إسرائيل تقول إنها تحضر لعملية عسكرية برية غير مسبوقة في قطاع غزة
إسرائيل تقول إنها تحضر لعملية عسكرية برية غير مسبوقة في قطاع غزة

يرى الرئيس الأميركي، جو بايدن، أن على إسرائيل أن تتعلم من "الأخطاء" التي ارتكبتها الولايات المتحدة في ردها على هجمات 11 سبتمبر عام 2001. فما هذه "الأخطاء"؟ وكيف يراها المراقبون.. وهؤلاء الذين شاركوا في الحملة الأميركية على الإرهاب؟ 

وفي كلمة ألقاها من تل أبيب خلال زيارته إلى إسرائيل، قال بايدن إنه "بعد هجمات 11 سبتمبر شعرنا بالغضب، وبينما سعينا لتحقيق العدالة وحصلنا عليها، ارتكبنا أخطاء"، وفق تصريحاته التي نشرها البيت الأبيض.

وأضاف بايدن، بعد عودته إلى الولايات المتحدة، "حذرت حكومة إسرائيل من أن يعميها الغضب. وهنا في أميركا، دعونا لا ننسى من نحن. نحن نرفض كافة أشكال الكراهية، سواء كانت ضد المسلمين أو اليهود أو أي شخص آخر".

وتعرضت إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 إلى هجوم شنته حركة حماس، التي تصنفها الولايات المتحدة إرهابية، شبهه مسؤولون ومراقبون أميركيون بهجمات 11 سبتمبر.

وأسفر الهجوم الذي استهدف مواقع عسكرية وتجمعات مدنية عن مقتل 1400 شخص على الأقل، معظمهم مدنيون وبينهم ونساء وأطفال.

كما اختطف مسحلو حماس، خلال الهجوم، عشرات الرهائن، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال.

ومنذ 7 أكتوبر، تشن إسرائيل غارات وضربات مكثفة على قطاع غزة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 7 آلاف شخص، معظمعم مدنيون، وبينهم أطفال ونساء، وفق السلطات الصحية في غزة.

وكان وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، من بين من شبهوا هجوم حماس باعتداءات 11 سبتمبر، حين قال: "إذا نظرت إلى هجمات أكتوبر بالنسبة لحجم سكان إسرائيل، فإن هذا يعادل عشر هجمات 11 سبتمبر".

وهذا أيضا ما يراه الجنرال المتقاعد ديفيد بتريوس، الذي أشرف على حملة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، قال بتريوس إن الهجوم هو "أسوأ بكثير من هجمات 11 سبتمبر".

الولايات المتحدة في ردها على هجمات 11 سبتمبر شنت "حملة على الإرهاب" شملت حروبا في أفغانستان والعراق واستهداف قادة جماعات إرهابية على رأسهم زعيم تنظيم القاعدة الذي قتل في عملية عسكرية أميركية سرية في باكستان  في عام 2011.

ويقول بيتر هان، أستاذ التاريخ في جامعة ولاية أوهايو، إنه بعد هجمات 11 سبتمبر، غزت الولايات المتحدة أفغانستان وأطاحت بحركة طالبان، لكن الحركة استمرت 20 عاما في محاربة القوات الأميركية.

ويشير إلى أن التأثير النفسي لأحداث 11 سبتمبر دفع جورج بوش الابن إلى غزو للعراق، في عام 2003، منطلقا من تصميمه على منع أي هجمات إرهابية مفاجئة إضافية.

وشحنت الهجمات أيضا الجبهة الداخلية الأميركية، وزاد التركيز على "الأمن الداخلي"، وسمح قانون باتريوت الذي صدر عام 2001 بزيادة أساليب المراقبة المحلية، واعتقل عدد كبير من الأشخاص من أصول شرق أوسطية ومحاكمة بعضهم أمام محاكم عسكرية، وفق هان.

وفي حين لا يتفق فريد فلايتز، الأمين التنفيذي السابق لمجلس الأمن القومي، في عهد الرئيس السابق، دونالد ترامب، مع ما قاله بايدن أمام الإسرائيليين، يرى محللون آخرون أن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاء بالفعل وأنه يجب على إسرائيل تعلم الدروس منها.

وقال فلايتز، المحلل الجمهوري البارز في واشنطن، لموقع الحرة: "أشعر بخيبة أمل شديدة أن يقول رئيس دولة هي أحد أقرب حلفاء إسرائيل هذا الكلام. ليس هذا هو الوقت المناسب لبايدن كي يخبرها كيف تتصرف ردا على الإبادة الجماعية".

