جنود إسرائيليون في الضفة الغربية. أرشيف
العملية الإسرائيلية البرية المتوقعة تهدف إلى "القضاء على قدرات حماس"

كان خبير المتفجرات، إيال، يبلغ من العمر 26 عاما، عندما دخل قبل 9 سنوات إلى مشارف قطاع غزة لأول مرة، ويبدو أنه يتأهب للدخول مع القوات الإسرائيلية في عملية برية متوقعة بمواجهة حركة حماس، وفقا لما ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية في تقرير خاص.

وعن دخول الأراضي الفلسطينية التي تسيطر عليها حماس، أجاب إيال، الذي لم يكشف عن اسمه كاملا: "إنه كابوس حقيقي، فأي شيء تلمسه يمكن أن يكون قنبلة، وأي شخص تراه قد يكون إرهابيا.. عليك أن تتحرك ببطء وحذر، والأمر الوحيد الذي يبقيك على قيد الحياة هو مدى جودة تدريبك".

وتهدف العملية الإسرائيلية البرية المتوقعة، وفق تصريحات قادة عسكريين إسرائيليين، إلى القضاء على قدرات حماس  داخل منطقة تعتبر الأعلى كثافة سكانية في العالم، وذلك بعد الهجوم الذي شنته الحركة الفلسطينية، المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة وعدد من الدول، على أراضي إسرائيل، السبت.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إيهود أولمرت، الذي أرسل قوات برية في عام 2008 إلى القطاع، البالغ طوله 40 كيلومتراً خلال "عملية الرصاص المصبوب" التي استمرت 3 أسابيع، إن ما ينتظر الجنود الإسرائيليين هو "كل ما يمكن تخيله وما هو أسوأ".

وأضاف: "لن يكون الأمر بسيطاً، ولن يكون ممتعاً لنا أو لهم.. ونظراً للإخفاقات الاستخباراتية الواضحة التي سبقت هجوم يوم السبت، فمن الممكن أن تتجه القوات الإسرائيلية نحو استخدام قاذفات جديدة، أو أنواع جديدة من الصواريخ الأقوى والأكبر حجماً".

وعلى عكس المرات السابقة، عندما تم إرسال قوات لتحقيق أهداف محدودة، فقد تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، بـ"القضاء نهائيا على حماس".

وبحسب خبراء، فإن تلك المهمة "ستكون معقدة للغاية ومليئة بالتحديات"، لدرجة أنه "من غير الواضح كم من الوقت ستستغرق"، خاصة أن حماس "جمعت ترسانة صاروخية هائلة منذ دخول الجنود الإسرائيليين إلى القطاع آخر مرة في عام 2014".

كما قامت بحفر وتشييد مئات الكيلومترات من الأنفاق، لنقل المسلحين والأسلحة، دون أن يتم اكتشافها، وفق الصحيفة البريطانية.

وحتى هجوم السبت الصادم، كان الجيش الإسرائيلي "مقتنعا بأنه كان على علم بتكتيكات حماس، حيث أنفق المليارات على أجهزة استشعار للكشف عن التحركات تحت الأرض وبناء حاجز لمنع الأنفاق من الوصول إلى داخل إسرائيل".

وأضافت الصحيفة: "الآن، مع حشد 300 ألف جندي إسرائيلي على حدود غزة وقصف القوات الجوية لأهداف تابعة لحماس، يبدو أن الجيش الإسرائيلي على شفا عملية برية لم يسبق لها مثيل، منذ (حرب لبنان) عام 1982".
 

هجوم حماس هو الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل منذ عقود
"أكسيوس" يكشف تفاصيل اجتماع عسكري إسرائيلي رفيع قبل ساعات من هجوم حماس
ذكر موقع "أكسيوس" نقلا عن 3 مسؤولين إسرائيليين – لم يكشف عن هويتهم – أن المخابرات الإسرائيلية رصدوا "علامات على وجود نشاط" لحركة حماس في غزة، لكن كبار قادة الجيش وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) قرروا عدم وضع القوات في حالة تأهب قصوى.

