الجيش الإسرئيلي رد على هجوم حماس بقصف غزة

لليوم السابع، يتابع الجيش الإسرائيلي عمليته العسكرية البرية المعلنة في غزة، وذلك من أجل تحقيق هدف القضاء على حماس، الذي وضعته إسرائيل لنفسها، في سياق ردها على الهجوم الدموي غير المسبوق في السابع من أكتوبر.

وبدأ الجيش الإسرائيلي حشد قواته العسكرية على حدود غزة، الجمعة الماضي، حيث نقل الدبابات والجرافات والمشاة ووحدات الهندسة القتالية إلى محيط القطاع، في ظل تمهيد جوي بقصف عنيف على أهداف في قطاع غزة، لإفساح المجال أمام دخول قواته البرية، الذي لا يزال يتم ببطء.

وأصبحت الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحماس هي الأكثر دموية وتدميرا من بين الحروب الخمس التي دارت بين الجانبين منذ سيطرة حماس على قطاع غزة في عام 2007، وفق وكالة "أسوشيتد برس".

وعلى مدى 27 يوما من المعارك، ارتفعت حصيلة قتلى الجيش الإسرائيلي إلى 336 جنديا، 23 منهم قتلوا بعد انطلاق الهجوم البري، سقط العدد الأكبر منهم في هجوم واحد استهدف ناقلة جنود إسرائيلية مدرعة من نوع "نمر" ما أدى إلى مقتل 11 جنديا، بحسب ما أعلن الجيش الإسرائيلي.

هذا الارتفاع في حجم الخسائر البشرية للجيش الإسرائيلي، طرح العديد من علامات الاستفهام حول أسبابه وكيفية تفسيره، فضلا عن مسار العملية البرية في غزة، ومدى فعاليتها في تحقيق أهدافها حتى اللحظة، كما سلط الضوء على التحديات الكبيرة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي في معركته البرية، ومدى قدرته على تخطيها، بمدى زمني محدد، دون التعرض لخسائر فادحة.

وتبدو هذه المهمة بالغة الصعوبة بالنسبة إلى إسرائيل، نظرا لحجم التحديات العسكرية التي تحملها هذه المعركة، في ظل استعداد حماس السابق لها، وهو ما بدا في كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي، بينيامين نتانياهو، الذي تعهد بتحقيق "النصر" رغم "الخسائر المؤلمة" في صفوف الجنود في غزة، وفقا لما ذكرت وكالة فرانس برس.

من جهتها، قالت حركة حماس إن " غزة ستكون لعنة على إسرائيل"، وفق ما نقلت فرانس برس.

انطلاقة "حذرة"

يقول المستشار في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، عنان وهبي، إن انطلاق المرحلة البرية من العملية العسكرية في غزة، والتي مهدت لها الضربات الجوية، كانت حذرة وتقدمت رويدا رويدا.

ويعود ذلك لكون مواجهة حرب عصابات في مناطق مبنية تحتاج أولا "للتقدم الآمن من المفاجآت التي قد تحدث"، بحسب وهبي، وثانيا مراعاة تقنيات تكنولوجية يتطلب استخدامها تقدما تدريجيا.

ويرى وهبي، في حديثه لموقع "الحرة"، أن بإمكانه اعتبار ما يحصل حتى الآن "نجاحا" من الناحية العسكرية، وهو "يتقدم بشكل واضح"، بحيث بات هناك "إغلاق شبه كامل" على مدينة غزة من كل الأطراف، وهي مرحلة قابلة للضغط العسكري "وربما التفاوض لإعادة المخطوفين".

وكان قد أكد رئيس الأركان الإسرائيلية، هرتسي هاليفي، في مقابلة تلفزيونية، الخميس، أن الجيش الإسرائيلي "يحاصر مدينة غزة ويعمق عملياته" هناك، وفق شبكة سي أن أن.

