زجاج مهشم في مقر تابع لحزب الله في بيروت بعد سقوط طائرة مسيرة في 25 أغسطس 20189
زجاج مهشم في مقر تابع لحزب الله في بيروت بعد سقوط طائرة مسيرة في 25 أغسطس 20189

من الصحاري الشاسعة في المملكة العربية السعودية إلى أحياء بيروت المزدحمة، تشعل حرب الطائرات من دون طيار التوتر في الشرق الأوسط.

ومنذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني العام الماضي، ازداد معدل الهجمات والتهديدات، بالأخص، خلال اليومين الماضيين، من طائرة مسيرة أطلقها حلفاء لواشنطن وطهران في المنطقة، وفق تحليل نشرته "أسوشييتد برس".

وتتميز الطائرات المسيرة بأنها لا تخاطر بأي طيارين ويمكن أن تكون صغيرة بما يكفي لتفادي أنظمة الدفاع الجوي، وهذا ساهم في استخدامها بكثرة وسط الضغوطات المتزايدة بين إيران والولايات المتحدة، ومع تزايد الهجمات بهذه الطائرات تتزايد الفرص في رفع حدة النزاع. 

واقترب الجيش الأميركي من إطلاق هجمات جوية ضد إيران، بعد إسقاط الأخيرة طائرة استطلاع عسكرية أميركية في يونيو.

كما أن المقاتلات الإسرائيلية شنت غارات، السبت، على أهداف تابعة لفيلق القدس الإيراني جنوب العاصمة السورية دمشق، وقالت القوات الإسرائيلية إن السبب بالغارات الأخيرة كان لإحباط محاولة هجوم إيراني بطائرة مسيرة. 

 ووردت تقارير حول تحليق طائرة إسرائيلية فوق بيروت بعد أنباء عن فقدانها طائرتين مسيرتين قبل ساعات، ما قد يهدد بنزاع أوسع بين إسرائيل وميليشات حزب الله في لبنان. 

وضربت طائرة مسيرة سيارات تابعة للحشد الشعبي في العراق الأحد، في هجوم تسبب بمقتل قيادي في الحشد وجرح آخرين وفقا للتقارير، ولم يتضح مباشرة المسؤول عن الضربة الجوية.

ووسط تفاقم الأزمة، توجه وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف في زيارة الأحد لقمة مجموعة السبع في فرنسا بدعوة من الرئيس الفرنسي. 

وبدأ التزايد في التوتر خلال مايو 2018 مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، الذي ينص بحصر طهران إنتاجها من اليورانيوم المخصب مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها.

وردا على انسحاب واشنطن من الاتفاق بسبب أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، حاولت إيران البحث عن دعم أوروبي، إلا أن العقوبات الأميركية زادت الضغط عليها، بخنق بيع النفط الخام في الأسواق العالمية. 

وفي مايو الماضي، أرسلت الولايات المتحدة طائرات B-52 ومقاتلات وحاملة طائرات وقوات إضافية إلى المنطقة للتعامل مع بالتهديدات الإيرانية، بعد احتجاز طهران ناقلة نفط بريطانية وشن هجمات على ناقلات وسفن في مضيق هرمز. 

وتبعت ذلك سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيرة من الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن استهدفت البنية التحتية للنفط في السعودية، إحداها استهدفت خط أنابيب وهجمات أخرى استهدفت منشأة في الربع الخالي من الصحراء.

وربطت المملكة مباشرة إيران بالهجمات، في وقت تنكر فيه طهران دعم الحوثيين بالأسلحة، ويقول الخبراء في الأمم المتحدة إن أنواع الطائرات المستخدمة من قبل الحوثيين تعكس نمط الطائرات المسيرة التي تملكها إيران. 

والشهر الماضي، هاجمت طائرة مسيرة قاعدة تابعة لميليشيات عراقية مدعومة من إيران، قالت تقارير إن إسرائيل كانت وراءها. 

ولم تصدر تصريحات حول ذلك من الجانب الإسرائيلي حول الهجوم، أما المسؤولون الأميركيون الذين ربطوا إسرائيل بهذا الهجوم لم يشيروا إلى مشاركة طائرات مسيرة فيه، وإن تأكد ذلك فإنها ستكون المرة الأولى التي تشن فيها إسرائيل هجمات في العراق منذ عام 1981.

لكن إسرائيل أكدت هجومها على سوريا السبت الماضي، في محاولة لصد هجوم لإيران خططت فيه أن ترسل طائرات مسيرة قاتلة إلى إسرائيل. 

