أهالي الرهائن يضغطون على نتانياهو لإعادة أبنائهم. أرشيفية
أهالي الرهائن يضغطون على نتانياهو لإعادة أبنائهم. أرشيفية

على مدار أشهر عقب هجمات السابع من أكتوبر، انتشر شعار بالعبرية في كل مكان تقريبًا في أنحاء إسرائيل، وكان بالفعل واقعًا ملموسًا بعد التصعيد غير المسبوق من حركة حماس، وكانت كلماته "معا سننتصر"، لكن مع استمرار الحرب، يبدو أن التوجهات المختلفة طغت مجددًا، لتظهر خلافات قوية داخل المجتمع الإسرائيلي.

على عكس ما كان عليه الوضع بعد الهجوم، حينما جنّب الجميع الخلافات وكان هناك هدف واحد هو الرد على حماس في غزة، تشهد المدن الإسرائيلية حاليًا مسيرات كبيرة تطالب برحيل رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، ومحاسبته والمقصّرين في مواجهة هجمات السابع من أكتوبر.

كما يشهد الائتلاف الحكومي تصدعا كبيرا، حيث قدّم الوزير في حكومة الحرب، بيني غانتس، الأحد، مقترحا إلى أمانة مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيق حكومية في هجمات السابع من أكتوبر والحرب اللاحقة بقطاع غزة، حسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

وسبق ذلك تهديد غانتس بالانسحاب من حكومة نتانياهو بحلول الثامن من يونيو، إذا لم يوضح الأخير بالتفصيل من يجب أن يحكم غزة بعد انتهاء الحرب الحالية، لكن يبدو أنه من غير المرجح أن يتم تبني الاقتراح من قبل الحكومة.

وتختلف رؤى غانتس ومعه ووزير الدفاع يوآف غالانت، مع نتانياهو بشأن الحرب، وبالطبع مع وزراء اليمين المتشدد في الحكومة، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، حيث طالب الأخير بـ"احتلال غزة وعودة المستوطنات الإسرائيلية هناك وتهجير السكان الفلسطينيين".

كيف تحوّلت الأمور؟

قال المحلل السياسي، يوآب شتيرن، في تصريحات هاتفية لموقع "الحرة"، إن هذا الانقسام في الشارع الإسرائيلي "بدأ بعدما أدركت عائلات المختطفين أن الحكومة ليست معنية بالدرجة الأولى بإعادة ذويهم، ولا تتعامل مع المسألة كأولوية".

وبدأت الحرب في قطاع غزة بعد هجوم غير مسبوق نفذته حركة حماس على الأراضي الإسرائيلية في السابع من أكتوبر، تسبب بمقتل أكثر من 1170 شخصا، معظمهم مدنيون، حسب تعداد لوكالة فرانس برس يستند إلى بيانات إسرائيلية رسمية.

واحتُجز خلال الهجوم 252 شخصا رهائن ونقلوا إلى غزة. وبعد هدنة في نوفمبر سمحت بالإفراج عن نحو 100 منهم، لا يزال حوالي 121 رهينة في القطاع، بينهم 37 توفوا، حسب الجيش.

وخلّف الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة ردا على حماس أكثر من 36 ألف قتيلا، معظمهم مدنيون، وفق وزارة الصحة في القطاع.

وأضاف شتيرن أن الخلاف تحول إلى "سياسي حزبي، فاليمين المتشدد له موقف وغانتس والمعارضة لهم موقف آخر، ثم ظهرت نقاط خلاف أخرى تتعلق بترتيبات اليوم التالي للحرب في غزة، وبديل حكم حماس، مما سبب الشرخ والانقسام الداخلي".

لكن أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية في القدس، مئير مصري، لديه وجهة نظر مختلفة، إذ رأى أنه "لا يوجد تحوّل في الداخل الإسرائيلي، وإنما عودة إلى خطوط ما قبل السابع من أكتوبر".