وفي هذا الصدد، أوضح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الرائد نير دينار: "حماس مستعدة بشكل جيد للغاية، لكننا نعرف ذلك أيضًا، لذلك قمنا بتحسين أدواتنا وأساليبنا".

وقتل ما لا يقل عن 66 جنديا إسرائيليا و6 مدنيين خلال الحرب مع حماس عام 2014، بينما سقط من الفلسطينيين 2133 شخصًا، من بينهم 1489 مدنيًا، وفقًا للأمم المتحدة.

كما تم تهجير 500 ألف شخص، بعد أن تحولت مساحات واسعة من القطاع إلى أنقاض.

وفي حال اجتياح غزة بريا، فإن الجيش الإسرائيلي "سيقاتل عدواً يستغل الفخاخ المتفجرة ومواقع القناصة المخفية، فضلاً عن مجموعة من التكتيكات منخفضة التقنية، لإضعاف القدرات التكنولوجية الإسرائيلية"، وفق الصحيفة.

وبحسب العقيد المتقاعد في الجيش الإسرائيلي، شمعون أراد، فقد "منعت شبكة الأنفاق في غزة، قوات بلاده من القيام بعمليات برية واسعة النطاق داخل القطاع في الحروب السابقة".

وسيستخدم الجيش الإسرائيلي ما يسمى بـ "عقيدة النصر"، والتي تتطلب من القوات الجوية أن يكون لديها مجموعة كبيرة من الأهداف التي تم فحصها مسبقًا، وتدميرها بطريقة سريعة.

وقد بدأ الأمر بالفعل، حيث تقصف الطائرات المقاتلة بشكل مكثف مساحات واسعة من غزة، وتتوقف فقط للتزود بالوقود، وغالبًا ما تحدث عملية التزود بالوقود في الجو، حسب الصحيفة.

"تكتيكات عسكرية"

وقال  الضابط الأميركي السابق، جون سبنسر، الذي يرأس قسم دراسات حرب المدن في معهد الحرب الحديثة في الأكاديمية العسكرية الأميركية، المعروفة باسم "ويست بوينت": "ستكون الأمور دموية للغاية.. لا يمكن تغيير طبيعة حرب المدن، لذلك سيكون هناك الكثير من الأضرار الجانبية".

وقد طورت إسرائيل بعضًا من أحدث التدريبات على حرب المدن في العالم استعدادًا لمثل هذه الصراعات، حيث لا تزال تجري مناورات معقدة في منشأة تبلغ مساحتها 5000 فدان (أكثر من 20 كيلومترا مربعا) في جنوب إسرائيل.

وكشف تقرير "فايننشال تايمز"، أنه كان قد جرى بناء تلك المنشأة عام 2005، "لتبدو وكأنها مدينة شرق أوسطية، حيث تضم 600 مبنى، بما في ذلك مساجد وأحياء عشوائية وشوارع وأزقة ضيقة". 

إسرائيل تريد تجنب إعادة احتلال غزة، وفق ما ذكرته "واشنطن بوست"
مع ارتفاع حصيلة الضحايا.. إسرائيل تتوعد بالقضاء على حكم حماس في غزة
قال الجيش الإسرائيلي، الخميس، إنه سيسعى إلى القضاء على نفوذ حماس في قطاع غزة حيث استهدفت الغارات الجوية على القطاع المحاصر كبار قادة الحركة وتسببت في سقوط ضحايا مدنيين على نطاق واسع، وفق تقرير من صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.

وإحدى التقنيات العسكرية التي بالإمكان استخدامها، هي دخول المباني عن طريق اختراق الجدران الجانبية، لتجنب الأبواب المفخخة.

وبمجرد الولوج إلى المبنى، يقوم الجنود بتفجير الجدران والسلالم الداخلية، والانتقال عبر الأبنية، وبالتالي يمكن تجنب نيران القناصة.