وقال هاليفي: "كان جنودنا يعملون في مدينة غزة خلال الأيام القليلة الماضية، ويحاصرونها من عدة اتجاهات، مما أدى إلى تعميق العملية، وقواتنا موجودة في مناطق مهمة جدا في مدينة غزة".

من ناحيته يقول رئيس قسم الأبحاث في منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، أور يساكر، إن "هناك كثير من الخسائر، نسمع كل يوم أسماء جديدة وهذا يفطر القلب، ولكن هناك الكثير من القصص البطولية نسمعها أيضا ونرى كيف تتقدم القوات على الأرض، ولكن لا نعرف ماهية التكتيكات العسكرية المعتمدة وأين تنتشر القوات".

محاصرة حماس

"القضاء على حماس هو أمر كانت إسرائيل تتجنبه على مدى سنوات مضت"، بحسب قول يساكر، "لكن الأمور الآن تسير بهذا المخطط".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى كلام نتانياهو، الخميس، الذي أكد أن الجيش بات على مشارف مدينة غزة، "وأعتقد أن القوات تطبق أسلوب فكي الكماشة، لفصل شمال قطاع غزة عن جنوبه".

ويشرح يساكر أن الخطة الآن تقوم على "احتلال كل القسم الشمالي من القطاع، والجزء الثاني من الخطة احتلال القسم الجنوبي من القطاع، وهذا الأمر لا تستمتع إسرائيل بالقيام به ولم تكن تريده، لقد اشترت إسرائيل سكوت حماس لسنوات، ولكن الآن أعتقد أنه ما من خيار إلا احتلال قطاع غزة حتى تحقيق الهدف من الحرب".

ويعتبر يساكر، الذي سبق أن خدم في فيلق وحدة الاستخبارات الإسرائيلية، أن العملية العسكرية الإسرائيلية حتى الآن "ناجحة جدا"، قياسا بمدى تحقيقها للأهداف.

ويضيف "أعتقد أن الهدف الآن اعتماد خطة عسكرية محكمة، من أجل الوصول إلى قياديي حماس الرسميين"، لافتا إلى أن الجيش الإسرائيلي "استهدف قيادات عسكرية على المستوى التكتيكي لحماس، إضافة إلى ضباط من قوات النخبة لحماس والجهاد الإسلامي، وتمكن من القضاء عليهم".

وكان الجيش الإسرائيلي قد أفاد في بيان سابق، الأربعاء، أنه ضرب "أكثر من 11 ألف هدف تابع للمنظمات الإرهابية" في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب.

هذه الأهداف بحسب يساكر هي عبارة عن "مراكز قيادة ومخازن أسلحة ومنصات صواريخ وغيرها"، استهدافها "من شأنه أن يضعف إلى حد كبير القدرات العسكرية لحماس"، وهو ما بدأ يترجم انخفاضا ملاحظا في عدد الصواريخ التي تطلق على إسرائيل، وفق يساكر، "كما نرى أيضا تراجعا في نشاط حماس على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لم يعودوا ينشرون بنفس الكثافة كما كان في الأيام الأولى من الحرب".

ولكن، بحسب رئيس قسم الأبحاث في منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي، "لا تزال هذه البداية فحسب والمرحلة الثانية ستكون أكثر شدة".

تحديات ومفاجآت

ويحمل الهجوم البري للجيش الإسرائيلي تحديات عسكرية وأمنية كبيرة، من غير المتوقع أن تكون سهلة المواجهة، لاسيما لناحية طبيعة المعركة وأرضها، فضلا عن الاستعدادات المسبقة لحركة حماس، ونوعية قتالها.

في هذا السياق يشرح وهبي أن الجيش الإسرائيلي يواجه في غزة أسلوب حرب العصابات، "حيث تقف في هذه الحالة أمام مدنيين لا يزالون في المنطقة، وتكون دائما المعضلة الرئيسية في الخنادق والأنفاق تحت الأرض بكل مفاجآتها، وعدو ليس جيشا نظاميا، وإنما يختبئ تحت الأرض ويفاجئك بشتى الطرق ومن مناطق مختلفة لإيقاع جنودك في كمائن وما إلى ذلك".