وأوضح مصري في تصريحات للحرة: "إسرائيل شأنها شأن أي مجتمع ديمقراطي تعددي في العالم، تشهد اختلافات في الرؤى وتباينات في وجهات النظر بخصوص أغلب القضايا".

اليمين المتشدد

ومع تهديد غانتس، ربما يخسر نتانياهو أقوى منافسيه السياسيين وكتلته الوسطية التي ساعدت في توسيع الدعم للحكومة في إسرائيل والخارج، وذلك على الرغم من أن رئيس الوزراء الأكثر بقاء في المنصب في تاريخ إسرائيل، سيظل محتفظا بالأغلبية في البرلمان بدعم من الأحزاب القومية المتشددة التي أغضبت الولايات المتحدة حتى قبل الحرب، وفق وكالة رويترز.

وقال المحلل السياسي، أموتز آسا إيل، للوكالة: "فيما يتعلق بالبرلمان، قد يستمر لبعض الوقت، وسيستمر. لكنه لن يدوم.. الحروب في أي مكان في الديمقراطيات تتطلب توافق الآراء، وتتطلب حكومة يتبعها التيار الاجتماعي الرئيسي، وأغلبية واضحة في النظام السياسي".

وأضاف الزميل الباحث في معهد "شالوم هارتمان" في القدس: "لن يحقق ذلك حكومة ضيقة، مثل تلك التي ستبقى لإسرائيل بعد رحيل غانتس".

والتقى، الأربعاء، 3 من زعماء أحزاب المعارضة الإسرائيلية، هم رئيس حزب "يوجد مستقبل" يائير لابيد، ورئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، ورئيس حزب "اليمين الوطني" جدعون ساعر، حسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل". واتفق السياسيون الثلاثة على ما سموه "خطة فعالة" لاستبدال نتانياهو، من أجل "مصلحة إسرائيل".

وأعلن المجتمعون عن تطلعهم لاستقالة حزب "المعسكر الوطني" الذي يتزعمه غانتس من الحكومة، والانضمام إلى جهودهم.

ورأى شتيرن في حديثه لموقع الحرة، أن الأيام المقبلة ستشهد "زيادة في التوتر السياسي بعد مهلة غانتس"، مضيفًا أن "انسحابه من الحكومة سيقلص عدد نواب الكنيست الداعمين لنتانياهو، وسنرى مزيدا من التوتر النابع عن هذا الانقسام في الرؤى حول أمور مثل غزة وهجوم السابع من أكتوبر".

كما أشار إلى صعوبة الوضع الحالي، قائلا: "الحكومة فاشلة وتتجه في المسار الخاطئ، ولو قرر نتانياهو تعديل مساره سيقوم اليمين المتشدد بحل الائتلاف الحكومي"، مضيفًا: "هذه الحكومة يجب أن تنتهي ولايتها".

غانتس قدم مطلبا جديدا
غانتس يزيد الضغط على نتانياهو.. ويطلب تشكيل لجنة تحقيق بأحداث 7 أكتوبر
قدم الوزير في حكومة الحرب الإسرائيلية، بيني غانتس، الأحد، اقتراحا إلى أمانة مجلس الوزراء بتشكيل لجنة تحقيق حكومية في هجمات السابع من أكتوبر والحرب اللاحقة بقطاع غزة، حسب ما ذكرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

واصطدمت الحكومة أيضًا بخلافات تمثلت في مشروع قانون جديد خاص بالتجنيد، حيث يصر شركاء نتانياهو المتشددون على استثناء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد الإجباري، في حين يرغب غالات وغانتس في خدمة عسكرية لا تفرق بين الإسرائيليين.

ونقلت رويترز عن محللين سياسيين، أن "عدم التوصل إلى اتفاق قد يؤدي إلى إسقاط الحكومة، في ظل حساسية القضية للإسرائيليين، والتي أصبحت أكثر حساسية أثناء حرب غزة".

ونقلت الوكالة عن أحد الوزراء، مشترطا عدم الكشف عن هويته، قوله إنه "لا يتوقع صمود الحكومة".