وأضاف: "أعتقد أنه يجب ألا نقول أن الجيش الإسرائيلي غير جاهز أو لا ينبغي أن يحتل غزة.. ببساطة أقول لك إنه في هذه المرحلة الزمنية، ليس من حقه أن يقول أشياء كهذه للحكومة الإسرائيلية".

الجنرال الأميركي المتقاعد، مارك شوارتز الذي شغل منصب نائب القائد العام لقيادة العمليات الخاصة المشتركة، وعمل منسقا أمنيا للولايات المتحدة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، أشار لموقع الحرة إلى ما حدث من مشاعر سلبية ضد المجتمع العربي في الولايات المتحدة.

يوست هلترمان، من مجموعة الأزمات الدولية، اعتبر في مقابلة مع موقع الحرة أن تلك الأخطاء هي "الحرب على الإرهاب، وغزو أفغانستان، وخاصة غزو العراق، وهذه أمثلة على رد الفعل المبالغ فيه على الفظائع التي ارتكبتها جهة غير حكومية والتي ربما كان من الممكن التعامل معها بشكل مختلف". 

وعلى نحو مماثل، يقول هلترمان، "يبدو أن بايدن يقترح أن على إسرائيل أن تحصر هدفها في المجموعة التي هاجمت إسرائيل، وليس فرض عقاب جماعي على 2.3 مليون شخص في غزة، لأن هذا قد يؤدي إلى عواقب خطيرة غير مقصودة دون استعادة ما يحتاج إليه الإسرائيليون بشدة: شعورهم بالأمان".

أستاذ العلوم السياسية في جامعة "جورج واشنطن" الأميركية، تود بيلت، عدد 3 أخطاء ارتكبتها الولايات المتحدة ، أولها رد الفعل العنيف الذي تسبب في حوادث ضد المسلمين في الولايات المتحدة "وكان من الممكن التحكم في ذلك بشكل أفضل قليلا، وكان بإمكان قادتنا أن يتحدثوا علنا ضد ذلك ويحاولون منع أي شخص من إلقاء اللوم على دين واحد".

وقال بيلت لموقع الحرة إن الخطأ الثاني "هو غزو ليس فقط لأفغانستان بل للعراق أيضا وبالطبع ليس للعراق أي علاقة بأحداث 11 سبتمبر"، مشيرا إلى أن حال البلدين "أسوأ بكثير الآن".

ويقول: "هناك عبارة أطلقها كولن باول: "إذا كسرت شيئا فعليك إصلاحه"... لكننا كسرنا هذين البلدين، ولم نصلحهما". 

والخطأ الثالث، وفق بيلت، "هو الاحتجاز المستمر لأشخاص في سجن غوانتانامو بشكل يعد انتهاكا لقوانين الولايات المتحدة والقانون الدستوري".

كويل لورانس، مراسل الإذاعة الأميركية العامة (أن بي آر) تحدث أيضا مع أشخاص خدموا في العراق وأفغانستان عن الدروس التي تعلموها، وأكدوا أن "الأمر لا يتعلق بالقتال بقدر ما يتعلق بكيفية إعادة البناء بعد ذلك. ما تعلمناه من حروبنا هو أنه لا يمكنك الدخول وتدمير العدو ثم تغادر".

ويعتقد دوني هاسلتين، ضابط المارينز السابق الذي خدم في العراق بعد معارك الفلوجة في 2004 التي أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين، أن هذه الحملة تشبه كثيرا الحملة الإسرائيلية الحالية لاستئصال حماس، وفق تصريحاته لمراسل "أن بي آر".

وقال بتريوس في مقابلة سابقة إنه من خلال خبرته فإن إرسال جيش، حتى لو كان قويا مثل الجيش الإسرائيلي، إلى الأحياء المكتظة بالسكان في غزة، ستنتج عنه "معركة صعبة للغاية.. هناك أنفاق، وغرف تحتوي على عبوات ناسفة. عليك تطهير كل مبنى، كل طابق، كل غرفة، كل قبو، كل نفق. الخسائر المدنية لا مفر منها، والخسائر الإسرائيلية الفادحة تنتظرنا أيضا".