ودعم زعيم حزب الله، حسن نصرالله، النسخة الإسرائيلية من القصة، قائلا إنها استهدفت موقعا للحزب وأدت إلى مقتل اثنين من أعضائه. 

وقالت إسرائيل إن الطائرات المسيرة التي استهدفتها في سوريا شبيهة لتلك التي يستخدمها الحوثيون، حيث تتوجه الطائرة المسيرة الحاملة للقنابل إلى نقطة معينة.

ويرجح أن هذه النوعية من الطائرات تخضع للبرمجة قبل تحليقها، وإما تنفجر في الجو فوق الهدف أو تنفجر عند اصطدامها مباشرة بالهدف. 

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، بعد إحباط الهجوم: "إن أراد أحدهم قتلك، اقتله أولا". 

ونشر الجيش الإسرائيلي خارطة، الأحد، أظهرت ما أشارت إليه بأنه المسار الإيراني لإيصال الطائرات إلى سوريا.

وذكرت إسرائيل أن الخارطة تظهر موقع إطلاق الطائرة المسيرة في قرية عقربا السورية، إضافة إلى قرية عرنة السورية حيث أحبطت محاولات للهجوم الخميس الماضي، وفقا لما ذكرته السلطات. 

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، المقدم جوناثان كونريكوس، إنه من الأسهل تدمير الطائرات المسيرة قبل إقلاعها وأن تحديدها يصعب خلال تحليقها. 

ونفت إيران بأن الهجمات الإسرائيلية في سوريا أحدثت أي أضرار في قواتها مشيرة إلى أن "هذا كذب"، وفقا لتصريحات أتت على لسان القيادي في الحرس الثوري الإيراني، محسن رضائي.

وأكد رضائي أن الرد الإيراني سيأتي "قريبا"، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية "ILNA"، وهذا الرد يشير إلى التصعيد الخطير وراء هجمات الطائرات المسيرة.

 

أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)
أمام نتنياهو أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران (رويترز)

زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو البيت الأبيض للمرة الثانية خلال شهرين في رحلة استثنائية بتوقيتها ومضمونها. فنتانياهو يقصد واشنطن المنشغلة بحرب الرسوم الجمركية مع الصين، فيما عينها على النظام الإيراني، الذي ستجلس معه "مباشرةً" في سلطنة عُمان.

الرسوم الجمركية تصدرت مشهد القمة في البيت الأبيض، لكن الحدث الرئيس هو إيران. فماذا قال ترامب لحليفه نتانياهو الذي استدعاه على عَجل؟ وهل أقنع نتانياهو ترامب بوجهة نظره بخصوص إيران؟ وماذا عن غزة وسوريا وتركيا؟

خلاف حول غزة؟

يبدو أن ترامب ونتانياهو غير متفقين حول انهاء حرب غزة بسرعة، فنتانياهو غير مستعجل على ذلك، على عكس ترامب الذي أوضح رغبته في إطلاق سراح الرهائن، وإنهاء الحرب بسرعة كما قال أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي.

لكن حديث الرئيس الأميركي عن نقل السكان "طوعيا من قطاع غزة لتجنيبهم ما يتعرضون له من قتل وبؤس"، استدعى ردا من السناتور الديمقراطي كريس فان هولن: "ترامب ونتانياهو يلطفان لغتهما بشأن خطة إخراج مليوني فلسطيني من غزة بشكل طوعي إرادي كما يقولان، لكن الأمر لن يكون إراديا ونحن ندخل اليوم السادس والثلاثين من فرض حصار إنساني على غزة. ليس الأمر إراديا عندما تكون غزة قد دمرتّ بالكامل تقريباً، فيما يُهدد وزير الدفاع الإسرائيلي سكان غزة بالدمار".

"تواصلٌ قويٌ... ولكن!

يقول نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية سابقاً جويل روبن لبرنامج "عاصمة القرار" من الحرة"، إن زيارة نتانياهو لترامب كانت في جوهرها لمناقشة اجتماع الولايات المتحدة مع إيران في عُمان، لكن نتانياهو لم يخرج بالكثير من الفوائد من هذه الزيارة، سوى كونه أول زعيم تحدث مع الرئيس ترامب بشأن التعريفات الجمركية".