من جانبه، رأى مصري أن نتانياهو "ليس ميالاً إلى أقصى اليمين كما يُشاع، والمعارضة التي يواجهها كثيراً ما تأتي من اليمين، كما رأينا في واقعة الجندي مؤخراً. رئيس الوزراء يوائم بين رؤيته وأجندات حلفائه داخل الائتلاف، التي تتعارض في بعض الأحيان. لكن في نهاية المطاف، القرار يظل قرار الأغلبية، وتحكمه ضوابط قانونية واضحة".

وانتشر مقطع فيديو، الأحد، لجندي إسرائيلي ملثم دعا فيه إلى التمرد على وزير الدفاع غالانت، ورئيس الأركان، هرتسي هاليفي، مؤكدا أن هناك 100 ألف من المقاتلين الذين يرغبون في مواصلة القتال "حتى النصر"، مؤكدا أنه لن يتلقى أوامر إلا من رئيس الحكومة.

ورد نتانياهو على المقطع بالقول: "حذرت مرارا من مخاطر العصيان، وأرفض أي نوع من أنواع العصيان من أي جانب".

عزلة دولية

بعدما زار قادة دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، إسرائيل للتعبير عن تضامنهم بعد هجمات السابع من أكتوبر، لا تنفك أغلب الدول الغربية حاليا عن انتقاد إسرائيل وعمليتها العسكرية، خصوصا بعد قرار تنفيذ عمليات في مدينة رفح الحدودية مع مصر، أقصى جنوبي قطاع غزة.

وأعلن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، في 20 مايو الجاري، إنه يسعى إلى إصدار أوامر اعتقال بحق نتانياهو وغالانت.

وصرح خان بأنه يعتقد أن نتانياهو ووزير دفاعه، و3 من قادة حماس (زعيم الحركة في غزة يحيى السنوار، والقائد العسكري محمد الضيف، ورئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية)، "مسؤولون عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة وإسرائيل".

ورفض سياسيون إسرائيليون بمختلف أطيافهم، بيان المدعي العام للجنائية الدولية.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي، جو بايدن، إن الولايات المتحدة "لا تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وإنه لا يمكن المقارنة بين إسرائيل وحركة حماس".

لكن على سبيل المثال، وفي تحوّل واضح، أعلنت ألمانيا أنها ستلتزم بأي قرار من المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بأوامر الاعتقال، مما تسبب في انتقادات قوية من مسؤولين إسرائيليين لبرلين.

كما أثار الهجوم الإسرائيلي على رفح، المستمر منذ 3 أسابيع، غضبا وتنديدا من زعماء العالم، خاصة بعد الغارة الجوية، الأحد، التي أسفرت عن مقتل 45 شخصا على الأقل وإصابة أكثر من 200 آخرين في مخيم للنازحين.

وقال شتيرن للحرة، إن "مسار تطور الأمور الذي تسبب في الانقسام داخل إسرائيل، هو الذي أدى إلى رد الفعل الخارجي"، مشيرًا إلى "تشابه أطراف إقليمية ودولية مع موقف المعارضة في إسرائيل، حول تحركات الحكومة بشأن غزة".

لكن أستاذ العلوم السياسية بالجامعة العبرية، مصري، قال للحرة: "الغرب لم يكن في أي وقت داعماً لإسرائيل بشكل مطلق. هناك حرب فرضها محور إيران على إسرائيل، راح ضحيتها الكثيرون، وتبذل إسرائيل جهوداً كثيفة، وكثيراً ما تعرض جنودها للخطر، حتى تقلص من عدد الضحايا الفلسطينيين أثناء المواجهات".

وتابع: "لكن هذه طبيعة الحرب، والنهج الذي اختارت حماس أن تتبعه، يعرض المدنيين لخطر الموت قبل غيرهم".

