استمرار العمليات العسكرية يعني فوزها بالمواجهة، وهي لا تركز على ملف الرهائن أو المساعدات العسكرية، إذ عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو صراحة أن الهدف تدمير وكلاء إيران.

وتابع أنه يوجد هناك عوامل إيجابية تدفع للتوصل لاتفاق، إذ أن إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن والرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب يريدان التوصل للاتفاق في أسرع وقت، مستدركا بأن ترامب نفسه يريد أن يرى الاتفاق قائما في عهد بايدن.

وأضاف المتحدث أن نجاح المهمة خلال فترة شهر يبقى رهنا بإدارة بايدن، والتي لم تستخدم أي أدوات للضغط على إسرائيل بقبول الاتفاق.

ويرى وايتز أن زيارات بلينكن المتكررة إلى المنطقة "لا تعني الفشل في التوصل لوقف إطلاق النار، ويمكن أن يعني أن الظروف لم تكن مواتية لذلك، والخلافات بين الفريقين كبيرة جدا، والضغوطات على حماس لم تكن كافية".

وأعلن وزير الخارجية الأميركي بلينكن الأربعاء أنه ما زال "متفائلا" بإمكان التوصل خلال الأيام المتبقية من ولاية الرئيس بايدن إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة.

وقال بلينكن الذي سيغادر منصبه في 20 يناير "أنا متفائل. عليك أن تكون كذلك. سنستغل كل دقيقة من كل يوم من كل أسبوع متبق أمامنا لمحاولة إنجاز هذا الأمر".

وشدد وايتز أن ما نحتاجه إيجاد حل مستدام للصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وليس وقف المواجهة الحالية، والتي قد تتكرر كما يحصل منذ سنوات.

وقال بلينكن الأربعاء أمام مركز أبحاث مجلس العلاقات الخارجية إن حماس باتت أكثر جنوحا إلى المفاوضات بسبب الضربات المتتالية التي تلقتها داعمتها إيران.

وشدد الوزير الأميركي من ناحية ثانية على أن بقاء الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة إلى أجل غير مسمى لا يصب في مصلحة إسرائيل، مشيرا إلى أنه إذا قرر الإسرائيليون البقاء في القطاع "فسيتعين عليهم مواجهة تمرد لسنوات عديدة، وهذا أمر ليس في مصلحتهم".

وأضاف "لذلك يجب أن يحصل في غزة شيء مختلف يضمن عدم سيطرة حماس بأي شكل من الأشكال، وعدم سيطرة إسرائيل كذلك، وأن يكون هناك شيء متماسك بعد ذلك".

وتعهد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب تقديم دعم ثابت لإسرائيل، لكنه أعرب أيضا عن رغبته في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعيد الرهائن.

وأسفرت الحرب التي اندلعت في قطاع غزة بسبب هجوم غير مسبوق شنته حماس على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر عن مقتل 1208 أشخاص في الجانب الإسرائيلي، غالبيتهم مدنيون، بحسب تعداد أجرته وكالة فرانس برس استنادا إلى أرقام رسمية، بينما قتل أكثر من 45 ألف فلسطيني، غالبيتهم مدنيون، وفقا لأرقام وزارة الصحة التابعة لحماس والتي تعتبرها الأمم المتحدة جديرة بالثقة.

المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه
المظاهرات ضد حماس امتدت من شمال قطاع غزة إلى جنوبه

لم تصل الصواريخ الأخيرة التي أطلقتها حماس من غزة إلى إسرائيل، ولكنها أشعلت شرارة احتجاجات غير مسبوقة ضد الحركة تطالبها بالتخلي عن السلطة والخروج من القطاع لإنهاء الحرب.

وخلال اليومين الماضيين خرجت احتجاجات ضد حماس شارك فيها الآلاف، بدأت من بيت لاهيا شمالا حيث كانت الشرارة الأولى وامتدت حتى مناطق أخرى في خان يونس ومخيم النصريات.

وخرج سكان غزة عن صمتهم ورفعوا أصواتهم بالآلاف ضد حماس بعد ممارسات مسلحي الحركة خلال وقف إطلاق النار التي قادت إلى تجدد العمليات العسكرية الإسرائيلية.

فما إن عاد سكان شمال غزة إلى بيوتهم من خيام النزوح في الجنوب وحاولوا الاستقرار مجددا، "حتى عاد مسلحون من حركة حماس إلى إطلاق قذائف صاروخية من بين المدنيين ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى العودة إلى القصف والدخول البري"، وفقا لما نقلت مراسلة الحرة.

حماس تعلم، حسب سكان في القطاع، أن هذه الصواريخ لا تجدي نفعا سوى أن الجيش الإسرائيلي يجد المبرر لضرب المناطق مجددا والدخول بريا وإصدار أوامر إخلاء جديدة.

"سكان غزة لم يعدوا يجدوا ما يخسروه بعد المعاناة الطويلة، حيث لا طعام ولا شراب ولا دواء، وحتى المساعدات الإنسانية في ظل سيطرة حماس لم توزع بل سرقت ونهبت وسكان غزة يدفعون الثمن"، حسبما نقلت مراسلة الحرة عن سكان في القطاع.

