This handout picture released by the Israeli army on May 31, 2024 shows Israeli soldiers during operations in the Gaza Strip…
أغلب التحقيقات الإسرائيلية لم تنته لنتائج دقيقة

منذ بداية حربها في غزة، تعهدت إسرائيل بالتحقيق في سلسلة من الخروقات التي يُشتبه في أن عناصر من قواتها العسكرية ارتكبوها خلال المعارك.

وجاء هذا الالتزام لمواجهة اتهامات متزايدة، سواء من منظمات حقوق الإنسان، أوالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يشتبه في أن يكون القادة الإسرائيلون يرتكبون جرائم حرب في غزة.

أبرز تلك القضايا، الهجوم على قافلة المنظمة الخيرية "مطبخ العالم المركزي"، والذي أسفر عن مقتل خمسة عمال إغاثة أجانب.

ونشر الجيش الإسرائيلي بسرعة نتائج التحقيق، معترفا بسوء تصرف قواته وأقال جنديين إثر ذلك، "لكن هناك تحقيقات أخرى مفتوحة، الاعتراف بالذنب فيها ربما قد يكون بعيد المنال"، وفقا لتقرير نشرته وكالة أسوشيتد برس الأحد، تحت عنوان "الجيش الإسرائيلي يقول إنه يحقق مع نفسه. أين وصلت تلك التحقيقات؟".

وكانت المدعية العامة العسكرية لإسرائيل، ييفات تومر-يروشالمي، قد قالت هذا الأسبوع إن الجيش يحقق في حوالي 70 حالة من الحالات المزعومة لسوء التصرف. لكنها قدمت تفاصيل قليلة. 

ورفض الجيش الكشف عن القائمة الكاملة للتحقيقات وأخبر وكالة أسوشيتد برس أنه يمكنه فقط الرد على الاستفسارات حول تحقيقات محددة.

التحقيقات القليلة التي تم الإعلان عنها:

الهجوم على مخيم  في رفح

كشفت إسرائيل، الثلاثاء الماضي، عن النتائج الأولية للتحقيق الذي باشرته إثر الهجوم على مخيم للاجئين في رفح، والذي أوقع 45 قتيلا كلهم من النساء والأطفال، وفقا لوزارة الصحة في غزة.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هاغاري، إن التحقيق الأولي وجد أن الذخيرة الإسرائيلية المستخدمة في ذلك اليوم في محاولة القضاء على اثنين من مقاتلي حماس كانت صغيرة جدا لتكون مصدر الحريق الذي اندلع وأودى بحياة المدنيين.

وقال هاغاري إن الدمار قد يكون ناتجا عن انفجارات ثانوية، ربما من أسلحة المقاتلين الفلسطينيين في المنطقة.

ولم ترد حماس على هذا التبرير، لكن أحد أعضاء مكتبها السياسي علق الثلاثاء قائلاً إن إسرائيل "تعتقد أنها تخدع العالم بادعائها الكاذب بأنها لم تكن تنوي قتل وحرق الأطفال والنساء، وادعائها بالتحقيق في جرائمها".

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن التحقيق تم تحويله إلى مجموعة لتقصي الحقائق تعمل بشكل مستقل خارج سلسلة القيادة العسكرية. 

ويقول الجيش إن هذه النتائج ستسلم بعد ذلك إلى المدعي العسكري العام، الذي يقرر ما إذا كان يجب اتخاذ إجراءات تأديبية. 

وليس من الواضح كم سيستغرق التحقيق.

في غضون ذلك، قال أربعة خبراء في الأسلحة إن الجيش الإسرائيلي استخدم قنبلة دقيقة -أميركية الصنع- في تلك الغارة، وذلك بعد مراجعة الأدلة البصرية، وفق صحيفة واشنطن بوست.

وتم العثور على شظايا من SDB GBU-39، وهي ذخيرة دقيقة صغيرة القطر تزن 250 رطلاً، بالقرب من موقع الغارة على المخيم في رفح.

مقتل عشرات المدنيين حول القافلة  الإنسانية

في فبراير الماضي، قال شهود عيان إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على حشد من الفلسطينيين كانوا ينتظرون المساعدة في مدينة غزة. 

وقُتل خلال تلك الحادثة ما لا يقل عن 104 مدنيين وأصيب 760 آخرين، وفقًا لوزارة الصحة في غزة، التي وصفتها بأنها مجزرة.