واستطرد: "العمل على إيقاف الحرب شيء جيد، لكنه يتطلب الضغط على من أعلن الحرب لكي يستسلم، وليس الضغط على من تم إعلان الحرب عليه. على العالم أن يدرك أنه ليس لدى إسرائيل خيار آخر، وأن خنوعه أمام اليسار الراديكالي والجاليات الإسلامية المتنامية على أراضيه لا يخدم مصالحه ومستقبل العالم الحر".

من جانبه، قال الكاتب والفيلسوف الإسرائيلي، ميكا غودمان، لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، الشهر الماضي، إن "المعضلة التي تواجهها إسرائيل هي أنها تريد أن يحبها الغرب، لكن أيضًا ترغب في أن يهابها أعداؤها في الشرق الأوسط لضمان وجودها على المدى الطويل".

وِأضاف حينها: "إذا استولينا على رفح وخسرنا أميركا، سنكون قد خسرنا الحرب".

وكانت الولايات المتحدة قد حذرت إسرائيل من شن عملية عسكرية كبيرة في رفح، في ظل وجود أكثر من مليون شخص من النازحين والسكان بالمدينة، لكن حينها قال نتانياهو إنه بإمكانه تنفيذ العملية حتى في حال عدم موافقة واشنطن عليها، "من أجل القضاء على قدرات حماس واستعادة المختطفين".

يذكر أن إدارة بايدن عملت بشكل متواصل على إتمام اتفاق التطبيع بين إسرائيل والسعودية، وكان مسار حل الدولتين، بجانب صفقات بين واشنطن والرياض تتعلق بالبرنامج النووي السعودي السلمي ومبيعات أسلحة، جزءًا مهما من تلك المحاولات.

لكن باستمرار، عارض نتانياهو ووزراء اليمين المتشدد في إسرائيل فكرة حل الدولتين، ورفضوا أي دور فلسطيني من السلطة بقيادة محمود عباس، في إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة.

وحول هذه المسألة، قال شتيرن إن العلاقات مع الدول العربية التي تربطها علاقات مع إسرائيل "ستعود إلى مجراها الطبيعي بعد نهاية الحرب، وربما مع تغيير الحكومة الحالية التي من الصعب على دول الجوار التعامل معها".

وتابع: "الحكومة الحالية لا تستطيع أن تلبي تطلعات الدول الحليفة في المنطقة.. وليست معنية بتلك التطلعات بالأساس".

درجات الحرارة المرتفعة تفاقم أوضاع النازحين بقطاع غزة
درجات الحرارة المرتفعة تفاقم أوضاع النازحين بقطاع غزة

تشتد موجة الحر في مختلف أنحاء العالم وسط تحذيرات من عواقب خطيرة على حياة البشر. لكن الوضع يختلف في غزة  لأن أدنى مقومات الحياة باتت شبه مستحيلة، كما يعيش غالبية السكان في خيام لا تقيهم الحر.

وفي ظل ضعف الخدمات الصحية تزداد المخاطر الصحية والتي أطلقت منظمات دولية عدة تحذيرات عديدة بشأنها.

الحرارة المرتفعة وتفاقم المشاكل الصحية

وحذرت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، من أن درجات الحرارة المرتفعة في قطاع غزة قد تؤدي إلى تفاقم المشاكل الصحية التي يواجهها الفلسطينيون الذين نزحوا بسبب القصف الإسرائيلي والقتال العنيف مع مسلحي حركة حماس.

وحذر برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة من أن أزمة صحة عامة هائلة تلوح في الأفق في غزة بسبب نقص المياه النظيفة والغذاء والإمدادات الطبية.

وقال ريتشارد بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في غزة والضفة الغربية: "شهدنا نزوحا هائلا خلال الأسابيع والأشهر الماضية، ونعلم أن هذا المزيج (من الظروف) مع الحرارة يمكن أن يسبب زيادة في الأمراض".

وأضاف "لدينا تلوث المياه بسبب ارتفاع درجة حرارة المياه وسنشهد المزيد من تلف المواد الغذائية بسبب ارتفاع درجات الحرارة. وستنتشر حشرات البعوض والذباب والجفاف وضربات الشمس".