هذه المفاجآت، بحسب المستشار في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، "تحتاج تقدما بطيئا"، خاصة أن العالم ليس لديه تجربة في حرب أنفاق تمتد على هذه المساحة وبهذا الانتشار وهذا الحجم من المفاجآت.

لو كانت الحرب فوق الأرض، بحسب وهبي، "لكان التقدم انتهى خلال يوم أو يومين"، ولكن حرب الأنفاق مختلفة وفيها المقرات العسكرية ومئات أو آلاف الجنود الذين يختبئون ويختفون ويطلون من مكان آخر، الأنفاق فيها الذخيرة والعتاد، "والأهم أن فيها المخطوفين، وهي قضية حساسة، وهناك اختلاف في أخلاقيات الحرب، وبالتالي هذه هي المعضلة في هذه الحرب".

ووفق آخر تحديث، بلغ عدد الرهائن الذين تحتجزهم حركة حماس في غزة بعد هجمات 7 أكتوبر 242، حسبما قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانييل هغاري، الخميس. وأدى توسيع إسرائيل لعملياتها البرية إلى تعقيد الجهود الرامية إلى تحرير الرهائن.

بدوره أيضا، يرى يساكر أن التحدي الرئيسي للجيش الإسرائيلي هو أنفاق حماس تحت الأرض، التي بنيت على مدى سنوات، وخصصت لها حماس "ميزانية عالية" لتحقق أهدافها العسكرية منها، بدلا من تأمين بنية تحتية وملاجئ للمدنيين.

هذه المعضلة قد تدفع الجيش الإسرائيلي، وفق يساكر إلى استخدام روبوتات بدلا من الدخول مباشرة تحت الأرض، أو استخدام كلاب، ليذهبوا قبل المقاتلين، "كما أن هناك إمكانية لتحديد المداخل من خلال الأشعة تحت الحمراء ومن الصور الجوية وتاليا استهدافها".

وعن تحدي وجود المدنيين في ساحة المعركة، يقول يساكر إن الجيش الإسرائيلي "لم يكن يقصف بالعادة أهدافا مدنية ودينية، ولكن حجم الخطر الحالي دفعه الآن إلى ذلك، وهو آخر شيء يريده، لا نريد استهداف مدارس ولا أماكن لجوء المدنيين ولكن حين تحتمي حماس بهم وتنشر آلتها العسكرية بينهم، فعندها لا يوجد خيار آخر لحماية العسكريين سوى استهدافهم".

وتشكل ترسانة الأسلحة لدى حماس، ولاسيما الصواريخ المضادة للدروع، تحديا كبيرا للجيش الإسرائيلي، وفق يساكر، لاسيما مع قدرة مسلحي حماس أن يفاجئوا الجنود الإسرائيليين من خلال تخفيهم في الأنفاق وإطلاق الصواريخ باتجاه القوات القريبة، كما حصل مع مدرعة "النمر"، حيث يكونون معرضين للهجوم ومكشوفين أمام هذه الصواريخ.

فشل أم خطأ؟

وقتل 11 جنديا إسرائيليا خلال ساعات من انطلاق العملية البرية بصاروخ موجه للدبابات أطلقه مقاتل من حماس على ناقلة جند إسرائيلية من نوع "نمر"، الأمر الذي أثار صدمة في إسرائيل بسبب القوة المفترضة للناقلة التي استثمرت فيها السلطات الإسرائيلية أموالا كبيرة، وأدخلتها إلى الخدمة في غزة لأول مرة.

وفي هذا الإطار يرجح المستشار في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، أن تكون الحادثة هذه بالذات ناتجة عن "إخفاق في التقنيات التكنولوجية التي كان يجب أن تحمي هذه الآلة الحربية أمام أي هجوم من هذا النوع".

ويصف وهبي هذا الإخفاق بالـ"نادر جدا"، مشددا على أن "النمر والدبابات الإسرائيلية لديها حماية خاصة، لا تزال تمكنها من دخول الحرب بفعالية وحماية".

