التهديدات الإسرائيلية لإيران زادت خلال الفترة الماضية
التهديدات الإسرائيلية لإيران زادت خلال الفترة الماضية

تصاعدت التهديدات بأعمال عسكرية بين إيران وإسرائيل بشكل ملفت، وذلك قبل نحو أسبوعين من عودة مفاوضات الاتفاق النووي بين طهران والدول الكبرى، وبالتزامن مع إجراء مناورات عسكرية في البحر الأحمر وخليج عُمان، بإشراف أميركي ومشاركة كل من إسرائيل والإمارات والبحرين.

هل يتوجب أخذ التهديدات بحرب مباشرة بين إيران وإسرائيل على محمل الجد؟

خلال الأيام القليلة الماضية، قال عسكريون إسرائيليون كبار إن قواتهم تستعد لاحتمال نشوب صراع مسلح مع إيران ووكلائها في المنطقة.

وذكر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، اللفتنانت جنرال أفيف كوخافي، الثلاثاء، إن الجيش الإسرائيلي "يسرع الخطط العملياتية والاستعداد للتعامل مع إيران والتهديد العسكري النووي".

في المقابل، رد قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري الإيراني، العميد أمير علي حاجي زاده، الخميس، قائلا إن النظام الوحيد الذي يتحدث عن البقاء هو إسرائيل، "لذا، نظام يتحدث عن وجوده محكوم عليه بالتدمير ولا يمكن أن يتحدث عن تدمير دول أخرى".

ورأى علي حاجي أن التصريحات الإسرائيلية هي "تهديدات موجّهة بالدرجة الأولى إلى الاستهلاك الداخلي وهم يعرفون أنهم يمكنهم أن يبدأوا (بالإعتداء)، لكن النهاية ستكون بيدنا، وهذه النهاية هي تدمير النظام الصهيوني".

وزعم أنه "في حال قدموا لنا الذريعة (...) سيكونون بالتأكيد يسرّعون من موعد تدميرهم".

"تخطى كل الخطوط الحمراء"

يرى مدير مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط، عوزي رابي، أن هذه التهديدات جزء لا تتجزأ من الصراع المفتوح بين البلدين، مؤكدا أن الملف النووي الإيراني يمثل أولوية لدى إسرائيل.

وأرجع عوزي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" هذا التصعيد الإسرائيلي إلى "فقدان الثقة في الإدارة الأميركية خاصة مع الحديث عن إحياء الاتفاق النووي 2015"، مشيرا إلى أن هذا الاتفاق ترفضه إسرائيل وتعتبره انتصارا لطهران، بالإضافة إلى تغيير أولويات الإدارة الأميركية، وتراجع ترتيب الشرق الأوسط ضمن أولوياتها، بحسب رابي.

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس، مئير مصري، فقد أرجعها إلى "التمادي الإيراني غير المسبوق، سواء في اقتراب النظام من إمكانية تصنيع قنبلة أولى أو في عربدته المتصاعدة في الخليج العربي واقترافه جرائم إرهابية في ممرات الملاحة الدولية".

وقال مصري، وهو عضو اللجنة المركزية لحزب العمل الإسرائيلي، في حديثه مع موقع "الحرة": إن "من يراقب السلوك الإيراني يدرك تماما أن نظام الملالي قد تخطى كل الخطوط الحمراء وأنه لم يعد يستحي من شيء".

في المقابل، يرى مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية، محمد صالح صدقيان، أن هذه التهديدات المتبادلة طبيعية بسبب الخلاف التاريخي بين البلدين، مشيرا إلى أن "التهديدات الإيرانية تعتمد على ثوابت الدولة منذ الثورة الإسلامية عام 1979".

وأرجع صدقيان في حديث مع موقع "الحرة" تصاعد حدة التهديدات هذه الأيام، إلى "رغبة إسرائيل في تعطيل مفاوضات إحياء الاتفاق النووي 2015، من خلال إثارة التوترات في المنطقة وتوجيه التهديدات إلى طهران". 