ويصف هاسلتين الوضع قائلا: "لقد كان الأمر صعبا للغاية. ولا أعتقد أن الجيش هو دائما أفضل منظمة للقيام بإعادة البناء، لكنه غالبا ما يكون المنظمة الوحيدة القادرة على ذلك"، ويرى أنه "حتى لو قمت بتدمير كل إرهابي في غزة، لا يزال لديك منطقة بدون موارد، بدون وظائف وسكان شباب. وعندما تجمع هذه الأشياء معا، تكون هذه أرضا خصبة للإرهاب".

ويرى رافائيل كوهين، الضابط السابق في العراق إنه يجب التفكير في المراحل التالية، لكنه من الصعب إقناع الإسرائيليين بذلك "كما كان من الصعب إقناع حكومة الولايات المتحدة بعدم فعل شيء كبير بعد أحداث 11 سبتمبر. الحسابات السياسية تجعل الإسرائيليين مضطرين إلى الحرب مع حماس بغض النظر عن العواقب"، وفق تصريحاته لـ"أن بي آر".

وفي حين تستعد إسرائيل لهجوم بري محتمل، تزداد الضغوط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، لتأجيل أي عملية برية من أجل إطلاق سراح الرهائن عبر المفاوضات، وأثارت الولايات المتحدة مخاوفها بشكل مباشر محذرة من عدم وجود خطة.

ونقلت فاينانشال تايمز عن مصدر مطلع: "إسرائيل لم تتخذ قرارا بعد، لقد أصيب الأميركيون بالجنون عندما أدركوا أنه لا توجد خطة".

لكن وكالة بلومبرغ الأميركية قالت إن الضغط الأميركي من أجل إطلاق سراح الرهائن قد يؤخر الهجوم البري لكنه لن يوقفه، إذ قال مسؤولون أميركيون إن إطلاق سراح عدد أكبر من المحتجزين لدى حماس سيؤخر العملية البرية لكنها ستحدث في النهاية لاستئصال حماس، وإلا سينظر إلى إسرائيل على أنها دولة ضعيفة في نظر أعدائها، بحسب مسؤولين إسرائيليين.

الدبلوماسية الأميركية السابقة، إيما سكاي، التي قدمت المشورة للقادة الأميركيين في العراق وأفغانستان، قالت لـ"أن بي آر" إن الولايات المتحدة واجهت صعوبة في تمكين الحكومات الجديدة في العراق وأفغانستان، وترى أنه بعد أحداث 11 سبتمبر، أدت الحرب على الإرهاب إلى مقتل الآلاف من المسلمين ما ألحق ضررا كبيرا بسمعة أميركا في العالم.

ويقول كارتر مالكاسيان، الذي قدم المشورة للجنرالات الأميركيين في أفغانستان والعراق، لـ "أن بي آر" إن نفس الشيء سيحدث في غزة "إذا لم تميز إسرائيل بين الفلسطينيين الذين يعيشون في غزة وأعضاء حماس والمسلحين الآخرين، وإذا لم يكن هناك هدف عسكري واضح للغارة الجوية الإسرائيلية، فقد يبدو الأمر مجرد انتقام أعمى. وهذا درس آخر من أحداث 11 سبتمبر".

وقال مالكاسيان إنه بعد أحداث 11 سبتمبر" "أردنا تدمير تنظيم القاعدة والتأكد من أنهم لن يتمكنوا من القيام بذلك مرة أخرى. وبطبيعة الحال لم تفعل الولايات المتحدة أي شيء مهما في العراق أو أفغانستان".

ويرى شوارتز في تصريحاته لموقع الحرة  أن الدرس الذي يجب أن تتعلمه إسرائيل "هو التركيز على نوع التهديد". ويقول: "لقد تخلصنا من نظام طالبان طوال فترة 20 عاما قضيناها هناك، ولكن بعد ذلك، وبعد كل تريليونات الدولارات والخسائر في الأرواح، ما هي النتيجة النهائية؟ انتهى الأمر بعودة طالبان".

ولهذا السبب، يرى الجنرال السابق، أنه "لا بأس إذا كان هدفك هو ملاحقة التهديد الاستراتيجي، وهو حماس، لكن مع مراعاة الفلسطينيين الأبرياء الذين يعيشون في غزة والذين هم رهائن هناك أيضا".

ويضيف: "أعتقد أن تحديد نطاق الصراع مهم حقا. أعتقد أن هذا هو الشيء الذي كان الرئيس يتحدث عنه".

