الفلسطينيون المفرج عنهم من السجون الإسرائيلية يعودون لغزة
الفلسطينيون المفرج عنهم من السجون الإسرائيلية يعودون لغزة

شهدت إسرائيل، الاثنين، حالة من الجدل السياسي بعد تراشق وتبادل اتهامات بين الحكومة والمؤسسة الأمنية على خلفية إطلاق سراح عشرات الفلسطينيين من السجون الإسرائيلية.

وقال جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" في بيان، الاثنين، إنه تكلف إلى جانب الجيش الإسرائيلي "بإطلاق سراح عشرات السجناء من أجل توفير أماكن في معتقل سدي تيمان"، المخصص لاحتجاز المعتقلين لفترات قصيرة.

وأضاف الجهاز في البيان أنه "نظرا للحاجة الوطنية التي حددها مجلس الأمن القومي فقد تقرر إطلاق سراح عدد من المعتقلين من غزة الذي يشكلون خطرا أقل، بعد تقييم واسع للمخاطر بين جميع المعتقلين".

وعقب تلك الخطوة تبادل وزراء ومسؤولون أمنيون بارزون اللوم، وحاولوا تجنب المسؤولية، وفقا لما ذكرته صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

وقال رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، إن المحكمة العليا تتحمل المسؤولية جزئيا على الأقل، فيما قال زعماء المعارضة إن الحكومة "فشلت" في مهمتها بالحفاظ على الأمن.

وقال مكتب وزير الدفاع، يوآف غالانت، من جانبه، إن "سلطة حبس السجناء الأمنيين وإطلاق سراحهم تابعة للشاباك ومصلحة السجون الإسرائيلية، ولا تخضع لموافقة وزير الدفاع".

وبعد هذه العملية، طالب وزير الأمن القومي المتشدد، إيتمار بن غفير، بإقالة مدير "الشاباك"، رونين بار، معتبرا ذلك بأنه "تهور أمني".

في المقابل، قال "الشاباك" إنه كان يحذر منذ عام من عدم وجود عنابر كافية لاحتجاز المشتبه بهم، وأن بن غفير ومسؤولين آخرين في الحكومة تجاهلوا تلك التحذيرات.

"أهداف سياسية"

المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتيرن، يرى أن كل "خطوة طبيعية" في إسرائيل "تتحول لنقطة خلافات سياسية"، مضيفا في حديثه لموقع "الحرة" أن "كل طرف سياسي يريد استغلال ما يحدث لتحقيق أهدافه".

وقال شتيرن إن "السجون مكتظة بالمعتقلين (الفلسطينيين) ويجب تفريغها؛ بحيث يتم إطلاق سراح كل من ليس له صلة بحركة حماس وهجمات السابع من أكتوبر".

وبحسب منظمة "هموكيد" الإسرائيلية الحقوقية، فإن عدد السجناء "الأمنيين" في السجون الإسرائيلية بلغ 9623 شخصا حتى الأول من يوليو 2024. 

وأوضح شتيرن أن هذه المهمة من صميم عمل جهاز الأمن العام (الشاباك) لتحديد من يجب أن يبقى في السجن، ومن يتم الإفراج عنه والعودة لقطاع غزة.

وتابع: "الحكومة تتهم المستويات الأمنية.. والمعارضة تتهم الحكومة، واليمين يلقي اللوم على الجيش والمؤسسة الأمنية.. هذا ليس جديدا؛ فكل طرف يريد أن يستغل ذلك لإثبات موقفه".

من جهته، يعتقد الحقوقي والمحلل السياسي الفلسطيني، أشرف العكة، أن "الضجة والخلاف بين المستويات السياسية والأمنية في إسرائيل" تعكس ما اعتبره "انقلابا من العسكر على الائتلاف الحاكم".

وقال العكة لموقع "الحرة" إن "التفاعلات الداخلية في إسرائيل (بشأن هذه القضية) ومحاولة جميع الأطراف بالتنصل من المسؤولية تعكس رغبة المؤسسة الأمنية والعسكرية بفرض رؤيتها على نتانياهو والائتلاف الحاكم".

ويوضح ذلك قائلا: "نتانياهو يريد إدارة الحرب بالطريقة التي يراها مناسبة بما يخدم مصالحه السياسية ومصالح ائتلافه، بعيدا عن رؤية الجيش الذي يعتبر أنه حقق إنجازات تكتيكية، ولكنها مهمة في سياق تعزيز صورة النصر التي تحتاجها الدولة الإسرائيلية لإظهار أنها استطاعت الحد من قدرات حماس العسكرية".