وشمال غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للدمار خلال الصراع الذي اندلع إثر هجوم قادته حماس، التي تصنفها واشنطن إرهابية، على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023. إذ تحولت معظم المباني في هذه المنطقة المكتظة بالسكان إلى أنقاض، ونزح الكثير من السكان عدة مرات هربا من القتال.

"ليست مسيسة"

ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، رفض الشارع الغزّي الاتهامات الموجهة للمشاركين بالاحتجاجات بأنهم "يعملون لأجندات معينة" سواء بأوامر من السلطة الفلسيطنية أو بتحريك من الجيش الإسرائيلي.

ووردت هذه الاتهامات على لسان مسؤولين من حركة حماس ومؤيدين لها، وعلق باسم نعيم القيادي بحماس على الاحتجاجات بالقول "من حق الناس جميعا أن تصرخ من شدة الألم وأن ترفع صوتها عاليا ضد العدوان على شعبنا والخذلان من أمتنا"، حسبما نقلت عنه رويترز.

 

 

واستدرك بالقول "لكن مرفوض ومستنكر استغلال هذه الأوضاع الإنسانية المأساوية، سواء لتمرير أجندات سياسية مشبوهة أو إسقاط المسؤولية عن المجرم المعتدي وهو الاحتلال وجيشه".

جاءت هذه التصريحات، التي تعكس التوتر بين الفصائل الفلسطينية حول مستقبل غزة، بعد ساعات من دعوة حركة فتح المنافسة حماس إلى "الاستجابة لنداء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة".

"الناس على وشك أن تنفجر"

ورفض عبد المعطي فلفل أحد مخاتير بيت لاهيا في قطاع غزة في مقابلة هاتفية مع قناة الحرة وصف الحراك الشعبي الذي خرج ضد حماس بالمسيس فصائليا أو حزبيا، وقال إنه "نتج عن ظروف القهر والدمار والقتل والتشريد المستمر التي عاشها سكان غزة خلال أشهر الحرب."

وقال إن "كل هذه الظروف تراكمت في نفسية الناس للخروج في هذه الاحتجاجات"، وأضاف أن "الناس على وشك أن تنفجر" مع عدم وجود أي بصيص من الأمل لإنهاء الحرب.

وأوضح أن المظاهرات بدأت بعد اجتماع وجهاء من مدينة بيت لاهيا الذين قرروا أن يحتجوا ضد الواقع الذي يعيشونه وأنهم يريدون إيصال صوتهم للعالم، مؤكدا أن الهدف من هذه الاحتجاجات "إنساني وناجم عن الظروف والقهر."

وتحدث فلفل عن الوضع الإنساني في شمال غزة حيث "لا مدارس ولا مشافٍ، حتى أن الناس يصومون رمضان بدون سحور أو فطور"، حسب تعبيره.

وتوقعت مراسلة الحرة أن تكون هناك احتجاجات جديدة، مشيرة إلى أن هذه المظاهرات ليست الأولى ولكنها الأجرأ، حيث كان هناك الكثير من المظاهرات قبل الحرب ولكن حماس كانت تقمع التحركات وتقوم باعتقالات بين صفوف الشبان المشاركين فيها.

وأشارت إلى أن الوضع مختلف الآن، فالاستهدافات الإسرائيلية لعناصر حماس أثرت كثيرا في قدرتها على ملاحقة المواطنين الذي خرجوا وطالبوا برحيل الحركة المسلحة وغيابها عن المشهد وترك الساحة.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إن الاحتجاجات تُظهر أن قرار إسرائيل باستئناف هجومها عاد بفائدة في غزة حيث اختفت الشرطة التابعة لحماس مجددا بعد ظهورها خلال وقف إطلاق النار.

وأودت الحرب بحياة أكثر من 50 ألف فلسطيني منذ اندلاعها بعد هجوم قادته حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 أدى إلى مقتل 1200 واقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة.

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية عن تدمير معظم القطاع الذي يعيش أغلب سكانه حاليا في خيام أو مبان مدمرة.

وعاد مئات الألوف من السكان، الذين فروا إلى جنوب غزة في وقت سابق من الحرب، إلى منازلهم المدمرة في الشمال عندما دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في يناير.

وانتهى وقف إطلاق النار الذي استمر شهرين بعد أن استأنفت إسرائيل الهجمات في 18 مارس وأصدرت أوامر للسكان بالإخلاء. وسلمت حماس خلال وقف إطلاق النار المزيد من الرهائن مقابل إطلاق سراح فلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وتتواصل المحادثات الهادفة إلى استئناف وقف إطلاق النار لكنها لم تظهر أي بوادر على انفراجة بشأن تسوية خلافات تشمل مستقبل الحكم في قطاع غزة.

وسيطرت حماس على غزة في 2007 بعد انتخابات اكتسحت فيها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بزعامة الرئيس محمود عباس. وتحكم حماس القطاع منذ ذلك الحين ولا مساحة تُذكر فيه للمعارضة. ويتوخى بعض الفلسطينيين الحذر من التحدث علنا ضد الحركة خوفا من الانتقام.

وهناك خلافات ممتدة منذ سنوات بين فتح وحماس لم يتمكن الطرفان من تجازوها، ومنها مستقبل قطاع غزة الذي تتمسك السلطة الفلسطينية بحكمه.

وأبدت حماس استعدادها للتخلي عن دورها في الحكومة لكنها متمسكة بالمشاركة في اختيار الإدارة الجديدة.