وتسبّبت الحرارة الشديدة في وفاة المئات على مستوى العالم مع بدء فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي.

وذكر بيبركورن أنه في غزة وبسبب سوء حالة المياه والصرف الصحي، ارتفع عدد حالات الإسهال 25 مرة عن المعتاد.

ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، ترتبط المياه الملوثة وسوء منظومة الصرف الصحي بأمراض مثل الكوليرا والإسهال والزحار (الدوسنتاريا) والتهاب الكبد الوبائي (إيه).

ولم تتمكن منظمة الصحة العالمية من تنفيذ عمليات إجلاء طبي من غزة منذ إغلاق معبر رفح، في أوائل مايو.

وصرح بيبركورن بأن ما يقدر بنحو 10 آلاف مريض ما زالوا بحاجة إلى الإجلاء الطبي من غزة، نصفهم يعاني من أمراض مرتبطة بالحرب.

وفي السياق ذاته، قالت منظمة "العمل ضد الجوع"، في 5 يونيو، إن قطاع غزة معرض لتفش غير مسبوق للأمراض هذا الصيف بسبب أكوام المخلفات التي يصيبها التعفن بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ما يزيد من مأساة السكان الذين يعانون بالفعل من نقص الغذاء.

وذكرت فينيا ديامانتي، منسّقة المشروع لحالات الطوارئ في المنظمة غير الحكومية لرويترز أن إدارة المخلفات أحد الاهتمامات الرئيسية للمنظمة، لأنه لا يمكن إزالتها من القطاع ولا يستطيع سكانه الوصول إلى مكبات النفايات.

وأكدت ديامانتي أن "هذه الكمية من المخلفات الصلبة في جميع أنحاء القطاع تسبب مشاكل عديدة تتعلق بالنظافة والصرف الصحي".

وأضافت "نخشى ظهور أمراض لم تظهر من قبل في القطاع وأن تؤثر على كل السكان وخاصة في فصل الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة".

وقالت خدمة كوبرنيكوس لمراقبة المناخ المدعومة من المفوضية الأوروبية إن مايو الماضي كان أدفأ شهر مايو على الإطلاق يشهده العالم، ليصبح الشهر الثاني عشر على التوالي الذي يسجل فيه متوسط ​​درجات الحرارة مستويات قياسية.

وارتفعت درجات الحرارة إلى 38 درجة مئوية في موجة حر اجتاحت غزة الصيف الماضي، ما تسبب في انقطاع الكهرباء 12 ساعة يوميا.

وتساعد منظمة "العمل ضد الجوع" أيضا في توزيع مياه الشرب على المطابخ الخيرية والأفراد، وتوزيع مكمّلات غذائية على الأطفال والمعرّضين لحالات ضعف في القطاع.

وقالت ديامانتي إن معدل سوء التغذية في غزة كان 0.8 بالمئة فقط قبل الحرب لكن الوضع تغير بشكل جذري، مشيرة إلى أنه رغم عدم توفر موارد لجمع البيانات اللازمة لتحديد ما إذا كانت هناك مجاعة، يموت أشخاص بالفعل من أمراض مرتبطة بسوء التغذية.

وأضافت "اضطررنا للتدخل للوقاية من سوء التغذية وعلاجه مع التركيز بشكل أساسي على الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات".

وأدت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى مقتل أكثر من 37400 فلسطيني في غزة، وفقا لوزارة الصحة في القطاع.

وشنت إسرائيل عملياتها بعد هجوم مباغت شنته حركة حماس على بلدات بجنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر، ما أسفر عن مقتل حوالي 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة، وفقا لإحصائيات إسرائيلية.

تعج رفح المتاخمة للحدود المصرية بأكثر من مليون فلسطيني فروا من مناطق أخرى بقطاع غزة خلال الحرب.

أزمة الحطام وتفاقم المخاطر الصحية

أكثر من ثمانية أشهر من القتال بين إسرائيل وحماس، أدت إلى تدمير المباني والبنية التحتية في جميع أنحاء غزة، ما خلّف ما يزيد عن 39 مليون طن من الحطام وتفاقم الأزمة الصحية هناك، وفقا لتقييمات للأثر البيئي للصراع، أصدرتها وكالات الأمم المتحدة.