واندلعت الحرب بعد هجوم غير مسبوق لحماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر، بدأ على أثرها الجيش الإسرائيلي حملة قصف مركّز ألحقها بهجوم بري واسع النطاق على قطاع غزة.

وأسفرت هجمات حماس عن مقتل 1195 شخصا معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، بحسب حصيلة لفرانس برس تستند إلى أرقام رسمية إسرائيليّة.

واختطف المهاجمون 251 رهينة ما زال 116 منهم في غزة، بينهم 42 يقول الجيش الإسرائيلي إنهم لقوا حتفهم.

وقتل ما يقرب من 38 ألف شخص في قطاع غزة من جراء العمليات العسكرية الإسرائيلية، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، بحسب آخر حصيلة لوزارة الصحة التابعة لحماس.

"لا أحد يتحدث عن بقية السجناء"

ومن بين السجناء الفلسطينيين المفرج عنهم مدير مستشفى الشفاء بقطاع غزة، محمد أبو سلمية، الذي أدى إطلاق سراحه لتبادل الاتهامات بين المسؤولين الإسرائيليين، حسبما قال شتيرن، موضحا أن القضية أصبحت "خلافية" لأن أبو سلمية "شخصية معروفة".

وقال المحلل السياسي الإسرائيلي: "لا أحد يتحدث عن بقية السجناء".

وكانت القوت الإسرائيلية اعتقلت أبو سلمية في نوفمبر الماضي بعد اتهامه بتسهيل مهمة حماس لاستغلال المستشفى لأغراض عسكرية، وهو ما تنفيه الحركة.

وقال الوزير بن غفير عبر منصة "إكس" إن "الإفراج عن مدير مستشفى الشفاء الطبي في غزة إلى جانب عشرات الإرهابيين الآخرين، تنازل عن الأمن".

وذهبت وزيرة المستوطنات اليمينية، أوريت ستروك، في الاتجاه ذاته متسائلة عن السلطة التي يملكها بار لاتخاذ مثل هذا القرار.

كما ألقى زعيم الوحدة الوطنية بيني غانتس، ورئيس حزب الأمل الجديد جدعون ساعر، اللوم في إطلاق سراح مدير مستشفى على الحكومة، وليس على أجهزة المخابرات والأمن.

وانضم زعيم المعارضة، يائير لبيد، إلى الأصوات المنتقدة للحكومة، مدعيا أن خبر إطلاق سراح أبو سلمية كان "استمرارا مباشرا لتهور الحكومة الإسرائيلية واختلال وظائفها، مما يتسبب في الإضرار بأمن مواطني إسرائيل".

وفي المقابل، قال مكتب نتانياهو في بيان إن "قرار إطلاق سراح السجناء جاء بعد مناقشات في المحكمة العليا بشأن التماس ضد احتجاز السجناء في معتقل سدي تيمان". 

وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" نقلا عن مصلحة السجون أن مدير مستشفى الشفاء "أبو سلمية لم يكن محتجزا في سدي تيمان، بل في سجن نفحة".

وزعمت مصلحة السجون أن مدير المستشفى لم يتم الإفراج عنه بسبب أزمة الاكتظاظ، مضيفة أنه تم إطلاق سراحه من سجن نفحة، وفق ما نقلت الصحيفة.

ونشرت مصلحة السجون خطابا يفيد بأن الإفراج عن أبو سلمية جاء بقرار من "الشاباك" والجيش"

ويخضع "الشاباك" لسلطة مكتب رئيس الوزراء، بينما تخضع مصلحة السجون الإسرائيلية لوزارة الأمن القومي، التابعة لبن غفير. 

وجاءت إطلاق سراح السجناء الـ54 وهم من قطاع غزة دون السجناء الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية.

وقال "الشاباك" في بيانه إنه "ضد إطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين في الضفة الغربية، بسبب مخاوف فورية من عودتهم إلى تنفيذ الهجمات، وكذلك أعضاء قوة النخبة التابعة لحماس وغيرهم من الإرهابيين في غزة المشاركين في القتال ومهاجمة المدنيين".

ومع ذلك، أضاف "الشاباك" أنه في حين أن مدير مستشفى الشفاء أبو سلمية "يلبي جميع المتطلبات المتعلقة بمستوى الخطر الذي يشكله"، فإنه سيحقق في إطلاق سراحه.

