لم يتبن أحد الهجوم الصاروخي على بلدات شمال إسرائيل
لم يتبن أحد الهجوم الصاروخي على بلدات شمال إسرائيل

أفادت الوكالة الوطنية الرسمية للإعلام في لبنان عن إطلاق 3 صواريخ جديدة من سهل منطقة مرجعيون جنوب لبنان، باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وتحديداً منطقة "المطلة"، وهو الهجوم الصاروخي الثاني من نوعه اليوم، بعدما كان قد أطلق 34 صاروخا من محيط مدينة صور باتجاه بلدات في الشمال الإسرائيلي، في تصعيد هو الأكبر من نوعه منذ العام 2006. 

وبحسب الوكالة الوطنية الرسمية للإعلام في لبنان فقد كان قد توقف القصف المدفعي الإسرائيلي على مناطق جنوب لبنان، في ظل عودة هدوء حذر على جانبي الحدود، لاسيما في بلدات "القليلة" و"الحنية" و"زبقين" التي كانت قد تلقت قذائف مدفعية من الجانب الإسرائيلي ظهراً، رداً على إطلاق الصواريخ. 

ويجري الجيش اللبناني انتشاراً أمنياً في المنطقة التي شهدت إطلاق الصواريخ قرب مدينة صور جنوب البلاد، حيث أعلن عن تسيير دوريات وفتح تحقيقاً إلى جانب قوات اليونيفيل المنتشرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، بهدف كشف ملابسات الحادثة. 

وأعلن لاحقا عبر صفحته على موقع تويتر، العثور على منصات صواريخ وعدد من الصواريخ المعدّة للإطلاق في محيط بلدتَي زبقين والقليلة، ويجري العمل على تفكيكها، مرفقاً تغريدته بالصور العائدة لتلك المنصات. 

وفي أول تعليق رسمي من بيروت قالت الخارجية اللبنانية عقب لقاء بين وزيرها ورئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، إن بلادها حريصة على الهدوء والاستقرار في جنوب البلاد، وأضافت في بيان "مستعدون للتعاون مع قوات حفظ السلام جنوب لبنان "اليونيفيل" واتخاذ الإجراءات المناسبة لعودة الهدوء".

وحذرت الخارجية اللبنانية إسرائيل من أي تصعيد تقوم به في الأراضي اللبنانية، قائله: "نحذر من نيات إسرائيل التصعيدية التي تهدد السلم والأمن الإقليميين والدوليين"، وأعربت عن احترام لبنان لقرار مجلس الأمن الدولي 1701.

وفي ظل عدم صدور أي تبنٍ رسمي من أي جهة لبنانية أو فلسطينية لإطلاق الصواريخ من لبنان، نقلت وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر أمنية لبنانية قولها إن الفصائل الفلسطينية المتمركزة في لبنان، وليس جماعة حزب الله المسلحة المدعومة من إيران، تقف وراء الهجمات الصاروخية التي وقعت بعد ظهر اليوم الخميس عبر الحدود مع إسرائيل.

وحمل الجيش الإسرائيلي الحكومة اللبنانية المسؤولية بكون القذائف الصاروخية اطلقت من داخل أراضيها نحو إسرائيل، واصفاً الأمر بالـ "الحدث الخطير". 

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إن حركة حماس في لبنان هي من تقف خلف إطلاق هذه الصواريخ، لافتاً إلى أنه يجري فحص إمكانية تورط إيران أيضاً في إطلاق القذائف الصاروخية من لبنان. 

من جهته، نفى المسؤول الإعلامي لحركة فتح في منطقة صور، محمد البقاعي، في حديث لموقع "الحرة"، أن يكون هناك أي ارتباط بين فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وبين حادثة إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، مؤكداً أن "هذه الفصائل ليست في موضع تقديم الذريعة لإسرائيل لقصف لبنان"، لافتاً إلى أنه لم يتم أي تواصل حتى الآن ما بين المعنيين في الدولة اللبنانية وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. 