ويضيف "لدى الجيش الإسرائيلي تقنيات لا يمتلكها أي جيش في العالم، وهذا معروف، وبالتالي الحماية التي تتوفر في معداته ذات تقنيات عالية جدا وفريدة في نوعها".

من ناحيته يعتقد يساكر أن على الجيش الإسرائيلي "اتخاذ إجراءات حيطة وحماية إضافية"، مضيفا أنه "كلما استهدف سلاح الجو مزيدا من الأهداف لحماس، كلما كان الجنود في أمان على الأرض".

ويشير إلى أن الجيش الإسرائيلي يحضر لهذه العملية منذ سنوات، "وتدرب خلال الأشهر الماضية بصورة مركزة أكثر، وهناك أفضل ضباط الجيش الإسرائيلي اليوم في الميدان إلى جانب الجنود، يقودونهم ويعرفون كيفية تفادي هذه الهجمات ومواجهتها، وفي نهاية الأمر هذه ليست نزهة، ونتوقع المزيد من المعارك والقتال، والجنود الإسرائيليون معروفون بصمودهم ومرونتهم ويمكنهم القيام بالمهمة".

وتشكل إمكانية مسلحي حماس على التحرك والتنقل في أرض المعركة تحديا إضافيا للعملية البرية الإسرائيلية في غزة. 

ويقول وهبي إن عناصر حماس في مثل هذه الحالة "يستطيعون التحرك في غزة من خلال الاختفاء عن الأنظار كجنود بين المدنيين، ولكن المواجهة وجها لوجه هناك تفوق عسكري هائل للجيش الإسرائيلي".

وعليه يرى يساكر بدوره أن تحرك عناصر حماس داخل غزة وعلى حدودها "يشكل خطرا"، مشددا على وجوب أن تكون "حركة مقاتلي حماس محدودة"، معتبرا أن هذا السبب الذي دفع الجيش الإسرائيلي للطلب من المدنيين في غزة الإخلاء نحو الجنوب، "ليتمكنوا من القتال بأريحية في القسم الشمالي من القطاع، ويفسح المجال أمام القوات الجوية لتصفية الخلايا المتحركة لحماس".

ما الوقت المتوقع؟

يستبعد يساكر أن تكون حماس قادرة بعد على مفاجأة الجيش الإسرائيلي الآن، أكثر مما فعلت، ولا يعتقد أنه سيكون هناك مفاجآت في قدرات حماس العسكرية.

ويرى أن هذه العملية البرية تحتاج إلى وقت أطول من العمليات البرية السابقة في غزة "من أجل تحقيق أهدافها بالقضاء على البنية التحتية لحماس بشكل كامل، وبالتالي قد يتطلب الأمر أشهرا، وربما سنتين من أجل تنظيف المنطقة من كل العناصر الإرهابية".

ويشير رئيس قسم الأبحاث في منتدى الدفاع والأمن الإسرائيلي إلى وجوب الأخذ في عين الاعتبار "احتمالية التصعيد مع حزب الله على الحدود الشمالية إضافة إلى إمكانية انخراط إيران، وهذا كله قد يؤثر على مدة الحرب".

من جهته يعتبر وهبي أن حماس اليوم باتت "في حالة انتحار، وهي مسألة وقت فقط، حيث من غير الممكن أن يحدث أي تغيير من ناحية التوازن على أرض المعركة".

ويختم: "في نهاية الأمر القوة العسكرية الهائلة الموجودة اليوم في غزة ستحقق أهدافها في احتلال الأنفاق وتحرير الرهائن والقضاء على حماس بالكامل".

دبابات إسرائيلية في سوريا
دبابات إسرائيلية في سوريا

"الخطوط الحمر" التي رسمتها إسرائيل أمام تركيا حول تدمر السورية لا تأت من فراغ كما يقول خبراء لموقع "الحرة"، بل ترتبط في غالبيتها بما تشكله هذه المنطقة الواقعة في وسط سوريا من أهمية استراتيجية كبرى لأي طرف ينوي التمركز فيها، على صعيد إنشاء القواعد اللازمة للسيطرة على الأرض، ولحجز مكانٍ في الجو.