وفي وقت لاحق، أصدر مكتب رئيس الوزراء بيانا جديدا قال فيه إن إطلاق سراح أبو سلمة جاء "دون علم المستوى السياسي"، معتبرا أن ذلك القرار "خطأ فادح وفشل أخلاقي".

وذكر البيان أن رئيس الوزراء أمر "بإجراء تحقيق شامل في كيفية حدوث ذلك. ومن المتوقع أن يقدم رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) نتائج التحقيق إلى رئيس الوزراء غدا (الثلاثاء)".

"تعذيب ممنهج"

وتعيد إسرائيل بانتظام المعتقلين الفلسطينيين إلى قطاع غزة بعد التأكد من عدم الاشتباه في قيامهم بنشاط إرهابي، بحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل".

أبو سلمية يتحدث لرجال الصحافة والإعلام لدى عودته لغزة

ولدى عودته لغزة بعد 7 أشهر من الاعتقال، اتهم أبو سلمية، إسرائيل بـ"التعذيب"، قائلا إن "هناك جريمة ترتكب بحق الأسرى، عشرات الأسرى يذوقون العذاب الجسدي والنفسي، بعضهم استشهد في أقبية التحقيق".

ووفقا لأبو سلمية الذي جدد المزاعم الموجهة لإسرائيل بأنها تسيء معاملة السجناء الفلسطينيين، فإنه "لمدة شهرين لم يأكل أي من الأسرى سوى رغيف خبز واحد يوميا".

وأضاف الطبيب الفلسطيني: "اعتدوا علينا بالكلاب البوليسية، بالهراوات، بالضرب، سحبوا منا الفراش والأغطية".

وفيما يتهم العكة أيضا إسرائيل بإساءة معاملة السجناء الفلسطينيين بشكل "ممنهج"، قال شتيرن إنه "متأكد من أن وضع المعتقلين الفلسطينيين سيء".

وتابع شتيرن: "هذه ليست أوقات عادية؛ حيث إن مصلحة السجون ليس لديها الإمكانية لاستيعاب أعداد كبيرة من المعتقلين، وهذا بدوره يؤدي إلى ظروف صعبة في الحجز".

وأشار إلى أن السلطات المعنية "يجب عليها اتخاذ كل التدابير اللازمة لاحتجاز المعتقلين بظروف إنسانية".

وكانت مصلحة السجون الإسرائيلية شددت على ظروف اعتقال الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، بحسب فرانس برس.

ومن بين الإجراءات الجديدة التي اتبعتها مصلحة السجون، وفقا للوكالة ذاتها، حرمان المعتقلين من مغادرة الزنازين، ومن استخدام وسائل التدفئة والطهي والشراء من المقصف، بالإضافة إلى إجراء عمليات تفتيش مفاجئة تزيد من التوتر.

وفي رده على استفسارات موقع "الحرة"، قال متحدث باسم مصلحة السجون الإسرائيلية، الثلاثاء، عبر البريد الإلكتروني، "نحن لسنا على علم بالادعاءات" التي تحدث عنها مدير مستشفى الشفاء.

ومع ذلك، يحق للسجناء والمعتقلين في مصلحة السجون الإسرائيلية تقديم شكوى يتم دراستها ومعالجتها بشكل كامل من قبل الجهات الرسمية، بحسب البيان.

وجاء في الرد أن "مصلحة السجون الإسرائيلية هي منظمة لتطبيق القانون تعمل بموجب أحكام القانون وتحت إشراف مراقب الدولة والعديد من الجهات الرسمية الأخرى".

وتابع البيان: "ويتم احتجاز كافة السجناء وفقا للقانون. يتم تطبيق جميع الحقوق الأساسية المطلوبة بشكل كامل من قبل حراس السجن المدربين بشكل احترافي".

لكنها تقول عبر موقعها إنها "منظمة أمنية ذات هدف اجتماعي تنتمي إلى جهاز تطبيق القانون، مضيفة أنها توفر "ظروفا آمنة ولائقة" لاحتجاز النزلاء مع "توفير احتياجاتهم الأساسية والحفاظ على كرامتهم ومع توفير الأدوات المصححة لجميع السجناء".

وقال شتيرن إنه لا يوجد "إثباتات" تدين مصلحة السجون الإسرائيلية بأنها تسيء معاملة السجناء الفلسطينيين بشكل ممنهج ومتعمد، بما في ذلك عمليات التعذيب المزعومة.