وأشار إلى أن "إسرائيل تعارض أي مفاوضات مع إيران، وتلعب دورا نشطا منذ 2015، لتعطيل هذه المفاوضات".

وكانت إسرائيل من المعارضين لإبرام الاتفاق النووي عام 2015 بين طهران والقوى الكبرى. ومن المقرر أن تستأنف أطراف الاتفاق في 29 نوفمبر، المباحثات الهادفة الى إحيائه بعد الانسحاب الأميركي الأحادي منه عام 2018.

وعقب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018، وفرض العقوبات مجددا على إيران، تخلت الجمهورية الإسلامية تدريجيا - وعلنا - عن القيود على برنامجها النووي، وأعلنت ارتفاع مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 بالمائة إلى أكثر من 210 كيلوغرامات، في أحدث بادرة على التحدي قبل انطلاق المحادثات النووية المقبلة مع الغرب.

بموجب الاتفاق النووي الذي وصف بالتاريخي، مُنعت إيران من تخصيب اليورانيوم بنسبة تزيد عن 3.67 بالمائة. ويمكن استخدام اليورانيوم المخصب بنسبة تزيد عن 90 بالمائة في صنع أسلحة نووية، رغم أن طهران تصر على أن برنامجها النووي سلمي.

تنظر إسرائيل إلى إيران على أنها تمثل تهديدا وجوديا، وحذرت من أنها ستستخدم القوة العسكرية إذا لزم الأمر لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية.

ونفذت إسرائيل مئات الغارات الجوية على أهداف عسكرية مرتبطة بإيران في سوريا المجاورة في العقد الماضي، لكنها نادرا ما تعترف بعملياتها.

وكانت قد قالت إن وجود إيران بالقرب من حدودها الشمالية خط أحمر، وإنها تستهدف شحنات أسلحة متجهة إلى جماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران ومنشآت مرتبطة بإيران في سوريا.

وفي يناير الماضي، أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أنه أصدر تعليمات للجيش بالشروع في وضع خطط هجوم جديدة لضربة على المنشآت النووية الإيرانية، وفي الشهر الماضي، كشفت تقارير صحفية أن الحكومة خصصت مليارات الدولارات لجعل هذه الخطط قابلة للتطبيق، بحسب صحيفة تايمز أوف إسرائيل.

وكان وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، قال الشهر الماضي، إنه "إذا كان نظام إرهابي في طريقه للحصول على سلاح نووي، فيجب أن نتصرف".

مناورات عسكرية

وتتزامن حدة تصاعد التهديدات بين إيران وإسرائيل مع إجراء عدد من المناورات البحرية في البحر الأحمر وخليج عمان. إذ أعلن الأسطول الأميركي الخامس، الخميس، إجراء القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية مناورة بحرية مشتركة مع القوات الإماراتية والبحرينية والإسرائيلية في البحر الأحمر، بداية من الأربعاء.

وقال الأسطول الخامس الذي يتخذ من العاصمة البحرينية المنامة مقرا له، في بيان، إنه بدأ تمرينا متعدد الأطراف على عمليات الأمن البحري في البحر الأحمر، يستمر خمسة أيام على متن سفينة النقل البرمائية "يو أس أس بورتلاند"، حيث يشمل التمرين عدة تكتيكات.

وقال قائد القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية (نافسينت)، نائب الأدميرال، براد كوبر، "من المثير رؤية القوات الأميركية تتدرب مع شركاء إقليميين لتعزيز قدراتنا الأمنية البحرية الجماعية".

بدوره، قال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، إن المناورات البحرية المشتركة مع الولايات المتحدة والإمارات والبحرين تهدف إلى منع تموقع إيران البحري.

وقال ضابط في سلاح البحرية الإسرائيلية "إن تهديد التموقع الإيراني في المنطقة هو تهديد في المجال البحري، ويجب الاستعداد له".

وأضاف أنه "في المجال البحري، الإيرانيون مستقلون، ومن الضروري إبعاد التموقع البحري الإيراني عن دولة إسرائيل لمنع الإرهاب".  وأكد أنه "يجب علينا أن نعزز التعاون الدولي معنا. والتعاون مع الولايات المتحدة هو تعاون هام".