وقال المسؤولون العسكريون الإسرائيليون في البداية إن عشرات الفلسطينيين قُتلوا في تدافع عندما حاولت حشود ضخمة انتزاع الإمدادات من قافلة مؤلفة من 30 شاحنة عسكرية تحمل الطحين باتجاه شمال غزة. 

لكن التحقيق الأولي للجيش، الذي صدر بعد أسبوع، تراجع عن ذلك، قائلاً فقط إن التدافع تسبب في "أحداث ألحقت أضرارًا كبيرة بالمدنيين".

ووجد التحقيق أن الجنود أطلقوا النار فعلا، لكنه قال إن الجنود ألقوا النار على بعض الذين اقتربوا منهم "وشكلوا تهديدًا لهم" وإن دبابة أطلقت أيضًا طلقات تحذيرية لتفريق "المشتبه بهم". وفق تقرير سابق لموقع "فيرال نيوز".

وقال الجيش أيضا إن تلك القضية تخضع لتحقيق من قبل مجموعة لتقصي الحقائق.

انفجار مستشفى الأهلي 

في أكتوبر 2023، أدى انفجار في ساحة مستشفى الأهلي، حيث لجأ آلاف الفلسطينيين طلبًا للمأوى أو العلاج الطبي، إلى إشعال حريق أودى بحياة مدنيين من رجال ونساء أطفال. ولا تزال هناك ادعاءات متضاربة حول ما حدث.

وقال المسؤولون في غزة إن غارة جوية إسرائيلية أصابت المستشفى، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 500 شخص. 

وأشعلت صور الحادث احتجاجات في جميع أنحاء المنطقة.

في المقابل، قال المسؤولون الإسرائيليون إنهم أجروا تحقيقًا وخلصوا إلى أن جيشهم لم يكن متورطا. ونشروا فيديوهات قالوا إنها أظهرت أن الانفجار نجم عن صاروخ أخطأ هدفه أطلقته حركة الجهاد الإسلامي، وهي مجموعة مسلحة فلسطينية أخرى.

ونفت حركة الجهاد الإسلامي المسؤولية.

وخلص تحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس، إلى جانب تقييمات استخباراتية أميركية وفرنسية، إلى أن صاروخا أخطأ هدفه كان على الأرجح سبب الانفجار.

إطلاق النار على رجل فلسطيني أثناء سيره 

في يناير 2024، أعلنت الحكومة الإسرائيلية أنها تحقق في مقتل رجل فلسطيني أصيب بالرصاص أثناء سيره مع أربعة آخرين.

وأظهرت لقطات مصورة أحد الرجال يحمل علمًا أبيض - الرمز الدولي للسلام - وآخرين خلفه يرفعون أيديهم في الهواء. ثم يتراجعون للخلف بينما تُسمع عدة طلقات.

في مقطع ثانٍ، يظهر أحد الرجال وهو ملقى على الأرض. بينما لم يظهر مطلق الرصاص في الفيديو.

وقال أحمد حجازي، وهو صحفي-مواطن صور الحادث، لوكالة أسوشيتد برس إن دبابة إسرائيلية أطلقت النار على المجموعة.

وقال الجيش إنه أجرى تحقيقًا معمقًا ووجد أن الدبابة لم تطلق النار، كما قال إنه "لا يمكن تحديد بشكل مؤكد" ما إذا كان الرجل قد قتل بنيران إسرائيلية أم لا.

مقتل أربعة فلسطينيين على طريق ترابي

في 22 مارس الماضي، أطلق الجيش الإسرائيلي تحقيقًا بعد ظهور لقطات تُظهر قصفًا لخمسة فلسطينيين بالقرب من مدينة خان يونس الجنوبية في غزة.

وأظهرت لقطات جوية انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أربعة رجال كانوا يسيرون على طريق ترابي قبل أن يتم استهدافهم. وحاول رجل الفرار قبل أن يُصاب ويُقتل. 

تعليقا على ذلك، قال الجيش إن التحقيق تم تحويله إلى مجموعة لتقصي الحقائق المستقلة.

وفاة جراح غزة في سجن إسرائيلي

توفي الجراح الشهير في غزة عدنان البرش في سجن إسرائيلي بعد أن تم اعتقاله في مداهمة على مستشفى العودة في منتصف أبريل، وفقًا للأمم المتحدة.