وتقع المنطقة التي أطلقت منها الصواريخ ضمن مناطق نفوذ حزب الله، جنوب لبنان، حيث تنتشر مخيمات للاجئين الفلسطينيين وينتشر ضمنها مجموعات مسلحة تتبع للفصائل الفلسطينية المتنوعة. 

وفي أول تعليق من ناحية "حزب الله" في لبنان عقب الحادث، نقلت وسائل إعلام محلية عن رئيس المجلس التنفيذي للحزب هاشم صفي الدين قوله إن الاستهداف الإسرائيلي للمسجد الأقصى "سيلهب المنطقة" مضيفاً إن "المسجد الأقصى ليس وحيدا وخلفه مئات ملايين المسلمين، جاهزون لبذل الدماء من أجله." 

وكان حزب الله، دان في بيان صباح الخميس، "قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي  باقتحام باحات المسجد الأقصى واعتداءاتها على المصلّين".

وفي السياق نفسه، صدر عن نائب مدير المكتب الإعلامي لقوات "اليونيفيل" كانديس آرديل بيان أشار الى انه "تم إطلاق عدة صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل بعد ظهر اليوم. وأبلغ الجيش الإسرائيلي اليونيفيل أنه فعل نظام القبة الحديدية الدفاعي ردا على ذلك".

واوضح البيان ان "رئيس بعثة "اليونيفيل" وقائدها العام اللواء أرولدو لازارو على اتصال بالسلطات على جانبي الخط الأزرق".

ولفت آرديل الى ان "الوضع الحالي خطير للغاية، واليونيفيل تحث على ضبط النفس وتجنب المزيد من التصعيد".

وكان قد أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أنه تم رصد اطلاق 34 قذيفة صاروخية من الأراضي اللبنانية تجاه الأراضي الإسرائيلية حيث تم اعتراض 25 منها من قبل الدفاعات الجوية، فيما سقطت 5 قذائف داخل الأراضي الإسرائيلية.

وتحدث الجيش الإسرائيلي عن 4 الصواريخ أخرى لا يزال يجري تحديد مكانها، مشيراً إلى عدم وجود أي توجيهات استثنائية للجبهة الداخلية في إسرائيل. 

وأثار إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان موجة انتقادات لبنانية واسعة، وتحذيرات من مغبة التصعيد. 

وفي هذا السياق توجه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بأسئلة للحكومة اللبنانية عبر موقع تويتر قائلاً "ما هي الموجبات الوطنية التي تحتِّم في هذه اللحظة بالذات إطلاق عشرات الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه اسرائيل؟"

وأضاف "إن الحكومة اللبنانية، ولو كانت حكومة تصريف أعمال كما كل الحكومات التي سبقتها في الآونة الأخيرة، تكون بتخليها عن القرار الاستراتيجي للدولة لمصلحة محور الممانعة قد تخلّت عن مسؤوليتها الرئيسية في الحفاظ على أمن الوطن والمواطن." 

من ناحيته، قال النائب اللبناني زياد الحواط عبر تويتر "لن نقبل تعريض لبنان للمخاطر في لحظة إقليمية دقيقة وحرجة. إطلاق الصواريخ استخدام للساحة الجنوبية مرة أخرى خدمة لمصالح خارجية لا علاقة للبنان واللبنانيين بها. غض النظر لا يعفي من المسؤولية. المسؤولية أيضاً تفرض موقفاً رسمياً مما جرى".

كذلك غرد الأمين العام لـ"الكتلة الوطنية" ميشال حلو عبر حسابه على "تويتر" قائلاً إن "حماية أمن الجنوبيين لا تكون بزج الجنوب في مناوشات اقليمية ودولية اليوم، حماية الحدود تكون بفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، فتكون مصلحة اللبنانيين وأمنهم فوق كل اعتبار."