Palestinians hold Eid al-Adha prayers by the ruins of al-Al Rahma mosque destroyed by Israeli air strikes, in Khan Younis, in the southern Gaza strip
وكالات أممية تدق ناقوس الخطر.. مخاطر بيئية تهدد سكان غزة
أدت أكثر من ثمانية أشهر من القتال بين إسرائيل وحماس إلى تدمير المباني والبنية التحتية في جميع أنحاء غزة، ما خلف أكثر من 39 مليون طن من الحطام وتفاقم الأزمة الصحية هناك، وفقًا لتقييمات للأثر البيئي للصراع، أصدرتها وكالات الأمم المتحدة.

وفي أحدث سلسلة من التقارير الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والتي توضح حجم الدمار في غزة والمخاطر الصحية التي تشكلها الحرب هناك، وجد برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن ملايين الأطنان من الأنقاض تحتوي على ذخائر غير منفجرة، والإسبستوس وغيرها من المواد الخطرة، وبل حتى رفات بشرية.

ووجدت هذه الوكالة الأممية، أن الحرب قد عطلت "جميع" أنظمة وخدمات الإدارة البيئية "تقريبا"، وخلقت مخاطر جديدة، وقالت إن جميع مصادر المياه في غزة تعطّلت، وكذلك مرافق معالجة مياه الصرف الصحي وآليات التخلص منها.

ويأتي هذا التقرير في أعقاب بيان نشرته الأسبوع الماضي، وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة "أونروا" ونشرته على وسائل التواصل الاجتماعي، جاء فيه أنه اعتبارا من أوائل يونيو، تراكم 330 ألف طن من النفايات في المناطق المأهولة بالسكان أو بالقرب منها في جميع أنحاء غزة، "مما يشكل كارثة بيئية وصحية". 

واتهمت "أونروا" الجيش الإسرائيلي بعرقلة جهودها لمعالجة المخاطر البيئية والصحية في غزة. 

وأشارت الوكالة إلى عدم إمكانية الوصول إلى الوقود، ما يؤدي إلى تفاقم مشاكل الصرف الصحي، وقالت إن الجيش الإسرائيلي منع وصولها إلى مدافن النفايات في وقت تم فيه تدمير العديد من مراكز الصرف الصحي والآلات وشاحنات القمامة.

ودُمر الصراع القطاع الصحي في غزة وأدانت دول كثيرة الإجراءات الإسرائيلية في اجتماع لمنظمة الصحة العالمية في 29 مايو.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن 14 مستشفى فقط من بين 36 مستشفى في غزة ما زال قادرا على العمل وإن عملية رفح تعرقل نقل المرضى وقطعت تدفق الإمدادات الطبية للقطاع.

وفي الأسبوع الماضي أيضا، أفاد مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية أن حوالي 65 بالمئة من إجمالي شبكة الطرق في غزة قد تضرر حتى الشهر الماضي.

وقال التقرير إن انهيار أنظمة ومرافق الصرف الصحي ومياه الصرف الصحي والنفايات الصلبة كانت له آثار كبيرة على البيئة والناس. 

ولاحظ المركز زيادة في معدلات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال بين الأطفال دون سن الخامسة والجرب والقمل واليرقان التي أبلغت عنها منظمة الصحة العالمية منذ بداية الصراع.

أفاد سكان غزة والجماعات الإنسانية العاملة في القطاع عن تقنين إمدادات المياه، ما أجبر الناس على "التخلي عن احتياجات النظافة الشخصية والصرف الصحي" واستخدام مصادر مياه بديلة للشرب، بما في ذلك الآبار الزراعية ذات المياه المالحة، مما يعرضهم للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية الأخرى، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" نشرته الأربعاء.