وهناك تكتيك آخر يتمثل في استخدام الجرافات المدرعة التي يبلغ ارتفاعها 3 طوابق، لتمهيد الطريق أمام الوحدات التي تقاتل على الأرض.

وهنا يوضح، أنتوني كينغ، أستاذ دراسات الحرب في جامعة إكستر ومؤلف كتاب "الحرب الحضرية في القرن الحادي والعشرين"، إن "الخطوة الأولى المحتملة لإسرائيل ستتضمن عمليات يمكن تشبيهها بأسطوانة متعددة الطبقات".

ويشرح: "ستتواجد الطائرات بدون طيار الصغيرة والمروحيات الهجومية في أدنى طبقة، وفوقها طائرات المراقبة، ثم الطائرات المقاتلة، وفي أعلى (الأسطوانة) ستتواجد طائرات الاستطلاع الاستراتيجية، مع ربط جميع الطبقات ببعضها البعض".

وزاد: "الخطوة التالية ستشهد مرور المدرعات في الشوارع وقوات المدفعية، لتفجير الطرق وتمهيدها، وبالتالي سيكون الأمر مدمرا للغاية".

وقبل أن تتمكن القوات الإسرائيلية من الوصول إلى معاقل حماس الحضرية، يتعين عليها اختراق سلسلة من الخطوط الدفاعية التي ستشمل الألغام ومواقع الكمائن ومدافع الهاون، وذلك وفقا لمراجعة حديثة أجراها المستشار الأمني الإسرائيلي السابق، نداف موراغ.

من جانب آخر سيتطلب اختراق الأنفاق "قتالا مكثفا واستخدام للقنابل الإسفنجية"، وهو مركب كيميائي يغلق المداخل الصغيرة، حسب الصحيفة.

وأوضح سبنسر: "تلك القنابل لا تدمر الأنفاق، لكنها تسمح للقوات بالمضي قدمًا دون أن تضطر إلى إخراج قوات العدو من كل نفق".

تقليل الخسائر بصفوف المدنيين

وبحسب خبراء، فإن تفكيك حماس مع إنقاذ المختطفين الإسرائيليين وتقليل الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين، سيكون "مهمة معقدة للغاية بالنسبة للجيش الإسرائيلي".

فخلال الحرب بين إسرائيل وحماس عام 2021، تم تحذير المدنيين من خلال المنشورات ومكبرات الصوت والهواتف لإخلاء مناطق المعركة قبل شن الضربات.

لكن الأمر لم يعمل دائمًا كما هو مخطط له، فحتى عندما تصيب النيران الدقيقة "مواقع العدو" في أحد المباني، فإنه بإمكان المسلحين الانتقال إلى مبنى آخر إلى أن يتم تدميره، وهكذا دواليك.

وفي هذا الصدد، حذر  أولمرت من أن "نتانياهو والجيش الإسرائيلي يواجهان مأزقاً أخلاقياً، فاستخدام القوة الجوية لمهاجمة حماس يزيد من خطر وقوع خسائر في صفوف المدنيين، بينما الاعتماد على القوات البرية سيكون أكثر دقة، لكنه يزيد من المخاطر على الجنود الإسرائيليين".

وأضاف: "الأمر يتلخص في أمر واحد: هل نحن مستعدون للقيام بعمل ينطوي على مخاطر كبيرة للجنود الإسرائيليين، أم أننا سنختار استراتيجية من شأنها أن تتسبب في مقتل عدد أكبر من الأشخاص غير المتورطين بشكل مأساوي".

وختم بالقول: "مما أعرفه عن الرأي العام الإسرائيلي في الوقت الحالي، فإن الدافع سيكون القيام بمخاطرات أقل".

دبابات إسرائيلية في سوريا
دبابات إسرائيلية في سوريا

"الخطوط الحمر" التي رسمتها إسرائيل أمام تركيا حول تدمر السورية لا تأت من فراغ كما يقول خبراء لموقع "الحرة"، بل ترتبط في غالبيتها بما تشكله هذه المنطقة الواقعة في وسط سوريا من أهمية استراتيجية كبرى لأي طرف ينوي التمركز فيها، على صعيد إنشاء القواعد اللازمة للسيطرة على الأرض، ولحجز مكانٍ في الجو.