وكان البرش رئيس قسم جراحة العظام في مستشفى الشفاء، في وقت اعتقاله في ديسمبر، وكان في صحة جيدة ويجري عمليات على المرضى، حسبما ذكرت الأمم المتحدة.

لكن أولئك الذين شاهدوا البرش في الاحتجاز أفادوا بأنه بدا منهكًا ويحمل علامات عنف، وفقًا لمنظمة "أطباء لحقوق الإنسان-إسرائيل". 

لم ترد القوات الإسرائيلية والشرطة على طلبات التعليق أرسلتها وكالة أسوشيتد برس.

يذكر أن زوجة البرش، قدمت طلبا لمحكمة في القدس لتعيين قاضٍ للتحقيق في وفاة زوجها، وفق صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.

وكان معتقلون فلسطينيون عادوا من الاحتجاز الإسرائيلي أفادوا بتعرضهم للضرب والاستجوابات القاسية والإهمال أثناء احتجازهم. 

ونفت إسرائيل هذه التقارير، بينما تم نقل البرش إلى سجن عوفر العسكري في الضفة الغربية، حيث توفي.

وقالت الشرطة الإسرائيلية إنها ستجري تشريحًا لجثة البرش بحضور طبيب من منظمة أطباء لحقوق الإنسان-إسرائيل، مشيرة إلى أنها قدمت التماسًا نيابة عن عائلة البرش. 

وليس من الواضح متى سيتم إجراء التشريح.

ولم تصدر السلطات أي معلومات عن سبب الوفاة بعد، وليس من الواضح من يُجري التحقيق. 

داني ميران

لم يُثنه برد الشتاء ولا قيظ الصيف، يجلس داني ميران وسط تل أبيب، في خيمة صغيرة، نصبها سكان ناحال عوز ـ القرية الجنوبية ذاتها التي اختطف فيها مقاتلو حماس في 7 أكتوبر، ابنه، عمري.

مرّت شهور طويلة منذ ذلك اليوم الدامي، لكن بالنسبة لداني، تكثف الزمن في لحظة غياب مؤلمة:

لا قبر يزوره، ولا وداع يفاوض به نيران الفقد ـ لم يبق له غير صور عمري ذي الـ46 عاما، وهو زوج، وأب لفتاتين صغيرتين.

كانت "علما"، أصغر البنتين، في شهرها السادس، عندما اختُطف أبوها، يروي داني لموقع "الحرة".

اليوم، عندما تقول "بابا"، فهي تشير إلى صورة معلقة على حائط. 

لا تتذكر أنها أمسكت بيد والدها قط.

تروي لها الأسرة قصصا عن والدها الغائب ـ الحاضر. "بابا يحبك. بابا شجاع".

لكن الطفلة لا تعرف الرجل الذي تنتظر عودته.

"عمري خسر كل هذه الأيام، خسر أن يرى ابنته تكبر". يتحسر داني عندما يتحدث عن ابنه.

اما روني، الابنة الكبرى، فكانت تبلغ 26 شهرا في 7 أكتوبر. هي تفهم أكثر، وأحيانا تحدّث أمها عن "أشخاص شريرين خطفوا والدها".

يسكن عمري في نحال عوز منذ ثلاثة عشر عاما. ويوم 7 أكتوبر، فتح باب منزل لإنقاذ طفل أحد الجيران، فاختُطف من عائلته.

معبد انتظار

أضحت الساحة أمام متحف تل أبيب ساحة احتجاج، ومعبد انتظار لعودة المختطفين.

داخل خيمة داني، رسائل كثيرة مكتوبة بخط اليد ـ بالعبرية والعربية والإنكليزية ـ عُلّقت بجانب صور الرهائن. وتتكدس بقايا شموع على الأرض قرب أرجل الكراسي. لا موسيقى، همسات فحسب، وصوت أصابع الناشطين تضرب على لوحات مفاتيح أجهزة كمبيوتر.

ما أسهل أن يتحول الألم إلى كراهية. لكن ليس عند داني، الأب الذي لا يطلب أكثر من عودة ولده. هو يتحدث بإصرار عن السلام والحوار والتواصل. يقول: "العالم العربي هام بالنسبة لي،" ويرى أن من الضرورة أن يتوجه الحديث إلى العرب.

يقول عبر موقع "الحرة":

"حماس لا تمثل الإسلام. الإسلام ديانة متسامحة، وفي القرآن تم تحريم قتل النساء والأطفال وكبار السن والمرضى". 