وقالت الأمم المتحدة، الاثنين، إن ما يزيد من الصعوبات، العراقيل التي تواجهها الوكالات الإنسانية، مؤكدة أن غزة أصبحت أخطر مكان في العالم بالنسبة لعمال الإغاثة، مشيرة إلى أن 250 شخصا على الأقل قتلوا في غزة منذ الهجوم الذي قادته حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، بما في ذلك ما يقرب من 200 شخص يعملون لدى "أونروا".

موجة الحر تفاقم الوضع الصحي في غزة.

فساد البضائع على الحدود تحت لهيب الشمس

وذكرت وكالة "رويترز"، في ٢٤ مايو، أن العطب أصاب بعض الإمدادات الغذائية المتوقفة في مصر بانتظار الدخول إلى غزة لأن معبر رفح الحدودي لا يزال مغلقا للأسبوع الثالث في الوقت الذي تتفاقم فيه حدة الجوع في القطاع.

وقال السائق محمود حسين إن البضائع محملة على شاحنته منذ شهر وبدأت تفسد تدريجيا تحت أشعة الشمس، فتم التخلص من بعض المواد الغذائية وبيع بعضها بسعر زهيد.

وأضاف وهو يجلس محتميا بظل الشاحنة "تفاح وموز وفراخ وجبنة، في حاجات باظت (فسدت) كتير، وفي حاجات بتتباع بربع ثمنها، وفي حاجات رجعت سوق العبور بتتباع بربع ثمنها لأن خلاص الصلاحية على الانتهاء، وفي اللي باظ بيترمي".

وأضاف "يعني البصل إللي إحنا محملينه ده آخره، آسف في الكلمة، إن البهايم تاكله من الدود إللي عليه".

وقال عبد الله الربيعة المشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، وهو مؤسسة خيرية تمولها السعودية، إن للمركز أكثر من 350 شاحنة محملة بمواد من بينها الغذاء والإمدادات الطبية تنتظر المرور عبر رفح، لكنها اضطرت إلى تفريغ الطحين (الدقيق) مخافة تعفنه.

وقال لرويترز إنهم يشحنون المساعدات ويرسلونها ويتعين عليهم المتابعة واصفا هذا بأنه عبء كبير.

وفي داخل غزة، ثارت مخاوف أيضا من جودة الأغذية التي سُلمت بعد فترات انتظار ومرت قبل إغلاق معبر رفح أو عبر المعابر الأخرى.

وقال إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب الإعلامي الحكومي الذي تديره حماس في غزة، إن المسؤولين الطبيين ومسؤولي الشرطة الفلسطينية الذين اعتادوا فحص البضائع القادمة إلى غزة لم يتمكنوا من القيام بذلك أثناء الهجوم الإسرائيلي.

وأضاف "هناك مشكلة كبيرة أن العديد من البضائع التي تدخل إلى قطاع غزة غير صالحة للاستخدام الآدمي وهي غير صحية... لذلك قامت وزارة الصحة بإصدار هذا التحذير بهدف توعية المواطنين إلى ضرورة فحص البضائع أو المواد قبل أكلها و(توزيعها على) أفراد العائلة".

غزة معرضة لخطر الأمراض هذا الصيف بسبب تراكم المخلفات.

النازحون في رفح يكابدون ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الحشرات

وأدى الهجوم الإسرائيلي على مدينة رفح في جنوب قطاع غزة منذ أوائل مايو إلى نزوح أكثر من 1,2 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان قطاع غزة، سبق أن فر كثيرون منهم عدة مرات بالفعل هربا من العنف.

ووجد كثيرون منهم أنفسهم مضطرين للعيش في مناطق جرداء أو في مبان هدمها القصف جزئيا ولا تتوافر بها مرافق المياه والصرف، بحسب الأمم المتحدة.

وتحذر وكالات الإغاثة من تزايد المخاطر الصحية الناجمة عن طفح شبكة مياه الصرف الصحي وعدم توافر المراحيض. ويقول عمال إغاثة إن بعض الأسر تصنع مراحيض مؤقتة، وفي مناطق أخرى تتدفق مياه الصرف الصحي في الشوارع.