دبابات إسرائيلية في سوريا
دبابات إسرائيلية في سوريا

"الخطوط الحمر" التي رسمتها إسرائيل أمام تركيا حول تدمر السورية لا تأت من فراغ كما يقول خبراء لموقع "الحرة"، بل ترتبط في غالبيتها بما تشكله هذه المنطقة الواقعة في وسط سوريا من أهمية استراتيجية كبرى لأي طرف ينوي التمركز فيها، على صعيد إنشاء القواعد اللازمة للسيطرة على الأرض، ولحجز مكانٍ في الجو.

وتردد الحديث عن هذه "الخطوط الحمر" على لسان مصادر في تل أبيب نقلت عنها وكالة "رويترز"، الخميس، وجاء ذلك في أعقاب الكشف عن أول اجتماع جمع وفدين من إسرائيل وتركيا في أذربيجان، لمناقشة آلية منع الاشتباك بينهما في سوريا.

وقالت الوكالة إن الوفد الإسرائيلي أبلغ نظيره التركي خلال اجتماع باكو بأن "أي تغيير في انتشار القوات الأجنبية في سوريا، وخاصة إنشاء قواعد تركية في منطقة تدمر هو خط أحمر"، وأبلغه أيضا بأن أي خطوة من هذا القبيل "ستكون خرقا لقواعد اللعبة".

ولم تصدر أي تفاصيل من الجانب التركي عن فحوى الاجتماع الأول مع الوفد الإسرائيلي في أذربيجان، لكن وزارة الدفاع في أنقرة أكدت الخميس حصول الاجتماع، وقالت إنه يأتي في إطار إنشاء آلية هدفها "منع الاشتباك".

تدمر التي حددتها إسرائيل دون غيرها من المناطق السورية كمنطقة يمنع الاقتراب منها تقع في ريف محافظة حمص وسط البلاد، وهي منطقة صحراوية يوجد فيها مدينة مأهولة بالسكان وقواعد عسكرية وجوية.

وقبل سقوط نظام الأسد تعرضت هذه المنطقة لعدة غارات جوية استهدفت مواقع انتشار ميليشيات تتبع لإيران، ورغم تغيّر خرائط السيطرة هناك بعد الثامن من ديسمبر 2024 إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من استهدافها مجددا.

على مدى الأيام الماضية، وقبل بدء تركيا وإسرائيل الاجتماعات المتعلقة بآلية منع الاشتباك، نفذ الجيش الإسرائيلي ضربات جوية على تدمر لـ5 مرات، واستهدف بها مطارها العسكري وقاعدة التياس الجوية القريبة منها، والمعروفة باسم "T4".

وجاءت تلك الضربات في أعقاب انتشار تقارير غير مؤكدة رسمية عن نية تركيا التمركز في القواعد الجوية هناك، وذلك في مسعى للتمركز على الأرض مع استقدام منظومات للدفاع الجوي من نوع "حصار".

لماذا تدمر بالتحديد؟

وتُعتبر قاعدة "T4" الجوية في منطقة تدمر من أهم القواعد الجوية في سوريا. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا خريف عام 2015، اختارت موسكو هذه القاعدة، بالإضافة إلى "حميميم" بريف اللاذقية، لتكون جزءا من منطقة النفوذ العسكري الروسي.

وطورت روسيا بنيتها التحتية، وزادت عدد حظائر الطائرات، بحسب الباحثة في شؤون الشرق الأوسط، إيفا كولوريوتيس، التي توضح لموقع "الحرة" أن القاعدة تضم ثلاثة مدارج للطائرات الحربية والطائرات المسيرة.

ووفقا لتقارير وسائل إعلام إسرائيلية فإن الضربات الأخيرة على هذه القاعدة وعلى مناطق عسكرية أخرى في تدمر أسفرت عن تدمير طائرات من نوع "سوخوي" وحظائر كانت موجودة فيها.

كما أسفرت الضربات عن تدمير المدارج الخاصة بقاعدة "التياس"، مما جعلها خارج الخدمة.

وتشرح كولوريوتيس أنه توجد عدة ميزات تجعل "T4" أهم قاعدة جوية عسكرية في سوريا.

فمن جانب يعتبر موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا مثالي، إذ تبعد حوالي 220 كيلومترا عن مرتفعات الجولان، و250 كيلومترا عن الحدود مع تركيا، و300 كيلومتر عن معبر البوكمال مع العراق.