ويلفت المحلل والخبير العسكري شوارتز من أنه "لم يكن هناك أي حسن نية بين الفلسطينيين وإسرائيل سياسيا قبل أحداث 7 أكتوبر، وبناء على رد فعل إسرائيل في غزة وما سيقع من خسائر في صفوف المدنيين وطالما أن هذا القصف والهجوم البري مستمران، فلن تكون هناك فرصة للحصول على مساعدة من الفلسطينيين في تحديد موقع مكان الرهائن وغيرها من المساعدات".

ويخشى شوارتز من ظهور "جيل جديد من الفلسطينيين ليس لديهم أي ثقة في أي حوار استراتيجي مع إسرائيل".

ويقول إنه ينبغي أن تعلم إسرائيل من سيتولى المسؤولية الأمنية بعد الغزو والكارثة الإنسانية التي ستحدث والتي ستكون أكبر بكثير مما حدث في السابع من أكتوبر، و"أعتقد أن هذا ما كان يقصده بايدن".

دبابات إسرائيلية في سوريا
دبابات إسرائيلية في سوريا

"الخطوط الحمر" التي رسمتها إسرائيل أمام تركيا حول تدمر السورية لا تأت من فراغ كما يقول خبراء لموقع "الحرة"، بل ترتبط في غالبيتها بما تشكله هذه المنطقة الواقعة في وسط سوريا من أهمية استراتيجية كبرى لأي طرف ينوي التمركز فيها، على صعيد إنشاء القواعد اللازمة للسيطرة على الأرض، ولحجز مكانٍ في الجو.

وتردد الحديث عن هذه "الخطوط الحمر" على لسان مصادر في تل أبيب نقلت عنها وكالة "رويترز"، الخميس، وجاء ذلك في أعقاب الكشف عن أول اجتماع جمع وفدين من إسرائيل وتركيا في أذربيجان، لمناقشة آلية منع الاشتباك بينهما في سوريا.

وقالت الوكالة إن الوفد الإسرائيلي أبلغ نظيره التركي خلال اجتماع باكو بأن "أي تغيير في انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخاصة إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر هو خط أحمر"، وأبلغه أيضا بأن أي خطوة من هذا القبيل "ستكون خرقا لقواعد اللعبة".

ولم تصدر أي تفاصيل من الجانب التركي عن فحوى الاجتماع الأول مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان، لكن وزارة الدفاع في أنقرة أكدت الخميس حصول الاجتماع، وقالت إنه يأتي في إطار إنشاء آلية هدفها "منع الاشتباك".

تدمر التي حددتها إسرائيل دون غيرها من المناطق السورية كمنطقة يمنع الاقتراب منها تقع في ريف محافظة حمص وسط البلاد، وهي منطقة صحراوية يوجد فيها مدينة مأهولة بالسكان وقواعد عسكرية وجوية.

وقبل سقوط نظام الأسد تعرضت هذه المنطقة لعدة غارات جوية استهدفت مواقع انتشار ميليشيات تتبع لإيران، ورغم تغيّر خرائط السيطرة هناك بعد الثامن من ديسمبر 2024 إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من استهدافها مجددا.

على مدى الأيام الماضية، وقبل بدء تركيا وإسرائيل الاجتماعات المتعلقة بآلية منع الاشتباك، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على تدمر لـ5 مرات، واستهدف بها مطارها العسكري وقاعدة التياس الجوية القريبة منها، والمعروفة باسم "T4".

وجاءت تلك الضربات في أعقاب انتشار تقارير غير مؤكدة رسمية عن نية تركيا التمركز في القواعد الجوية هناك، وذلك في مسعى للتمركز على الأرض مع استقدام منظومات للدفاع الجوي من نوع "حصار".

لماذا تدمر بالتحديد؟

وتُعتبر قاعدة "T4" الجوية في منطقة تدمر من أهم القواعد الجوية في سوريا. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا خريف عام 2015، اختارت موسكو هذه القاعدة، بالإضافة إلى "حميميم" بريف اللاذقية، لتكون جزءا من منطقة النفوذ العسكري الروسي.

وطورت روسيا بنيتها التحتية، وزادت عدد حظائر الطائرات، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، التي توضح لموقع "الحرة" أن القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة.

ووفقا لتقارير وسائل إعلام إسرائيلية فإن الضربات الأخيرة على هذه القاعدة وعلى مناطق عسكرية أخرى في تدمر أسفرت عن تدمير طائرات من نوع "سوخوي" وحظائر كانت موجودة فيها.