ويضيف روبن: "كما أن نتانياهو لم يحصل على التزام من ترامب بقصف إيران أو الموافقة على الشروط الدبلوماسية التي يبحث عنها نتانياهو، وهي التفكيك الكامل لكل البنية المعلوماتية النووية الإيرانية. لذلك كان اجتماعا مُهما لناحية التواصل القوي بين ترامب ونتانياهو، رغم عدم حصوله على الكثير من النتائج".

تحدث ترامب ونتانياهو عن الرسوم الجمركية وعن غزة والرهائن، كما يقول الباحث الأميركي جو تروزمان، الذي لم يجد "أي تغيير كبير من إدارة ترامب أو تحوّل في السياسة فيما يتعلق بالرهائن. لذلك فإنه إذا وُصف ذلك بأن نتانياهو خرج خالي الوفاض من هذا الاجتماع فيما يتعلق بغزة أو فيما يتعلق بالرهائن، فأعتقد أن هذا قد يكون صحيحاً".

خُذ عِلماً.. وانتظر!

أمام نتانياهو أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة ستبدأ محادثات مباشرة مع إيران.

وسيكون نجاح هذه المحادثات في مصلحة إيران، كما قال الرئيس الأميركي، ولكنه وجه كلامه محذرا خامنئي بالقول: "أعتقد أنه إذا لم تنجح المحادثات، فستكون إيران في خطر كبير.. أكره أن أقول هذا، لكن النظام الإيراني لا يستطيع امتلاك سلاح نووي، وإذا لم تنجح المحادثات، أعتقد في الواقع أنه سيكون يوما سيئا للغاية بالنسبة لإيران".

حشدٌ عسكريٌ... نحو التفاوض!

في رسالة واضحة للنظام الإيراني، كثفت الولايات المتحدة مؤخرا حشدها العسكري في قاعدة دييغو غارسيا العسكرية في المحيط الهندي، والقريبة نسبياً من إيران.

ويعتقد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس أن أي ضربة جوية أميركية محتملة لن تستهدف المنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل ستستهدف أيضا قدراتها الدفاعية الجوية والصاروخية في محاولة لمنع أي رد انتقامي إيراني محتمل.

ويضيف بترايوس أن "نشر قاذفات الشبح الاستراتيجية B2 في قاعدة دييغو غارسيا، ليس فقط رسالة ردع لإيران، بل جزء من الاستعدادات المحتملة لهجوم عسكري عليها، فهذه القاذفات قادرة على حمل القنبلة الخارقة العملاقة MOP، والمخصصة لضرب المنشآت المحصنة بشدة في أعماق الأرض".

وبالحديث عن ضربة عسكرية أميركية لإيران، واحتمالات نجاح المحادثات الدبلوماسية معها. يشدد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق الجنرال كينيث ماكينزي على أهمية ضرب الحوثيين.

وحول احتمالات توسيع العملية العسكرية الأميركية لتطال الأراضي الإيرانية، يقول ماكينزي إن "إيران تحترم القوة؛ إن اغتيال سليماني قبل خمس سنوات، والضربات ضد الحوثيين الآن، تُظهران بوضوح أن الولايات المتحدة لديها رئيس لا يثنيه احتمال التصعيد، وإن كان لا يريد الحرب".

ويتابع ماكينزي: "لدينا الآن فرصة لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات لإجراء مفاوضات جوهرية حول طموحاتها النووية - مفاوضاتٌ يجب أن تُجرى مباشرةً، لا عبر أطراف ثالثة".

ويبين أن "الهدف الأسمى للدولة الإيرانية هو الحفاظ على النظام. إذا تعرّض بقاء القيادة الدينية لتهديد مباشر وحقيقي، فستُعدّل إيران سلوكها. لدينا الآن الأدوات والإرادة لخلق هذا التهديد بطريقة فعّالة".

ترامب يستطيع إنجاز ما عجز عنه بايدن!

يدعو الباحث الأميركي تريتا بارسي، الرئيس ترامب لعدم الاستماع لنصائح نتانياهو ببدء حرب مع إيران.

ويُضيف بارسي أن "القيادة الإيرانية تعتقد أن الرئيس دونالد ترامب أقدر من الرئيس السابق جو بايدن على التوصل إلى اتفاق مع إيران. وأن طهران تعتقد أن ترامب يريد حقا التوصل إلى اتفاق، وأنه مُستعد وقادر على تقديم تخفيف جدي للعقوبات لتحقيق ذلك".

