جنود من الجيش الإسرائيلي في غزة- صورة أرشيفية.
جنود من الجيش الإسرائيلي في غزة- صورة أرشيفية.

في خضم الحرب في قطاع غزة، بين الجيش الإسرائيلي، وحركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى، كشفت تقارير إسرائيلية عن "سرقة جنود لأسلحة تابعة للجيش وبيعها لفلسطينيين"، وهو ما يكشف مختصون تحدث معهم موقع "الحرة" أسبابه وتداعياته ومدى إمكانية وصول تلك الأسلحة لأيدي تنظيمات مسلحة.

سرقة سلاح في "خضم الحرب"

ذكرت هيئة البث الإسرائيلية، "كان"، الخميس، أنه تم "القبض على جنديين إسرائيليين حاولوا بيع سلاح تابع للجيش الإسرائيلي إلى فلسطيني يمكث في البلاد"، خلافا للقانون.

ويشتبه في أن اثنين من مقاتلي "لواء ناحال"، الذي يقاتل حاليا في غزة، حاولا بيع بندقية تابعة للجيش الإسرائيلي لمقيم فلسطيني بشكل غير قانوني، وفق تقرير بنشرة الأخبار المسائية لـ"كان".

وتم القبض على الجنديين من قبل الجيش الإسرائيلي، بينما أوقفت الشرطة المواطن الفلسطيني، بداية الأسبوع.

وقبضت الشرطة العسكرية الإسرائيلية على الجنديين أثناء محاولتهم بيع بندقية هجومية من طراز "Micro-Tavor"،ويبدو أن السلاح الذي حاول المقاتلون بيعه "سُرق من مقاتل آخر في اللواء دون علمه".

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي، التأكيد أنه "تم اعتقال الجنود، بعد تحقيق شامل وبوسائل مختلفة".

وتم اعتقال جندي إضافي بزعم تورطه في الحادث، "ومن المتوقع أن تطلب النيابة العسكرية تمديد اعتقاله"، وفق المتحدث باسم الجيش.

في حديثه لموقع "الحرة"، يكشف العقيد السابق في الجيش الاسرائيلي، موشيه إلعاد، عن "تكرار تلك الحوادث في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة".

ويتم سرقة بعض أسلحة الجيش الإسرائيلي، ويتم بيعها لمنظمات وأشخاص، وهذا يعتبر "مخالفة كبيرة للقانون"، وعقوبتها السجن "لمدة طويلة"، وفق إلعاد.

ويشير إلى أن بعض الجنود يقومون بسرقة أسلحة الجيش الإسرائيلي لتحقيق "مكاسب مالية"، من خلال بيعها في السوق السوداء.

ويتم بيع بعض تلك الأسلحة بأسعار عالية جدا، ويصل سعر بعض البنادق إلى آلاف الدولارات، حسبما يوضح العقيد السابق في الجيش الإسرائيلي.

حوادث "فردية" أم "ممنهجة"؟

مسؤولو الجيش الإسرائيلي منزعجون من "سرقات الذخائر" ويشتبهون في أن الجنود والمدنيين الذين تمكنوا من الوصول إلى الذخيرة خلال حرب في غزة، سرقوا قنابل يدوية ورصاص وصواريخ مضادة للدبابات، بعضها كتذكارات والبعض الآخر لبيعها إلى المنظمات الإجرامية في إسرائيل، وفق تقرير لموقع "إسرائيل ناشونال نيوز".

والأسبوع الماضي، قبضت الشرطة الإسرائيلية على "مواطن عربي" من سكان القدس الشرقية كان بحوزته صاروخ محمول على الكتف من نوع ماتادور، والذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي غالبا.

وفي وقت سابق من الشهر، تم استخدام 15 قنبلة يدوية في حوادث إجرامية متتالية، وتم سرقة تلك القنابل في الأشهر الأخيرة من الجيش الإسرائيلي.

في ديسمبر 2023، قدم المدعي العام الإسرائيلي، لائحة اتهام ضد روي يفراح (35 عاما) من تل أبيب، بعد أن انتحل شخصية جندي وضابط شرطة وسرق سلاحا وذخيرة ومعدات عسكرية وشرطية في الجنوب، وفق تقرير لهيئة "البث الإسرائيلية".