كما أسفرت الضربات عن تدمير المدارج الخاصة بقاعدة "التياس"، مما جعلها خارج الخدمة.

وتشرح كولوريوتيس أنه توجد عدة ميزات تجعل "T4" أهم قاعدة جوية عسكرية في سوريا.

فمن جانب يعتبر موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا مثالي، إذ تبعد حوالي 220 كيلومترا عن مرتفعات الجولان، و250 كيلومترا عن الحدود مع تركيا، و300 كيلومتر عن معبر البوكمال مع العراق.

ومن جانب آخر تضيف الباحثة أن "القاعدة معزولة عن الوجود البشري"، مما يجعل مراقبتها الأرضية معقدة. كما تقع بالقرب من البادية السورية، حيث تتواجد خلايا تنظيم "داعش"، وعلى بُعد حوالي 200 كيلومتر من نهر الفرات، حيث تتمركز "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

كولوريوتيس تؤكد أن الاعتراض الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في سوريا يقتصر على رفض إسرائيل وجود قاعدة جوية هناك أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو، دون أن يشمل الأمر الاعتراض على القواعد البرية.

"3 أسباب"

وتمتلك أنقرة عدة قواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي، بعضها يعود إلى عام 2016، ولم تعتبرها إسرائيل في السابق أنها تشكل تهديدا لأمنها القومي.

أما سبب الاعتراض الإسرائيلي على وجود قاعدة جوية تركية في سوريا (في T4)، فيمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء ذلك، وفقا للباحثة في شؤون الشرق الأوسط.

السبب الأول عسكري، إذ ستحد القاعدة الجوية التركية في سوريا من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وستضطر إسرائيل إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع وزارة الدفاع التركية لتنسيق تحركاتها الجوية في سوريا مسبقا لتجنب الحوادث. وهذا أمر لا تريده إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، بحسب كولوريوتيس.

والسبب الثاني استراتيجي، إذ تعتقد إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا سيزيد من أهمية المواقف التركية إقليميا ودوليا، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون قائدة المنطقة، وهو هدف عملت عليه خلال العام الماضي من خلال استهداف النفوذ الإيراني لملء هذا الفراغ بنفسها.

وتتمتع تركيا بنفوذ كبير في شمال العراق وعلاقات ممتازة مع قطر، ووجود عسكري في شمال قبرص، وعلى أساس ذلك توضح الباحثة أن "التوسع في سوريا قد يفتح الطريق أمام أنقرة لزيادة نفوذها في لبنان والأردن أيضا".

وعلاوة على ما سبق يذهب السبب الثالث باتجاه مسار سياسي، تضيف كولوريوتيس.

وتقول إنه رغم وصف إسرائيل للإدارة السورية الجديدة "بالإرهابية"، إلا أنها تعلم أنه ستكون هناك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة لاحقة.

ولذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المجال الجوي السوري، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مستخدمة إياها كأوراق مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

وبخلاف ما سبق تعتقد الباحثة أن "الوجود العسكري التركي في سوريا سيحد من هذه السيطرة الإسرائيلية، ويدعم موقف الإدارة السورية في أي مفاوضات".

"لا تريد هيمنة جوية لتركيا"

ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانت آلية "منع الاشتباك" بين تركيا وإسرائيل في سوريا ستخفف من التصعيد الحاصل بينهما، ولا يعرف أيضا ما إذا كان الطرفان ستجمعهما أي قواسم مشتركة في البلاد، في المرحلة المقبلة.

وتشير التصريحات الرسمية التركية الصادرة عن وزارة الدفاع إلى أن أنقرة لن تتراجع عن تقديم الدعم للإدارة السورية الجديدة، ولن تتراجع أيضا عن مساعي إنشاء القواعد في سوريا.

لكن في المقابل يبدو من التصريحات الرسمية في تركيا أن تلك القواعد ستكون "تدريبية" على نحو أكبر، دون أن يعرف المكان الذي ستتموضع فيه، سواء في وسط البلاد أو في شمالها كما المعتاد.

ويقول الباحث السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن إن القاعدة الجوية الموجودة في تدمر (T4) تزعج إسرائيل، وبالتالي هي لا تريد لأي طرف التمركز فيها، كي لا تتأثر حرية حركتها الجوية في سوريا.