وتردد الحديث عن هذه "الخطوط الحمر" على لسان مصادر في تل أبيب نقلت عنها وكالة "رويترز"، الخميس، وجاء ذلك في أعقاب الكشف عن أول اجتماع جمع وفدين من إسرائيل وتركيا في أذربيجان، لمناقشة آلية منع الاشتباك بينهما في سوريا.

وقالت الوكالة إن الوفد الإسرائيلي أبلغ نظيره التركي خلال اجتماع باكو بأن "أي تغيير في انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخاصة إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر هو خط أحمر"، وأبلغه أيضا بأن أي خطوة من هذا القبيل "ستكون خرقا لقواعد اللعبة".

ولم تصدر أي تفاصيل من الجانب التركي عن فحوى الاجتماع الأول مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان، لكن وزارة الدفاع في أنقرة أكدت الخميس حصول الاجتماع، وقالت إنه يأتي في إطار إنشاء آلية هدفها "منع الاشتباك".

تدمر التي حددتها إسرائيل دون غيرها من المناطق السورية كمنطقة يمنع الاقتراب منها تقع في ريف محافظة حمص وسط البلاد، وهي منطقة صحراوية يوجد فيها مدينة مأهولة بالسكان وقواعد عسكرية وجوية.

وقبل سقوط نظام الأسد تعرضت هذه المنطقة لعدة غارات جوية استهدفت مواقع انتشار ميليشيات تتبع لإيران، ورغم تغيّر خرائط السيطرة هناك بعد الثامن من ديسمبر 2024 إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من استهدافها مجددا.

على مدى الأيام الماضية، وقبل بدء تركيا وإسرائيل الاجتماعات المتعلقة بآلية منع الاشتباك، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على تدمر لـ5 مرات، واستهدف بها مطارها العسكري وقاعدة التياس الجوية القريبة منها، والمعروفة باسم "T4".

وجاءت تلك الضربات في أعقاب انتشار تقارير غير مؤكدة رسمية عن نية تركيا التمركز في القواعد الجوية هناك، وذلك في مسعى للتمركز على الأرض مع استقدام منظومات للدفاع الجوي من نوع "حصار".

لماذا تدمر بالتحديد؟

وتُعتبر قاعدة "T4" الجوية في منطقة تدمر من أهم القواعد الجوية في سوريا. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا خريف عام 2015، اختارت موسكو هذه القاعدة، بالإضافة إلى "حميميم" بريف اللاذقية، لتكون جزءا من منطقة النفوذ العسكري الروسي.

وطورت روسيا بنيتها التحتية، وزادت عدد حظائر الطائرات، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، التي توضح لموقع "الحرة" أن القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة.

ووفقا لتقارير وسائل إعلام إسرائيلية فإن الضربات الأخيرة على هذه القاعدة وعلى مناطق عسكرية أخرى في تدمر أسفرت عن تدمير طائرات من نوع "سوخوي" وحظائر كانت موجودة فيها.

كما أسفرت الضربات عن تدمير المدارج الخاصة بقاعدة "التياس"، مما جعلها خارج الخدمة.

وتشرح كولوريوتيس أنه توجد عدة ميزات تجعل "T4" أهم قاعدة جوية عسكرية في سوريا.

فمن جانب يعتبر موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا مثالي، إذ تبعد حوالي 220 كيلومترا عن مرتفعات الجولان، و250 كيلومترا عن الحدود مع تركيا، و300 كيلومتر عن معبر البوكمال مع العراق.