وأوضح الضابط الإسرائيلي أن "هذه المناورات هي جزء من برنامج عمل كامل ضد تموقع إيران بالتعاون مع الأميركيين، والبحرين والإمارات الشركاء في التمرين".

في المقابل، بدأ الجيش الإيراني مناوراته الحربية السنوية على ساحل خليج عمان. وذكر تقرير للتليفزيون الإيراني أن وحدات من القوات البحرية والجوية والبرية تشارك في مناورات في منطقة تمتد لأكثر من مليون كيلومتر مربع شرقي مضيق هرمز الاستراتيجي.

وأشار التقرير إلى مشاركة ألوية بينها القوات الخاصة والمشاة المحمولة جوا في المناورات السنوية. ومن المتوقع أن تشارك أيضا في التدريبات مقاتلات ومروحيات وطائرات نقل عسكرية وغواصات وطائرات مسيرة. ولم يتضح على الفور المدى الزمني لهذه العملية.

وقال التلفزيون الرسمي إن المناورات التي أطلق عليها اسم "ذو الفقار 1400" تهدف إلى "تحسين الاستعداد لمواجهة التهديدات الخارجية وأي غزو محتمل".

من جانبه، ربط مئير مصري بين هذه التهديدات المتصاعدة والمناورات العسكرية الجارية، وقال: " لا شك في أن تنامي الخطر الإيراني يعد تهديدا مشتركاً لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وعامل تقارب إستراتيجي بين إسرائيل والإمارات، وإن كانت هناك قواسم مشتركة أخرى بين البلدين".

ووصف المناورات البحرية الإيرانية بأنها "عربدة وانتهاك صارخ لسيادة الدول المشاطئة للخليج. ودليل على ارتباك الملالي".

"جادة وخطيرة"

أما عن مدى احتمال تطور هذه التهديدات إلى حرب، قال مصري: " أراها جادة وخطيرة ويخطئ من لا يأخذها على محمل الجد". وأضاف: "هناك تصارع بين إرادتين. النظام الإيراني يسعى إلى كسب الوقت حتى يفاجئ العالم بحصوله على السلاح النووي ويضعه أمام الأمر الواقع. أما إسرائيل، فهي مصممة على منع النظام الإيراني من تحقيق غايته، بكل السبل الممكنة. وإسرائيل ليست وحدها، بل هي تمثل هنا تحالفا إقليميا مكتمل الأركان باتت تتضح معالمه".

وتابع: " النظام الإيراني يصارع على مصيره ولن يتراجع بسهولة. أما إسرائيل، فأؤكد أنها عازمة على استخدام كل الوسائل العسكرية المتاحة لتدمير البرنامج النووي الإيراني إذا استلزم الأمر".

ويعتقد مدير مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط أنه "لم نصل بعد لتنفيذ هذه التهديدات"، لكنه قال إن "إسرائيل يمكن أن تفعل ذلك في المستقبل، إذا اقتربت إيران من الحصول على السلاح النووي، وفشلت كل المحاولات الدبلوماسية، يمكن أن تلجأ إسرائيل لتوجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية".

ويشير  صدقيان إلى أن "إيران لا تريد أن تشن حربا على أحد، أو أن تكون هي من تبدأ أي حرب في المنطقة، إلا إذا كانت سترد على هجمات إسرائيل على منشآتها النووية أو مصالحها في المنطقة".

وأضاف أن "إسرائيل لا يمكن لها أن تشن حربا أو تفتح جبهة حربا مع دولة بحجم وإمكانيات إيران".

وطالب رابي "إسرائيل والدول العربية بإجراء محادثات عميقة مع الإدارة الأميركية، لأن إحياء الاتفاق النووي 2015، يساعد طهران في الحصول على السلاح النووي".