وتردد الحديث عن هذه "الخطوط الحمر" على لسان مصادر في تل أبيب نقلت عنها وكالة "رويترز"، الخميس، وجاء ذلك في أعقاب الكشف عن أول اجتماع جمع وفدين من إسرائيل وتركيا في أذربيجان، لمناقشة آلية منع الاشتباك بينهما في سوريا.

وقالت الوكالة إن الوفد الإسرائيلي أبلغ نظيره التركي خلال اجتماع باكو بأن "أي تغيير في انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخاصة إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر هو خط أحمر"، وأبلغه أيضا بأن أي خطوة من هذا القبيل "ستكون خرقا لقواعد اللعبة".

ولم تصدر أي تفاصيل من الجانب التركي عن فحوى الاجتماع الأول مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان، لكن وزارة الدفاع في أنقرة أكدت الخميس حصول الاجتماع، وقالت إنه يأتي في إطار إنشاء آلية هدفها "منع الاشتباك".

تدمر التي حددتها إسرائيل دون غيرها من المناطق السورية كمنطقة يمنع الاقتراب منها تقع في ريف محافظة حمص وسط البلاد، وهي منطقة صحراوية يوجد فيها مدينة مأهولة بالسكان وقواعد عسكرية وجوية.

وقبل سقوط نظام الأسد تعرضت هذه المنطقة لعدة غارات جوية استهدفت مواقع انتشار ميليشيات تتبع لإيران، ورغم تغيّر خرائط السيطرة هناك بعد الثامن من ديسمبر 2024 إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من استهدافها مجددا.

على مدى الأيام الماضية، وقبل بدء تركيا وإسرائيل الاجتماعات المتعلقة بآلية منع الاشتباك، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على تدمر لـ5 مرات، واستهدف بها مطارها العسكري وقاعدة التياس الجوية القريبة منها، والمعروفة باسم "T4".

وجاءت تلك الضربات في أعقاب انتشار تقارير غير مؤكدة رسمية عن نية تركيا التمركز في القواعد الجوية هناك، وذلك في مسعى للتمركز على الأرض مع استقدام منظومات للدفاع الجوي من نوع "حصار".

لماذا تدمر بالتحديد؟

وتُعتبر قاعدة "T4" الجوية في منطقة تدمر من أهم القواعد الجوية في سوريا. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا خريف عام 2015، اختارت موسكو هذه القاعدة، بالإضافة إلى "حميميم" بريف اللاذقية، لتكون جزءا من منطقة النفوذ العسكري الروسي.

وطورت روسيا بنيتها التحتية، وزادت عدد حظائر الطائرات، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، التي توضح لموقع "الحرة" أن القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة.

ووفقا لتقارير وسائل إعلام إسرائيلية فإن الضربات الأخيرة على هذه القاعدة وعلى مناطق عسكرية أخرى في تدمر أسفرت عن تدمير طائرات من نوع "سوخوي" وحظائر كانت موجودة فيها.

كما أسفرت الضربات عن تدمير المدارج الخاصة بقاعدة "التياس"، مما جعلها خارج الخدمة.

وتشرح كولوريوتيس أنه توجد عدة ميزات تجعل "T4" أهم قاعدة جوية عسكرية في سوريا.

فمن جانب يعتبر موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا مثالي، إذ تبعد حوالي 220 كيلومترا عن مرتفعات الجولان، و250 كيلومترا عن الحدود مع تركيا، و300 كيلومتر عن معبر البوكمال مع العراق.