وفقا للائحة الاتهام، التي تم تقديمها من خلال مكتب المدعي العام لمنطقة تل أبيب، فقد جاء المتهم لمنطقة القتال في الجنوب في 7 أكتوبر، وادعي كونه "خبير متفجرات عسكري، وجندي مقاتل في الوحدة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وضابط شرطة، وعضو بالشاباك"، في مواقف مختلفة.

وباستخدام هويته المزورة وحقيقة وجوده في منطقة المعركة، سُمح له بالحصول على الذخيرة والمعدات العسكرية ومعدات الشرطة، حسبما تشير "هيئة البث الإسرائيلية".

ومنذ اندلاع الحرب وحتى القبض عليه في 17 ديسمبر، سرق كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، بما في ذلك القنابل اليدوية والخراطيش والرصاص وغيرها، بحسب ما ذكرته "كان" وموقع " إسرائيل ناشونال نيوز".

وحاول موقع "الحرة" التواصل مع المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، لتوضيح "أسباب وتداعيات" تكرار سرقة الجنود للأسلحة، لكنه لم يعلق حتى تاريخ نشر هذه المادة.

ولم ترد نائبة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الضابطة إيلا، على الاتصلات والرسائل للتعليق على ذلك، وكذلك فعلت وحدة المتحدثين باسم الجيش الإسرائيلي.

ويرصد المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتيرن، تكرار لحوادث المتعلقة بسرقة جنود إسرائيليين لأسلحة تابعة للجيش الإسرائيلي.

ويتم ذلك من سرقات لمعسكرات الجيش أو من سرقة الجنود، وبعد ذلك يتم المتاجرة بتلك الأسلحة المسروقة، وسط "تقصير من قبل السلطات الإسرائيلية" في معالجة القضية، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويقول:" الموضوع ليس له علاقة بالمال، ما نراه ليس له علاقة بالوضع المادي، لكن نتيجة وجود (منظمات إجرامية في الوسط اليهودي والعربي بإسرائيل)".

ويعتبر المحلل السياسي الإسرائيلي أن "المجال الإجرامي هو أكبر مجال به تعايش يهودي عربي في إسرائيل، وتعاون تعاون مستمر وناجح بين الجانبين في إطار ذلك".

وما يحدث هو "بمبادرة شخصية من أفراد"، لكن ما الـ"ممنهج" هو عدم معالجة الجهات المختصة لهذه القضية، بعدما تم إضعاف سلطات حفظ القانون في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ما تسبب في تزايد ظاهرة "سرقة سلاح الجيش الإسرائيلي"، وفق شتيرن.

لكن على جانب أخر، يصف المحلل السياسي الإسرائيلي، مردخاي كيدار، حالات السرقة بـ"الظاهرة الفردية الشاذة".

وهناك بعض الجنود الذين "يعانوا من أوضاع اقتصادية سيئة"، ما يدفعهم لـ"سرقة الأسلحة"، لتحقيق مكاسب مالية، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير كيدار إلى أن "الجهات الأمنية المختصة تقبض على هؤلاء الجنود سريعا، والأمر ليس (منظما أو ممنهجا)".

ومن جانبه، يشير إلعاد إلى أن تكرار حوادث السرقة "ظاهرة خطيرة جدا".

لكن العقيد السابق بالجيش الإسرائيلي يشدد على أن حوادث سرقة الجنود للأسلحة "فردية وليست ممنهجة".

ويقول:"لا تقف وراء تلك السرقات منظمات أو مافيا".

هل تصل ليد حماس؟

يشير شتيرن إلى "وصول بعض أسلحة الجيش الإسرائيلي لجهات ومنظمات إرهابية على غرار حماس، بطريقة أو بأخرى".

وعادة ما تستخدم حماس أسلحة مختلفة عن تلك الإسرائيلية، لكن ذلك لا يعني أن هناك "أسلحة إسرائيلية بيد جماعات إرهابية في الضفة الغربية على سبيل المثال"، وفق شتيرن.