ومن جانب آخر تضيف الباحثة أن "القاعدة معزولة عن الوجود البشري"، مما يجعل مراقبتها الأرضية معقدة. كما تقع بالقرب من البادية السورية، حيث تتواجد خلايا تنظيم "داعش"، وعلى بُعد حوالي 200 كيلومتر من نهر الفرات، حيث تتمركز "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

كولوريوتيس تؤكد أن الاعتراض الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في سوريا يقتصر على رفض إسرائيل وجود قاعدة جوية هناك أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو، دون أن يشمل الأمر الاعتراض على القواعد البرية.

"3 أسباب"

وتمتلك أنقرة عدة قواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي، بعضها يعود إلى عام 2016، ولم تعتبرها إسرائيل في السابق أنها تشكل تهديدا لأمنها القومي.

أما سبب الاعتراض الإسرائيلي على وجود قاعدة جوية تركية في سوريا (في T4)، فيمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء ذلك، وفقا للباحثة في شؤون الشرق الأوسط.

السبب الأول عسكري، إذ ستحد القاعدة الجوية التركية في سوريا من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وستضطر إسرائيل إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع وزارة الدفاع التركية لتنسيق تحركاتها الجوية في سوريا مسبقا لتجنب الحوادث. وهذا أمر لا تريده إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، بحسب كولوريوتيس.

والسبب الثاني استراتيجي، إذ تعتقد إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا سيزيد من أهمية المواقف التركية إقليميا ودوليا، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون قائدة المنطقة، وهو هدف عملت عليه خلال العام الماضي من خلال استهداف النفوذ الإيراني لملء هذا الفراغ بنفسها.

وتتمتع تركيا بنفوذ كبير في شمال العراق وعلاقات ممتازة مع قطر، ووجود عسكري في شمال قبرص، وعلى أساس ذلك توضح الباحثة أن "التوسع في سوريا قد يفتح الطريق أمام أنقرة لزيادة نفوذها في لبنان والأردن أيضا".

وعلاوة على ما سبق يذهب السبب الثالث باتجاه مسار سياسي، تضيف كولوريوتيس.

وتقول إنه رغم وصف إسرائيل للإدارة السورية الجديدة "بالإرهابية"، إلا أنها تعلم أنه ستكون هناك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة لاحقة.

ولذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المجال الجوي السوري، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مستخدمة إياها كأوراق مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

وبخلاف ما سبق تعتقد الباحثة أن "الوجود العسكري التركي في سوريا سيحد من هذه السيطرة الإسرائيلية، ويدعم موقف الإدارة السورية في أي مفاوضات".

"لا تريد هيمنة جوية لتركيا"

ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانت آلية "منع الاشتباك" بين تركيا وإسرائيل في سوريا ستخفف من التصعيد الحاصل بينهما، ولا يعرف أيضا ما إذا كان الطرفان ستجمعهما أي قواسم مشتركة في البلاد، في المرحلة المقبلة.

وتشير التصريحات الرسمية التركية الصادرة عن وزارة الدفاع إلى أن أنقرة لن تتراجع عن تقديم الدعم للإدارة السورية الجديدة، ولن تتراجع أيضا عن مساعي إنشاء القواعد في سوريا.

لكن في المقابل يبدو من التصريحات الرسمية في تركيا أن تلك القواعد ستكون "تدريبية" على نحو أكبر، دون أن يعرف المكان الذي ستتموضع فيه، سواء في وسط البلاد أو في شمالها كما المعتاد.

ويقول الباحث السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن إن القاعدة الجوية الموجودة في تدمر (T4) تزعج إسرائيل، وبالتالي هي لا تريد لأي طرف التمركز فيها، كي لا تتأثر حرية حركتها الجوية في سوريا.

ويضيف شتيرن لموقع "الحرة": "وفي حال دخلت تركيا للعمق السوري ربما ستكون هناك سيطرة معينة ونوع من الحماية على هذه المناطق وهذا ما لا تريده إسرائيل ويقلقها".

"إسرائيل تريد المنطقة مفتوحة وأعتقد أن الخطوط الحمر تتجاوز تدمر لتصل إلى حد الموضوع الجوي في سوريا وسلاح الجو التركي"، يتابع الباحث الإسرائيلي.