ويتابع "في القرآن هناك وصايا مهمة، ولكن حماس قتلت الأطفال وكبار السن والنساء ومرضى ... وقاموا بذبح الأشخاص. في القرآن هناك أمور جميلة، ولذا فأنا لا أستطيع أن أفهم أولئك الذين يدعمون حماس وكأنهم هم مسلمون". 

"هذا غير إنساني، أن تحتض إرهابيين،" يقول.

يوم سقطت السماء على الأرض

شهد هجوم السابع من أكتوبر، الملقب بـ"السبت الأسود" في إسرائيل، مقتل أكثر من 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة. اخترق مقاتلو حماس الحدود بين غزة وإسرائيل في هجوم غير مسبوق، وصفه بعض المحللين بأنه "لحظة 11 سبتمبر" بالنسبة لإسرائيل. كان عمري من بين عشرات أخذهم مقاتلو حماس رهائن من قرية ناحال عوز.

ولا يزال 59 رهينة في غزة ـ 24 منهم فقط يُعتقد أنهم أحياء.

وردا على هجوم حماس، شنت إسرائيل هجوما على غزة، أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

رسالة في هاتف مهرب

يبعث داني رسائل في مقاطع مصورة من داخل الخيمة، على أمل أن تصل إلى عمري. يحلم أن يحظى ابنه بهاتف مُهرَّب، أن تصله كلمة عابرة من غريب طيّب. 

في أحد المقاطع المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، يتقطع صوته وهو يتحدث إلى ابنه عبر الكاميرا. يقول لابنه إنه وبقية أهالي الرهائن في الساحة. يقول إن وكل إسرائيل تقاتل لإعادة كل رهينة.

ما وراء الخيمة

قدّم داني التماسات لحكومات أجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة وقطر ومصر، للضغط على حماس. انتقد كثيرا ما يسميه "شلل الدبلوماسية"، وخاصة في دول يعتقد أنها "تتمتع بنفوذ وتختار الحياد".

في تصريحات كثيرة منذ اختطاف ابنه، عبر داني عن اعتقاد بأن السلام عطاء متبادل، وأن على إسرائيل أن تكون مستعدة للعطاء. يقول: "لسنا كاملين. لكن السلام يحتاج إلى تنازلات من الجانبين ـ وإلا، فهو مجرد حلم".

في أحد مقاطع الفيديو، يبتسم ابتسامة حزينة كأنه يعتذر: "لست هنا للجدال حول الحدود أو الأعلام. أنا هنا لأنني أفتقد ابني".

في يوليو 2024، زار داني الفاتيكان، وشارك البابا فرنسيس الراحل، لإيصالها إلى المسيحيين على نطاق أوسع.

قال: "بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت الشعوب الأوروبية أن الحروب لن تقودهم إلى أي مكان. لذلك، قرروا السعي لتحقيق السلام والازدهار بفتح الحدود، وكان هذا هو السبيل الوحيد للمضي قدما. أدعو من قلبي أن يأتي اليوم الذي يحدث فيه الشيء نفسه في منطقتنا: أن نفتح قلوبنا، وأن نفتح حدودنا، وأن نعيش بسلام في ما بيننا".

وقال في الفاتيكان بحضور حجاج كاثوليك:

"كيهودي، كمؤمن"، قال ميران، "أؤمن أيضا أنه أينما ذهبتُ في إطار الديانات التوحيدية الثلاث - اليهودية، والمسيحية، والإسلام - إذا دُعيتُ للصلاة، فسأنضم إليها لأن الإله واحد". 

لكن "ما حدث في السابع من أكتوبر كان مخالفا تماما لمعتقدات الديانات الإبراهيمية الثلاث"، أضاف.

ألبوم العائلة

في منزل العائلة، يمتلئ "ألبوم" بصور روني إلى جانب صور أبيها. أحيانا تتحدث إلى صوره كما تتحدث طفلة إلى دميتها. تتساءل: لماذا ليس لها أب مثل الأطفال الآخرين؟

في يوم من الأيام، يأمل داني أن ترى روني الرجل نفسه، أباها. لكنه إلى ذلك الحين، سيبقى في الخيمة، أبا وجدا يتمسك بالمستقبل بيدين راعشتين، وأمل كالماء لا ينكسر.