دبابات إسرائيلية في سوريا
دبابات إسرائيلية في سوريا

"الخطوط الحمر" التي رسمتها إسرائيل أمام تركيا حول تدمر السورية لا تأت من فراغ كما يقول خبراء لموقع "الحرة"، بل ترتبط في غالبيتها بما تشكله هذه المنطقة الواقعة في وسط سوريا من أهمية استراتيجية كبرى لأي طرف ينوي التمركز فيها، على صعيد إنشاء القواعد اللازمة للسيطرة على الأرض، ولحجز مكانٍ في الجو.

وتردد الحديث عن هذه "الخطوط الحمر" على لسان مصادر في تل أبيب نقلت عنها وكالة "رويترز"، الخميس، وجاء ذلك في أعقاب الكشف عن أول اجتماع جمع وفدين من إسرائيل وتركيا في أذربيجان، لمناقشة آلية منع الاشتباك بينهما في سوريا.

وقالت الوكالة إن الوفد الإسرائيلي أبلغ نظيره التركي خلال اجتماع باكو بأن "أي تغيير في انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخاصة إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر هو خط أحمر"، وأبلغه أيضا بأن أي خطوة من هذا القبيل "ستكون خرقا لقواعد اللعبة".

ولم تصدر أي تفاصيل من الجانب التركي عن فحوى الاجتماع الأول مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان، لكن وزارة الدفاع في أنقرة أكدت الخميس حصول الاجتماع، وقالت إنه يأتي في إطار إنشاء آلية هدفها "منع الاشتباك".

تدمر التي حددتها إسرائيل دون غيرها من المناطق السورية كمنطقة يمنع الاقتراب منها تقع في ريف محافظة حمص وسط البلاد، وهي منطقة صحراوية يوجد فيها مدينة مأهولة بالسكان وقواعد عسكرية وجوية.

وقبل سقوط نظام الأسد تعرضت هذه المنطقة لعدة غارات جوية استهدفت مواقع انتشار ميليشيات تتبع لإيران، ورغم تغيّر خرائط السيطرة هناك بعد الثامن من ديسمبر 2024 إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من استهدافها مجددا.

على مدى الأيام الماضية، وقبل بدء تركيا وإسرائيل الاجتماعات المتعلقة بآلية منع الاشتباك، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على تدمر لـ5 مرات، واستهدف بها مطارها العسكري وقاعدة التياس الجوية القريبة منها، والمعروفة باسم "T4".

وجاءت تلك الضربات في أعقاب انتشار تقارير غير مؤكدة رسمية عن نية تركيا التمركز في القواعد الجوية هناك، وذلك في مسعى للتمركز على الأرض مع استقدام منظومات للدفاع الجوي من نوع "حصار".

لماذا تدمر بالتحديد؟

وتُعتبر قاعدة "T4" الجوية في منطقة تدمر من أهم القواعد الجوية في سوريا. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا خريف عام 2015، اختارت موسكو هذه القاعدة، بالإضافة إلى "حميميم" بريف اللاذقية، لتكون جزءا من منطقة النفوذ العسكري الروسي.

وطورت روسيا بنيتها التحتية، وزادت عدد حظائر الطائرات، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، التي توضح لموقع "الحرة" أن القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة.

ووفقا لتقارير وسائل إعلام إسرائيلية فإن الضربات الأخيرة على هذه القاعدة وعلى مناطق عسكرية أخرى في تدمر أسفرت عن تدمير طائرات من نوع "سوخوي" وحظائر كانت موجودة فيها.

كما أسفرت الضربات عن تدمير المدارج الخاصة بقاعدة "التياس"، مما جعلها خارج الخدمة.

وتشرح كولوريوتيس أنه توجد عدة ميزات تجعل "T4" أهم قاعدة جوية عسكرية في سوريا.

فمن جانب يعتبر موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا مثالي، إذ تبعد حوالي 220 كيلومترا عن مرتفعات الجولان، و250 كيلومترا عن الحدود مع تركيا، و300 كيلومتر عن معبر البوكمال مع العراق.