من جهتها، دانت وزارة الخارجية الأميركية إطلاق الصواريخ من غزة ولبنان على إسرائيل، وأكد نائب المتحدث باسم الخارجية الأميركية فيدانت باتيل أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ولديها مخاوف أمنية مشروعة.  

الخارجية الأميركية أعربت عن قلقها إزاء المشاهد القادمة من القدس، معتبرة أي إجراء أحادي الجانب يغير الوضع القائم على الأرض غير مقبول، مؤكدة على أهمية إبقاء الوضع على ما هو عليه في المواقع المقدسة. 

داني ميران

لم يُثنه برد الشتاء ولا قيظ الصيف، يجلس داني ميران وسط تل أبيب، في خيمة صغيرة، نصبها سكان ناحال عوز ـ القرية الجنوبية ذاتها التي اختطف فيها مقاتلو حماس في 7 أكتوبر، ابنه، عمري.

مرّت شهور طويلة منذ ذلك اليوم الدامي، لكن بالنسبة لداني، تكثف الزمن في لحظة غياب مؤلمة:

لا قبر يزوره، ولا وداع يفاوض به نيران الفقد ـ لم يبق له غير صور عمري ذي الـ46 عاما، وهو زوج، وأب لفتاتين صغيرتين.

كانت "علما"، أصغر البنتين، في شهرها السادس، عندما اختُطف أبوها، يروي داني لموقع "الحرة".

اليوم، عندما تقول "بابا"، فهي تشير إلى صورة معلقة على حائط. 

لا تتذكر أنها أمسكت بيد والدها قط.

تروي لها الأسرة قصصا عن والدها الغائب ـ الحاضر. "بابا يحبك. بابا شجاع".

لكن الطفلة لا تعرف الرجل الذي تنتظر عودته.

"عمري خسر كل هذه الأيام، خسر أن يرى ابنته تكبر". يتحسر داني عندما يتحدث عن ابنه.

اما روني، الابنة الكبرى، فكانت تبلغ 26 شهرا في 7 أكتوبر. هي تفهم أكثر، وأحيانا تحدّث أمها عن "أشخاص شريرين خطفوا والدها".

يسكن عمري في نحال عوز منذ ثلاثة عشر عاما. ويوم 7 أكتوبر، فتح باب منزل لإنقاذ طفل أحد الجيران، فاختُطف من عائلته.

معبد انتظار

أضحت الساحة أمام متحف تل أبيب ساحة احتجاج، ومعبد انتظار لعودة المختطفين.

داخل خيمة داني، رسائل كثيرة مكتوبة بخط اليد ـ بالعبرية والعربية والإنكليزية ـ عُلّقت بجانب صور الرهائن. وتتكدس بقايا شموع على الأرض قرب أرجل الكراسي. لا موسيقى، همسات فحسب، وصوت أصابع الناشطين تضرب على لوحات مفاتيح أجهزة كمبيوتر.

ما أسهل أن يتحول الألم إلى كراهية. لكن ليس عند داني، الأب الذي لا يطلب أكثر من عودة ولده. هو يتحدث بإصرار عن السلام والحوار والتواصل. يقول: "العالم العربي هام بالنسبة لي،" ويرى أن من الضرورة أن يتوجه الحديث إلى العرب.

يقول عبر موقع "الحرة":

"حماس لا تمثل الإسلام. الإسلام ديانة متسامحة، وفي القرآن تم تحريم قتل النساء والأطفال وكبار السن والمرضى". 

ويتابع "في القرآن هناك وصايا مهمة، ولكن حماس قتلت الأطفال وكبار السن والنساء ومرضى ... وقاموا بذبح الأشخاص. في القرآن هناك أمور جميلة، ولذا فأنا لا أستطيع أن أفهم أولئك الذين يدعمون حماس وكأنهم هم مسلمون". 