ويتابع: "لذا فإن الوعد لإيران أكبر بكثير مع ترامب مما كان عليه مع بايدن. ويبدو أن طهران مستعدة لتقديم تنازلات لضمان هذا الجانب الإيجابي. وهذا هو السبب الرئيسي، ولكن ليس الوحيد، وراء سرعة الأمور الآن نحو الدبلوماسية مع ترامب".

هو صاحب القرار أمام نتانياهو!

من جهته، ينقل الكاتب في واشنطن بوست ديفيد إغناطيوس، عن مسؤول في الإدارة الأميركية تشديدها على أن تكون المحادثات مع إيران مباشرة. لأن كسر "حاجز انعدام الثقة العميق بين الطرفين يتطلب نقاشا شاملا وتوافقا في الرؤى".

وحول القمة بين ترامب ونتانياهو، يلاحظ ديفيد إغناطيوس أن: "هذا العرض في المكتب البيضاوي منح ترامب فرصة لإظهار أمر لم ينجح فيه أسلافه الديمقراطيون، جو بايدن وباراك أوباما وهو توضيح من هو صاحب القرار أمام نتانياهو"، لافتا إلى أن ترامب لم يكتفِ بالإعلان عن عزمه التفاوض مع خصم إسرائيل الأكبر، بل كانت نبرة الاجتماع بين الرجُلين مختلفة تماما عن زيارة نتانياهو للبيت الأبيض في أوائل فبراير".

ويلفت ماكينزي إلى أنه في "حين تركزت النقاشات على آمال إسرائيل في دعم ترامب لأي عمل عسكري محتمل ضد منشآت إيران النووية، لكن المسؤولين في إدارة ترامب أكدوا لي أن ترامب كان أكثر حرصا على الدبلوماسية من العمل العسكري".

ترامب يضع إيران في مأزق!

"سيضع ترامب إيران في مأزق بإعلانه الصريح أن المحادثات ستكون مباشرة، كما يقول الكاتب الأميركي الإيراني فالي نصر، الذي يرى أنه و"لتجنب الظهور بمظهر من غَيَّرَ موقفه، تُصرُّ إيران على أن تكون المحادثات غير مباشرة، لكن في الواقع، من مصلحة إيران أن تكون المحادثات مباشرة ليتحدد اتجاهها".

ويعتقد نصر أن "كلا الجانبين يرغبان في تغيير الديناميكية الحالية، ومن المرجح أن يبدأ التفاوض بشكل غير مباشر ظاهريا، ثم ينتقلان إلى مخاطبة بعضهما البعض مباشرة. في النهاية، ستكون الصيغة أقل أهمية مما سيُقال". 

لكن، هل تقبل القيادة الإيرانية بطلب ترامب تفكيك برنامجها النووي على غرار ما حدث في ليبيا، بالإضافة إلى إلغاء برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ودعم النظام الإيراني للميليشيات في بعض البلدان العربية؟

يعتقد كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات جو تروزمان أن هناك فرصة سانحة لإيران وإدارة ترامب لحل القضية النووية.

ويتابع: "لكن قبول إيران بتفكيك برنامجها النووي سيتطلب تخفيفا كبيرا للعقوبات وحوافز أميركية أخرى لإيران. كما أن طهران لن تقبل بتفكيك برنامج الصواريخ الباليستية المرتبطٌ بالنووي بشكل وثيق. والنظام الإيراني لن يقبل بالتخلّي عن الوكلاء الإقليميين، مثل حزب الله والحوثيين، الذين يمارسون نفوذًا لصالح طهران".

بالمقابل، يعتقد جويل روبن أن النظام الإيراني "غير مُستعد لتقديم تنازلات بسرعة. لقد رأينا ذلك مرارا وتكرارا، وبالنسبة للرئيس ترامب، فبينما يُصرّح برغبته في التوصل إلى اتفاق وتجنب حرب في الشرق الأوسط، إلا أنه ليس من أشدّ المؤيدين لرفع العقوبات عن إيران وتقديم مليارات الدولارات من المزايا التي انتقدها بشدة في الماضي. أعتقد أن ما يُمكننا توقعه من هذه الاجتماعات هو استشراف إمكانية اللجوء إلى الدبلوماسية".

وفيما تطرقت المباحثات الأميركية الإسرائيلية إلى الدور التركي المتنامي في سوريا، والذي لا يزعج ترامب بقدر ما يضايق نتانياهو. تبقى أنظار الجميع مصوبة نحو الملف الإيراني الذي تتسابق في الدبلوماسية مع الضربة العسكرية.