ومن جانب آخر تضيف الباحثة أن "القاعدة معزولة عن الوجود البشري"، مما يجعل مراقبتها الأرضية معقدة. كما تقع بالقرب من البادية السورية، حيث تتواجد خلايا تنظيم "داعش"، وعلى بُعد حوالي 200 كيلومتر من نهر الفرات، حيث تتمركز "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

كولوريوتيس تؤكد أن الاعتراض الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في سوريا يقتصر على رفض إسرائيل وجود قاعدة جوية هناك أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو، دون أن يشمل الأمر الاعتراض على القواعد البرية.

"3 أسباب"

وتمتلك أنقرة عدة قواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي، بعضها يعود إلى عام 2016، ولم تعتبرها إسرائيل في السابق أنها تشكل تهديدا لأمنها القومي.

أما سبب الاعتراض الإسرائيلي على وجود قاعدة جوية تركية في سوريا (في T4)، فيمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء ذلك، وفقا للباحثة في شؤون الشرق الأوسط.

السبب الأول عسكري، إذ ستحد القاعدة الجوية التركية في سوريا من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وستضطر إسرائيل إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع وزارة الدفاع التركية لتنسيق تحركاتها الجوية في سوريا مسبقا لتجنب الحوادث. وهذا أمر لا تريده إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، بحسب كولوريوتيس.

والسبب الثاني استراتيجي، إذ تعتقد إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا سيزيد من أهمية المواقف التركية إقليميا ودوليا، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون قائدة المنطقة، وهو هدف عملت عليه خلال العام الماضي من خلال استهداف النفوذ الإيراني لملء هذا الفراغ بنفسها.

وتتمتع تركيا بنفوذ كبير في شمال العراق وعلاقات ممتازة مع قطر، ووجود عسكري في شمال قبرص، وعلى أساس ذلك توضح الباحثة أن "التوسع في سوريا قد يفتح الطريق أمام أنقرة لزيادة نفوذها في لبنان والأردن أيضا".

وعلاوة على ما سبق يذهب السبب الثالث باتجاه مسار سياسي، تضيف كولوريوتيس.

وتقول إنه رغم وصف إسرائيل للإدارة السورية الجديدة "بالإرهابية"، إلا أنها تعلم أنه ستكون هناك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة لاحقة.

ولذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المجال الجوي السوري، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مستخدمة إياها كأوراق مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

وبخلاف ما سبق تعتقد الباحثة أن "الوجود العسكري التركي في سوريا سيحد من هذه السيطرة الإسرائيلية، ويدعم موقف الإدارة السورية في أي مفاوضات".

"لا تريد هيمنة جوية لتركيا"

ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانت آلية "منع الاشتباك" بين تركيا وإسرائيل في سوريا ستخفف من التصعيد الحاصل بينهما، ولا يعرف أيضا ما إذا كان الطرفان ستجمعهما أي قواسم مشتركة في البلاد، في المرحلة المقبلة.

وتشير التصريحات الرسمية التركية الصادرة عن وزارة الدفاع إلى أن أنقرة لن تتراجع عن تقديم الدعم للإدارة السورية الجديدة، ولن تتراجع أيضا عن مساعي إنشاء القواعد في سوريا.

لكن في المقابل يبدو من التصريحات الرسمية في تركيا أن تلك القواعد ستكون "تدريبية" على نحو أكبر، دون أن يعرف المكان الذي ستتموضع فيه، سواء في وسط البلاد أو في شمالها كما المعتاد.

ويقول الباحث السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن إن القاعدة الجوية الموجودة في تدمر (T4) تزعج إسرائيل، وبالتالي هي لا تريد لأي طرف التمركز فيها، كي لا تتأثر حرية حركتها الجوية في سوريا.

ويضيف شتيرن لموقع "الحرة": "وفي حال دخلت تركيا للعمق السوري ربما ستكون هناك سيطرة معينة ونوع من الحماية على هذه المناطق وهذا ما لا تريده إسرائيل ويقلقها".

"إسرائيل تريد المنطقة مفتوحة وأعتقد أن الخطوط الحمر تتجاوز تدمر لتصل إلى حد الموضوع الجوي في سوريا وسلاح الجو التركي"، يتابع الباحث الإسرائيلي.