وتقول ميرفت عليان النازحة في رفح جنوب قطاع غزة لوكالة "فرانس برس" إن أطفالها أصيبوا بالتهاب الكبد الوبائي جراء تراكم القمامة وارتفاع درجات الحرارة وانتشار الحشرات في المدينة التي يتكدس فيها نحو 1,5 مليون شخص معظمهم نازحون جراء الحرب. 

وحوّل ارتفاع درجات الحرارة خيام النازحين المصنوعة من الأقمشة والأغطية البلاستيكية إلى أفران شديدة الحرارة. 

وتقول ميرفت النازحة من حي الشيخ رضوان في شمال القطاع "نحن 10 أشخاص في خيمة واحدة، الخيمة من النايلون والشمس حارقة فكيف نعيش داخلها؟". 

وتضيف "كل عملنا اليومي من طهي وعجن وغسيل داخل الخيمة ... نسكب على أنفسنا الماء من شدة الحرارة".

وتشكو ميرفت حال طفلها الرضيع وتقول "يصبح وجهه ساخنا. عند دخول الشمس واشتداد الحرارة يدخل في غيبوبة... وأنا مريضة سرطان". 

بين الخيام الحارة وداخلها يمكن ملاحظة وسماع طنين أسراب البعوض وغيرها من الحشرات باستمرار. 

أما رنين العريان فتشكو اضطرارها إلى شرب المياه الساخنة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة على نحو غير معهود هذا الصيف.

وتقول الأم لخمسة أطفال "حتى الماء التي نشربها ساخنة جدا من شدة الحر والحرارة داخل الخيام". 

وتشير النازحة من خان يونس وهي تحمل طفلا غطت لدغات الحشرات وجهه "وجه طفلي تغطيه (لدغات) البعوض". 

وعلاء صالح يقول إنه غير قادر على التعرف على أنواع الحشرات المنتشرة.

ويضيف "هناك حشرات كثيرة ... حشرات لا نعرفها، نراها لأول مرة بسبب التلوث والقمامة الملقاة في كل مكان". 

ويخشى صالح الذي يصحو من نومه بسبب "لدغات البعوض والذباب" أن يؤدي انتشار القمامة إلى "نقل الأمراض والأوبئة بين الناس خصوصا بعد انتشار مرض الكبد الوبائي". 

نزحت حنان صابر (41 عاما) إلى رفح حيث تعيش اليوم في "جحيم" على حد تعبيرها. 

وتقول بينما يغطي أزيز الطائرات المسيرة الإسرائيلية على صوتها "أنا مرهقة من الحر، بالإضافة إلى البعوض والذباب في كل مكان يزعجنا ليلا نهارا". 

ويتذمر سامي الطويل الذي نزح إلى رفح من حي الشيخ رمضان من غياب "الكهرباء والمراوح ومن البعوض المنتشر كأنه آلة للانتقام".

ويضيف "أعمل في رفح منذ 20 عاما، لم أر في حياتي مثل هذا الذباب الغريب". 

النازحون في رفح يكابدون ارتفاع درجات الحرارة وانتشار الحشرات

حذرت منظمة الصحة العالمية في يناير من ارتفاع كبير في حالات الأمراض المعدية مثل التهاب الكبد الوبائي أ الذي تسببت به الظروف غير الصحية في المخيمات. 

وفي تصريح لها عبر منصة إكس قالت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) الأسبوع الماضي "لا تزال النفايات تتراكم والمياه الجارية شحيحة". 

وأضافت "كلما صار الطقس أكثر دفئا، يزداد خطر انتشار الأمراض". 

ووسط هذا، تتراكم القمامة في الشوارع في ظل انهيار الخدمات الأساسية. 

و أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن الحرب دمرت "مركبات جمع النفايات والمرافق ومراكز معالجة النفايات الطبية" تاركة "البلديات تكابد للتعامل مع الأزمة المتصاعدة".