ويضيف شتيرن لموقع "الحرة": "وفي حال دخلت تركيا للعمق السوري ربما ستكون هناك سيطرة معينة ونوع من الحماية على هذه المناطق وهذا ما لا تريده إسرائيل ويقلقها".

"إسرائيل تريد المنطقة مفتوحة وأعتقد أن الخطوط الحمر تتجاوز تدمر لتصل إلى حد الموضوع الجوي في سوريا وسلاح الجو التركي"، يتابع الباحث الإسرائيلي.

ويردف: "إسرائيل لا تريد هيمنة تركية جوية على هذه المنطقة، سواء من خلال الطائرات بالجو أو على مستوى نشر منظومات دفاع جوي"، في إشارة منه إلى تدمر الواقعة وسط سوريا.

ومن جهته يوضح الباحث السوري، ضياء قدور أن "تثبيت تركيا لوجودها العسكري في مدينة تدمر يمكن أن يشكل تحولا كبيرا في المشهد العسكري في سوريا والمنطقة بشكل عام".

ومن خلال إقامة منظومات دفاع جوي متطورة وتشغيل القواعد الجوية في الشعيرات و"T4" ومطار تدمر "ستحقق تركيا قدرة على فرض سيطرة جوية قوية في وسط سوريا"، يضيف الباحث لموقع "الحرة".

ويشير أيضا إلى أن هذه الخطوة قد تتيح لتركيا تشكيل "فقاعات دفاعية" استراتيجية، مما يزيد من تعقيد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية ليس فقط في سوريا، بل في الشرق الأوسط ككل.

"انتكاسات ممر داوود"

وقبل سقوط نظام الأسد دائما ما كان ينظر المراقبون والخبراء لتدمر على أنها تقع وسط "الكوريدور الإيراني"، الذي يخترق سوريا قادما من العراق.

وكان هذا "الكوريدور" أو الممر تستخدمه إيران لإيصال السلاح إلى "حزب الله" في لبنان، ولدعم ميليشياتها الأجنبية والمحلية، التي كانت تنتشر في مناطق متفرقة بسوريا.

وشكّل سقوط نظام الأسد نهاية الحلم الإيراني المتعلق بهذا الممر. ورغم حصول ذلك لم تتوقف إسرائيل من استهداف المناطق المحيطة به أو الواقعة في منتصفه، بينها تدمر والقواعد الموجودة فيها.

ومنذ أشهر تتوارد أنباء وتقارير غير مؤكدة عن مساعي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب سوريا وصولا إلى حدود العراق، وتتعلق على نحو خاص بما سمي بـ"ممر داوود"، الذي تقول الباحثة كولوريوتيس إنه بات من الماضي، لعدة أسباب.

وتوضح الباحثة أن المناقشات حول الممرات الإسرائيلية في سوريا تبدو، في هذه المرحلة، غير منطقية.

وتشرح أنه كان هناك حديث عن إنشاء ممر يربط إسرائيل بالسويداء ومع مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" عبر منطقة التنف، حيث يوجد نفوذ للولايات المتحدة، تحت اسم "ممر داوود".

وتضيف أن هذا المشروع عانى من ثلاث انتكاسات رئيسية: الأولى كانت الاتفاق بين "قسد" ودمشق؛ والثانية كانت تأكيد إدارة ترامب على أنها ستنسحب من سوريا؛ والثالثة كانت عدم وجود توافق داخل السويداء بشأن العلاقات مع إسرائيل.

ونتيجة لذلك، وحتى داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصبح الحديث عن "ممر داوود" شبه معدوم مؤخرا، وفقا للباحثة.

ومن المهم التأكيد على أن إسرائيل لا تنوي الانخراط في عمليات برية في سوريا، بحسب كولوريوتيس، التي ترى أن "وجودها العسكري البري لن يتجاوز إلى ما وراء المناطق القريبة من منطقة فض الاشتباك".

ويعتقد الباحث قدور أن تدمر تحولت خلال الأيام الماضية من منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى نقطة صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الفراغ العسكري الهائل الذي نشأ في البلاد، بعد انهيار نظام الأسد، وتدمير جميع دفاعاته وقدراته العسكرية.

ويقول إن الصراع الحالي الحاصل في سوريا "قد يؤدي توترات متزايدة أو ربما إلى اتفاقات لخفض التصعيد، يتم من خلالها إنشاء آلية تنسيق عسكرية تهدف لتقليل التصعيد في المنطقة وضمان مصالح الأطراف المتنازعة".