ويردف: "إسرائيل لا تريد هيمنة تركية جوية على هذه المنطقة، سواء من خلال الطائرات بالجو أو على مستوى نشر منظومات دفاع جوي"، في إشارة منه إلى تدمر الواقعة وسط سوريا.

ومن جهته يوضح الباحث السوري، ضياء قدور أن "تثبيت تركيا لوجودها العسكري في مدينة تدمر يمكن أن يشكل تحولا كبيرا في المشهد العسكري في سوريا والمنطقة بشكل عام".

ومن خلال إقامة منظومات دفاع جوي متطورة وتشغيل القواعد الجوية في الشعيرات و"T4" ومطار تدمر "ستحقق تركيا قدرة على فرض سيطرة جوية قوية في وسط سوريا"، يضيف الباحث لموقع "الحرة".

ويشير أيضا إلى أن هذه الخطوة قد تتيح لتركيا تشكيل "فقاعات دفاعية" استراتيجية، مما يزيد من تعقيد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية ليس فقط في سوريا، بل في الشرق الأوسط ككل.

"انتكاسات ممر داوود"

وقبل سقوط نظام الأسد دائما ما كان ينظر المراقبون والخبراء لتدمر على أنها تقع وسط "الكوريدور الإيراني"، الذي يخترق سوريا قادما من العراق.

وكان هذا "الكوريدور" أو الممر تستخدمه إيران لإيصال السلاح إلى "حزب الله" في لبنان، ولدعم ميليشياتها الأجنبية والمحلية، التي كانت تنتشر في مناطق متفرقة بسوريا.

وشكّل سقوط نظام الأسد نهاية الحلم الإيراني المتعلق بهذا الممر. ورغم حصول ذلك لم تتوقف إسرائيل من استهداف المناطق المحيطة به أو الواقعة في منتصفه، بينها تدمر والقواعد الموجودة فيها.

ومنذ أشهر تتوارد أنباء وتقارير غير مؤكدة عن مساعي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب سوريا وصولا إلى حدود العراق، وتتعلق على نحو خاص بما سمي بـ"ممر داوود"، الذي تقول الباحثة كولوريوتيس إنه بات من الماضي، لعدة أسباب.

وتوضح الباحثة أن المناقشات حول الممرات الإسرائيلية في سوريا تبدو، في هذه المرحلة، غير منطقية.

وتشرح أنه كان هناك حديث عن إنشاء ممر يربط إسرائيل بالسويداء ومع مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" عبر منطقة التنف، حيث يوجد نفوذ للولايات المتحدة، تحت اسم "ممر داوود".

وتضيف أن هذا المشروع عانى من ثلاث انتكاسات رئيسية: الأولى كانت الاتفاق بين "قسد" ودمشق؛ والثانية كانت تأكيد إدارة ترامب على أنها ستنسحب من سوريا؛ والثالثة كانت عدم وجود توافق داخل السويداء بشأن العلاقات مع إسرائيل.

ونتيجة لذلك، وحتى داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصبح الحديث عن "ممر داوود" شبه معدوم مؤخرا، وفقا للباحثة.

ومن المهم التأكيد على أن إسرائيل لا تنوي الانخراط في عمليات برية في سوريا، بحسب كولوريوتيس، التي ترى أن "وجودها العسكري البري لن يتجاوز إلى ما وراء المناطق القريبة من منطقة فض الاشتباك".

ويعتقد الباحث قدور أن تدمر تحولت خلال الأيام الماضية من منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى نقطة صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الفراغ العسكري الهائل الذي نشأ في البلاد، بعد انهيار نظام الأسد، وتدمير جميع دفاعاته وقدراته العسكرية.

ويقول إن الصراع الحالي الحاصل في سوريا "قد يؤدي توترات متزايدة أو ربما إلى اتفاقات لخفض التصعيد، يتم من خلالها إنشاء آلية تنسيق عسكرية تهدف لتقليل التصعيد في المنطقة وضمان مصالح الأطراف المتنازعة".