ومن جانب آخر تضيف الباحثة أن "القاعدة معزولة عن الوجود البشري"، مما يجعل مراقبتها الأرضية معقدة. كما تقع بالقرب من البادية السورية، حيث تتواجد خلايا تنظيم "داعش"، وعلى بُعد حوالي 200 كيلومتر من نهر الفرات، حيث تتمركز "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

كولوريوتيس تؤكد أن الاعتراض الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في سوريا يقتصر على رفض إسرائيل وجود قاعدة جوية هناك أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو، دون أن يشمل الأمر الاعتراض على القواعد البرية.

"3 أسباب"

وتمتلك أنقرة عدة قواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي، بعضها يعود إلى عام 2016، ولم تعتبرها إسرائيل في السابق أنها تشكل تهديدا لأمنها القومي.

أما سبب الاعتراض الإسرائيلي على وجود قاعدة جوية تركية في سوريا (في T4)، فيمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء ذلك، وفقا للباحثة في شؤون الشرق الأوسط.

السبب الأول عسكري، إذ ستحد القاعدة الجوية التركية في سوريا من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وستضطر إسرائيل إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع وزارة الدفاع التركية لتنسيق تحركاتها الجوية في سوريا مسبقا لتجنب الحوادث. وهذا أمر لا تريده إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، بحسب كولوريوتيس.

والسبب الثاني استراتيجي، إذ تعتقد إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا سيزيد من أهمية المواقف التركية إقليميا ودوليا، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون قائدة المنطقة، وهو هدف عملت عليه خلال العام الماضي من خلال استهداف النفوذ الإيراني لملء هذا الفراغ بنفسها.

وتتمتع تركيا بنفوذ كبير في شمال العراق وعلاقات ممتازة مع قطر، ووجود عسكري في شمال قبرص، وعلى أساس ذلك توضح الباحثة أن "التوسع في سوريا قد يفتح الطريق أمام أنقرة لزيادة نفوذها في لبنان والأردن أيضا".

وعلاوة على ما سبق يذهب السبب الثالث باتجاه مسار سياسي، تضيف كولوريوتيس.

وتقول إنه رغم وصف إسرائيل للإدارة السورية الجديدة "بالإرهابية"، إلا أنها تعلم أنه ستكون هناك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة لاحقة.

ولذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المجال الجوي السوري، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مستخدمة إياها كأوراق مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

وبخلاف ما سبق تعتقد الباحثة أن "الوجود العسكري التركي في سوريا سيحد من هذه السيطرة الإسرائيلية، ويدعم موقف الإدارة السورية في أي مفاوضات".

"لا تريد هيمنة جوية لتركيا"

ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانت آلية "منع الاشتباك" بين تركيا وإسرائيل في سوريا ستخفف من التصعيد الحاصل بينهما، ولا يعرف أيضا ما إذا كان الطرفان ستجمعهما أي قواسم مشتركة في البلاد، في المرحلة المقبلة.

وتشير التصريحات الرسمية التركية الصادرة عن وزارة الدفاع إلى أن أنقرة لن تتراجع عن تقديم الدعم للإدارة السورية الجديدة، ولن تتراجع أيضا عن مساعي إنشاء القواعد في سوريا.

لكن في المقابل يبدو من التصريحات الرسمية في تركيا أن تلك القواعد ستكون "تدريبية" على نحو أكبر، دون أن يعرف المكان الذي ستتموضع فيه، سواء في وسط البلاد أو في شمالها كما المعتاد.

ويقول الباحث السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن إن القاعدة الجوية الموجودة في تدمر (T4) تزعج إسرائيل، وبالتالي هي لا تريد لأي طرف التمركز فيها، كي لا تتأثر حرية حركتها الجوية في سوريا.

ويضيف شتيرن لموقع "الحرة": "وفي حال دخلت تركيا للعمق السوري ربما ستكون هناك سيطرة معينة ونوع من الحماية على هذه المناطق وهذا ما لا تريده إسرائيل ويقلقها".

"إسرائيل تريد المنطقة مفتوحة وأعتقد أن الخطوط الحمر تتجاوز تدمر لتصل إلى حد الموضوع الجوي في سوريا وسلاح الجو التركي"، يتابع الباحث الإسرائيلي.