"هذا غير إنساني، أن تحتض إرهابيين،" يقول.

يوم سقطت السماء على الأرض

شهد هجوم السابع من أكتوبر، الملقب بـ"السبت الأسود" في إسرائيل، مقتل أكثر من 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة. اخترق مقاتلو حماس الحدود بين غزة وإسرائيل في هجوم غير مسبوق، وصفه بعض المحللين بأنه "لحظة 11 سبتمبر" بالنسبة لإسرائيل. كان عمري من بين عشرات أخذهم مقاتلو حماس رهائن من قرية ناحال عوز.

ولا يزال 59 رهينة في غزة ـ 24 منهم فقط يُعتقد أنهم أحياء.

وردا على هجوم حماس، شنت إسرائيل هجوما على غزة، أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

رسالة في هاتف مهرب

يبعث داني رسائل في مقاطع مصورة من داخل الخيمة، على أمل أن تصل إلى عمري. يحلم أن يحظى ابنه بهاتف مُهرَّب، أن تصله كلمة عابرة من غريب طيّب. 

في أحد المقاطع المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، يتقطع صوته وهو يتحدث إلى ابنه عبر الكاميرا. يقول لابنه إنه وبقية أهالي الرهائن في الساحة. يقول إن وكل إسرائيل تقاتل لإعادة كل رهينة.

ما وراء الخيمة

قدّم داني التماسات لحكومات أجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة وقطر ومصر، للضغط على حماس. انتقد كثيرا ما يسميه "شلل الدبلوماسية"، وخاصة في دول يعتقد أنها "تتمتع بنفوذ وتختار الحياد".

في تصريحات كثيرة منذ اختطاف ابنه، عبر داني عن اعتقاد بأن السلام عطاء متبادل، وأن على إسرائيل أن تكون مستعدة للعطاء. يقول: "لسنا كاملين. لكن السلام يحتاج إلى تنازلات من الجانبين ـ وإلا، فهو مجرد حلم".

في أحد مقاطع الفيديو، يبتسم ابتسامة حزينة كأنه يعتذر: "لست هنا للجدال حول الحدود أو الأعلام. أنا هنا لأنني أفتقد ابني".

في يوليو 2024، زار داني الفاتيكان، وشارك البابا فرنسيس الراحل، لإيصالها إلى المسيحيين على نطاق أوسع.

قال: "بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت الشعوب الأوروبية أن الحروب لن تقودهم إلى أي مكان. لذلك، قرروا السعي لتحقيق السلام والازدهار بفتح الحدود، وكان هذا هو السبيل الوحيد للمضي قدما. أدعو من قلبي أن يأتي اليوم الذي يحدث فيه الشيء نفسه في منطقتنا: أن نفتح قلوبنا، وأن نفتح حدودنا، وأن نعيش بسلام في ما بيننا".

وقال في الفاتيكان بحضور حجاج كاثوليك:

"كيهودي، كمؤمن"، قال ميران، "أؤمن أيضا أنه أينما ذهبتُ في إطار الديانات التوحيدية الثلاث - اليهودية، والمسيحية، والإسلام - إذا دُعيتُ للصلاة، فسأنضم إليها لأن الإله واحد". 

لكن "ما حدث في السابع من أكتوبر كان مخالفا تماما لمعتقدات الديانات الإبراهيمية الثلاث"، أضاف.

ألبوم العائلة

في منزل العائلة، يمتلئ "ألبوم" بصور روني إلى جانب صور أبيها. أحيانا تتحدث إلى صوره كما تتحدث طفلة إلى دميتها. تتساءل: لماذا ليس لها أب مثل الأطفال الآخرين؟

في يوم من الأيام، يأمل داني أن ترى روني الرجل نفسه، أباها. لكنه إلى ذلك الحين، سيبقى في الخيمة، أبا وجدا يتمسك بالمستقبل بيدين راعشتين، وأمل كالماء لا ينكسر.