ويتحدث المحلل السياسي الإسرائيلي عن "علاقات وصلات" بين الجهات الإجرامية، "والمنظمات الإرهابية" التي تقوم بعمل عسكري منظم، من خلال "شبكات" ليست منفصلة عن بعضها البعض، على حد تعبيره.

ومن جانبه، يحذر إلعاد من إمكانية وصول تلك الأسلحة إلى "منظمات إرهابية أو إجرامية".

وسيكون لذلك "خطورة كبيرة على إسرائيل في الحالتين"، وفق العقيد السابق في الجيش الإسرائيلي.

وفي سياق متصل، يؤكد كيدار إمكانية وصول بعض الأسلحة الإسرائيلية المسروقة إلى "منظمات إرهابية مثل حماس".

ومن يشتري السلاح يمكن أن يبيعه لمن يشاء، ولكن "ليس بكميات كبيرة"، وفق المحلل السياسي الإسرائيلي.

واندلعت الحرب إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق على مناطق ومواقع محاذية لقطاع غزة في السابع من أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، ما أسفر عن مقتل 29410 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال، وإصابة 69465، وفق ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، الخميس.

داني ميران

لم يُثنه برد الشتاء ولا قيظ الصيف، يجلس داني ميران وسط تل أبيب، في خيمة صغيرة، نصبها سكان ناحال عوز ـ القرية الجنوبية ذاتها التي اختطف فيها مقاتلو حماس في 7 أكتوبر، ابنه، عمري.

مرّت شهور طويلة منذ ذلك اليوم الدامي، لكن بالنسبة لداني، تكثف الزمن في لحظة غياب مؤلمة:

لا قبر يزوره، ولا وداع يفاوض به نيران الفقد ـ لم يبق له غير صور عمري ذي الـ46 عاما، وهو زوج، وأب لفتاتين صغيرتين.

كانت "علما"، أصغر البنتين، في شهرها السادس، عندما اختُطف أبوها، يروي داني لموقع "الحرة".

اليوم، عندما تقول "بابا"، فهي تشير إلى صورة معلقة على حائط. 

لا تتذكر أنها أمسكت بيد والدها قط.

تروي لها الأسرة قصصا عن والدها الغائب ـ الحاضر. "بابا يحبك. بابا شجاع".

لكن الطفلة لا تعرف الرجل الذي تنتظر عودته.

"عمري خسر كل هذه الأيام، خسر أن يرى ابنته تكبر". يتحسر داني عندما يتحدث عن ابنه.

اما روني، الابنة الكبرى، فكانت تبلغ 26 شهرا في 7 أكتوبر. هي تفهم أكثر، وأحيانا تحدّث أمها عن "أشخاص شريرين خطفوا والدها".

يسكن عمري في نحال عوز منذ ثلاثة عشر عاما. ويوم 7 أكتوبر، فتح باب منزل لإنقاذ طفل أحد الجيران، فاختُطف من عائلته.

معبد انتظار

أضحت الساحة أمام متحف تل أبيب ساحة احتجاج، ومعبد انتظار لعودة المختطفين.

داخل خيمة داني، رسائل كثيرة مكتوبة بخط اليد ـ بالعبرية والعربية والإنكليزية ـ عُلّقت بجانب صور الرهائن. وتتكدس بقايا شموع على الأرض قرب أرجل الكراسي. لا موسيقى، همسات فحسب، وصوت أصابع الناشطين تضرب على لوحات مفاتيح أجهزة كمبيوتر.

ما أسهل أن يتحول الألم إلى كراهية. لكن ليس عند داني، الأب الذي لا يطلب أكثر من عودة ولده. هو يتحدث بإصرار عن السلام والحوار والتواصل. يقول: "العالم العربي هام بالنسبة لي،" ويرى أن من الضرورة أن يتوجه الحديث إلى العرب.

يقول عبر موقع "الحرة":

"حماس لا تمثل الإسلام. الإسلام ديانة متسامحة، وفي القرآن تم تحريم قتل النساء والأطفال وكبار السن والمرضى". 