ويردف: "إسرائيل لا تريد هيمنة تركية جوية على هذه المنطقة، سواء من خلال الطائرات بالجو أو على مستوى نشر منظومات دفاع جوي"، في إشارة منه إلى تدمر الواقعة وسط سوريا.

ومن جهته يوضح الباحث السوري، ضياء قدور أن "تثبيت تركيا لوجودها العسكري في مدينة تدمر يمكن أن يشكل تحولا كبيرا في المشهد العسكري في سوريا والمنطقة بشكل عام".

ومن خلال إقامة منظومات دفاع جوي متطورة وتشغيل القواعد الجوية في الشعيرات و"T4" ومطار تدمر "ستحقق تركيا قدرة على فرض سيطرة جوية قوية في وسط سوريا"، يضيف الباحث لموقع "الحرة".

ويشير أيضا إلى أن هذه الخطوة قد تتيح لتركيا تشكيل "فقاعات دفاعية" استراتيجية، مما يزيد من تعقيد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية ليس فقط في سوريا، بل في الشرق الأوسط ككل.

"انتكاسات ممر داوود"

وقبل سقوط نظام الأسد دائما ما كان ينظر المراقبون والخبراء لتدمر على أنها تقع وسط "الكوريدور الإيراني"، الذي يخترق سوريا قادما من العراق.

وكان هذا "الكوريدور" أو الممر تستخدمه إيران لإيصال السلاح إلى "حزب الله" في لبنان، ولدعم ميليشياتها الأجنبية والمحلية، التي كانت تنتشر في مناطق متفرقة بسوريا.

وشكّل سقوط نظام الأسد نهاية الحلم الإيراني المتعلق بهذا الممر. ورغم حصول ذلك لم تتوقف إسرائيل من استهداف المناطق المحيطة به أو الواقعة في منتصفه، بينها تدمر والقواعد الموجودة فيها.

ومنذ أشهر تتوارد أنباء وتقارير غير مؤكدة عن مساعي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب سوريا وصولا إلى حدود العراق، وتتعلق على نحو خاص بما سمي بـ"ممر داوود"، الذي تقول الباحثة كولوريوتيس إنه بات من الماضي، لعدة أسباب.

وتوضح الباحثة أن المناقشات حول الممرات الإسرائيلية في سوريا تبدو، في هذه المرحلة، غير منطقية.

وتشرح أنه كان هناك حديث عن إنشاء ممر يربط إسرائيل بالسويداء ومع مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" عبر منطقة التنف، حيث يوجد نفوذ للولايات المتحدة، تحت اسم "ممر داوود".

وتضيف أن هذا المشروع عانى من ثلاث انتكاسات رئيسية: الأولى كانت الاتفاق بين "قسد" ودمشق؛ والثانية كانت تأكيد إدارة ترامب على أنها ستنسحب من سوريا؛ والثالثة كانت عدم وجود توافق داخل السويداء بشأن العلاقات مع إسرائيل.

ونتيجة لذلك، وحتى داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصبح الحديث عن "ممر داوود" شبه معدوم مؤخرا، وفقا للباحثة.

ومن المهم التأكيد على أن إسرائيل لا تنوي الانخراط في عمليات برية في سوريا، بحسب كولوريوتيس، التي ترى أن "وجودها العسكري البري لن يتجاوز إلى ما وراء المناطق القريبة من منطقة فض الاشتباك".

ويعتقد الباحث قدور أن تدمر تحولت خلال الأيام الماضية من منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى نقطة صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الفراغ العسكري الهائل الذي نشأ في البلاد، بعد انهيار نظام الأسد، وتدمير جميع دفاعاته وقدراته العسكرية.

ويقول إن الصراع الحالي الحاصل في سوريا "قد يؤدي توترات متزايدة أو ربما إلى اتفاقات لخفض التصعيد، يتم من خلالها إنشاء آلية تنسيق عسكرية تهدف لتقليل التصعيد في المنطقة وضمان مصالح الأطراف المتنازعة".