ويردف: "إسرائيل لا تريد هيمنة تركية جوية على هذه المنطقة، سواء من خلال الطائرات بالجو أو على مستوى نشر منظومات دفاع جوي"، في إشارة منه إلى تدمر الواقعة وسط سوريا.

ومن جهته يوضح الباحث السوري، ضياء قدور أن "تثبيت تركيا لوجودها العسكري في مدينة تدمر يمكن أن يشكل تحولا كبيرا في المشهد العسكري في سوريا والمنطقة بشكل عام".

ومن خلال إقامة منظومات دفاع جوي متطورة وتشغيل القواعد الجوية في الشعيرات و"T4" ومطار تدمر "ستحقق تركيا قدرة على فرض سيطرة جوية قوية في وسط سوريا"، يضيف الباحث لموقع "الحرة".

ويشير أيضا إلى أن هذه الخطوة قد تتيح لتركيا تشكيل "فقاعات دفاعية" استراتيجية، مما يزيد من تعقيد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية ليس فقط في سوريا، بل في الشرق الأوسط ككل.

"انتكاسات ممر داوود"

وقبل سقوط نظام الأسد دائما ما كان ينظر المراقبون والخبراء لتدمر على أنها تقع وسط "الكوريدور الإيراني"، الذي يخترق سوريا قادما من العراق.

وكان هذا "الكوريدور" أو الممر تستخدمه إيران لإيصال السلاح إلى "حزب الله" في لبنان، ولدعم ميليشياتها الأجنبية والمحلية، التي كانت تنتشر في مناطق متفرقة بسوريا.

وشكّل سقوط نظام الأسد نهاية الحلم الإيراني المتعلق بهذا الممر. ورغم حصول ذلك لم تتوقف إسرائيل من استهداف المناطق المحيطة به أو الواقعة في منتصفه، بينها تدمر والقواعد الموجودة فيها.

ومنذ أشهر تتوارد أنباء وتقارير غير مؤكدة عن مساعي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب سوريا وصولا إلى حدود العراق، وتتعلق على نحو خاص بما سمي بـ"ممر داوود"، الذي تقول الباحثة كولوريوتيس إنه بات من الماضي، لعدة أسباب.

وتوضح الباحثة أن المناقشات حول الممرات الإسرائيلية في سوريا تبدو، في هذه المرحلة، غير منطقية.

وتشرح أنه كان هناك حديث عن إنشاء ممر يربط إسرائيل بالسويداء ومع مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" عبر منطقة التنف، حيث يوجد نفوذ للولايات المتحدة، تحت اسم "ممر داوود".

وتضيف أن هذا المشروع عانى من ثلاث انتكاسات رئيسية: الأولى كانت الاتفاق بين "قسد" ودمشق؛ والثانية كانت تأكيد إدارة ترامب على أنها ستنسحب من سوريا؛ والثالثة كانت عدم وجود توافق داخل السويداء بشأن العلاقات مع إسرائيل.

ونتيجة لذلك، وحتى داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصبح الحديث عن "ممر داوود" شبه معدوم مؤخرا، وفقا للباحثة.

ومن المهم التأكيد على أن إسرائيل لا تنوي الانخراط في عمليات برية في سوريا، بحسب كولوريوتيس، التي ترى أن "وجودها العسكري البري لن يتجاوز إلى ما وراء المناطق القريبة من منطقة فض الاشتباك".

ويعتقد الباحث قدور أن تدمر تحولت خلال الأيام الماضية من منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى نقطة صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الفراغ العسكري الهائل الذي نشأ في البلاد، بعد انهيار نظام الأسد، وتدمير جميع دفاعاته وقدراته العسكرية.

ويقول إن الصراع الحالي الحاصل في سوريا "قد يؤدي توترات متزايدة أو ربما إلى اتفاقات لخفض التصعيد، يتم من خلالها إنشاء آلية تنسيق عسكرية تهدف لتقليل التصعيد في المنطقة وضمان مصالح الأطراف المتنازعة".