ويتابع "في القرآن هناك وصايا مهمة، ولكن حماس قتلت الأطفال وكبار السن والنساء ومرضى ... وقاموا بذبح الأشخاص. في القرآن هناك أمور جميلة، ولذا فأنا لا أستطيع أن أفهم أولئك الذين يدعمون حماس وكأنهم هم مسلمون". 

"هذا غير إنساني، أن تحتض إرهابيين،" يقول.

يوم سقطت السماء على الأرض

شهد هجوم السابع من أكتوبر، الملقب بـ"السبت الأسود" في إسرائيل، مقتل أكثر من 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة. اخترق مقاتلو حماس الحدود بين غزة وإسرائيل في هجوم غير مسبوق، وصفه بعض المحللين بأنه "لحظة 11 سبتمبر" بالنسبة لإسرائيل. كان عمري من بين عشرات أخذهم مقاتلو حماس رهائن من قرية ناحال عوز.

ولا يزال 59 رهينة في غزة ـ 24 منهم فقط يُعتقد أنهم أحياء.

وردا على هجوم حماس، شنت إسرائيل هجوما على غزة، أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

رسالة في هاتف مهرب

يبعث داني رسائل في مقاطع مصورة من داخل الخيمة، على أمل أن تصل إلى عمري. يحلم أن يحظى ابنه بهاتف مُهرَّب، أن تصله كلمة عابرة من غريب طيّب. 

في أحد المقاطع المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، يتقطع صوته وهو يتحدث إلى ابنه عبر الكاميرا. يقول لابنه إنه وبقية أهالي الرهائن في الساحة. يقول إن وكل إسرائيل تقاتل لإعادة كل رهينة.

ما وراء الخيمة

قدّم داني التماسات لحكومات أجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة وقطر ومصر، للضغط على حماس. انتقد كثيرا ما يسميه "شلل الدبلوماسية"، وخاصة في دول يعتقد أنها "تتمتع بنفوذ وتختار الحياد".

في تصريحات كثيرة منذ اختطاف ابنه، عبر داني عن اعتقاد بأن السلام عطاء متبادل، وأن على إسرائيل أن تكون مستعدة للعطاء. يقول: "لسنا كاملين. لكن السلام يحتاج إلى تنازلات من الجانبين ـ وإلا، فهو مجرد حلم".

في أحد مقاطع الفيديو، يبتسم ابتسامة حزينة كأنه يعتذر: "لست هنا للجدال حول الحدود أو الأعلام. أنا هنا لأنني أفتقد ابني".

في يوليو 2024، زار داني الفاتيكان، وشارك البابا فرنسيس الراحل، لإيصالها إلى المسيحيين على نطاق أوسع.

قال: "بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت الشعوب الأوروبية أن الحروب لن تقودهم إلى أي مكان. لذلك، قرروا السعي لتحقيق السلام والازدهار بفتح الحدود، وكان هذا هو السبيل الوحيد للمضي قدما. أدعو من قلبي أن يأتي اليوم الذي يحدث فيه الشيء نفسه في منطقتنا: أن نفتح قلوبنا، وأن نفتح حدودنا، وأن نعيش بسلام في ما بيننا".

وقال في الفاتيكان بحضور حجاج كاثوليك:

"كيهودي، كمؤمن"، قال ميران، "أؤمن أيضا أنه أينما ذهبتُ في إطار الديانات التوحيدية الثلاث - اليهودية، والمسيحية، والإسلام - إذا دُعيتُ للصلاة، فسأنضم إليها لأن الإله واحد". 

لكن "ما حدث في السابع من أكتوبر كان مخالفا تماما لمعتقدات الديانات الإبراهيمية الثلاث"، أضاف.

ألبوم العائلة

في منزل العائلة، يمتلئ "ألبوم" بصور روني إلى جانب صور أبيها. أحيانا تتحدث إلى صوره كما تتحدث طفلة إلى دميتها. تتساءل: لماذا ليس لها أب مثل الأطفال الآخرين؟

في يوم من الأيام، يأمل داني أن ترى روني الرجل نفسه، أباها. لكنه إلى ذلك الحين، سيبقى في الخيمة، أبا وجدا يتمسك بالمستقبل بيدين راعشتين، وأمل كالماء لا ينكسر.