ومن جانب آخر تضيف الباحثة أن "القاعدة معزولة عن الوجود البشري"، مما يجعل مراقبتها الأرضية معقدة. كما تقع بالقرب من البادية السورية، حيث تتواجد خلايا تنظيم "داعش"، وعلى بُعد حوالي 200 كيلومتر من نهر الفرات، حيث تتمركز "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

كولوريوتيس تؤكد أن الاعتراض الإسرائيلي على الوجود العسكري التركي في سوريا يقتصر على رفض إسرائيل وجود قاعدة جوية هناك أو نشر بطاريات صواريخ أرض-جو، دون أن يشمل الأمر الاعتراض على القواعد البرية.

"3 أسباب"

وتمتلك أنقرة عدة قواعد برية في إدلب وريف حلب الشمالي، بعضها يعود إلى عام 2016، ولم تعتبرها إسرائيل في السابق أنها تشكل تهديدا لأمنها القومي.

أما سبب الاعتراض الإسرائيلي على وجود قاعدة جوية تركية في سوريا (في T4)، فيمكن القول إن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تقف وراء ذلك، وفقا للباحثة في شؤون الشرق الأوسط.

السبب الأول عسكري، إذ ستحد القاعدة الجوية التركية في سوريا من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، وستضطر إسرائيل إلى إنشاء خط اتصال مباشر مع وزارة الدفاع التركية لتنسيق تحركاتها الجوية في سوريا مسبقا لتجنب الحوادث. وهذا أمر لا تريده إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، بحسب كولوريوتيس.

والسبب الثاني استراتيجي، إذ تعتقد إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا سيزيد من أهمية المواقف التركية إقليميا ودوليا، بينما تسعى إسرائيل إلى أن تكون قائدة المنطقة، وهو هدف عملت عليه خلال العام الماضي من خلال استهداف النفوذ الإيراني لملء هذا الفراغ بنفسها.

وتتمتع تركيا بنفوذ كبير في شمال العراق وعلاقات ممتازة مع قطر، ووجود عسكري في شمال قبرص، وعلى أساس ذلك توضح الباحثة أن "التوسع في سوريا قد يفتح الطريق أمام أنقرة لزيادة نفوذها في لبنان والأردن أيضا".

وعلاوة على ما سبق يذهب السبب الثالث باتجاه مسار سياسي، تضيف كولوريوتيس.

وتقول إنه رغم وصف إسرائيل للإدارة السورية الجديدة "بالإرهابية"، إلا أنها تعلم أنه ستكون هناك مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة لاحقة.

ولذلك، تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها على المجال الجوي السوري، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مستخدمة إياها كأوراق مساومة لتحقيق مكاسب سياسية.

وبخلاف ما سبق تعتقد الباحثة أن "الوجود العسكري التركي في سوريا سيحد من هذه السيطرة الإسرائيلية، ويدعم موقف الإدارة السورية في أي مفاوضات".

"لا تريد هيمنة جوية لتركيا"

ولا تعرف حتى الآن ما إذا كانت آلية "منع الاشتباك" بين تركيا وإسرائيل في سوريا ستخفف من التصعيد الحاصل بينهما، ولا يعرف أيضا ما إذا كان الطرفان ستجمعهما أي قواسم مشتركة في البلاد، في المرحلة المقبلة.

وتشير التصريحات الرسمية التركية الصادرة عن وزارة الدفاع إلى أن أنقرة لن تتراجع عن تقديم الدعم للإدارة السورية الجديدة، ولن تتراجع أيضا عن مساعي إنشاء القواعد في سوريا.

لكن في المقابل يبدو من التصريحات الرسمية في تركيا أن تلك القواعد ستكون "تدريبية" على نحو أكبر، دون أن يعرف المكان الذي ستتموضع فيه، سواء في وسط البلاد أو في شمالها كما المعتاد.

ويقول الباحث السياسي الإسرائيلي، يوآف شتيرن إن القاعدة الجوية الموجودة في تدمر (T4) تزعج إسرائيل، وبالتالي هي لا تريد لأي طرف التمركز فيها، كي لا تتأثر حرية حركتها الجوية في سوريا.

ويضيف شتيرن لموقع "الحرة": "وفي حال دخلت تركيا للعمق السوري ربما ستكون هناك سيطرة معينة ونوع من الحماية على هذه المناطق وهذا ما لا تريده إسرائيل ويقلقها".

"إسرائيل تريد المنطقة مفتوحة وأعتقد أن الخطوط الحمر تتجاوز تدمر لتصل إلى حد الموضوع الجوي في سوريا وسلاح الجو التركي"، يتابع الباحث الإسرائيلي.

ويردف: "إسرائيل لا تريد هيمنة تركية جوية على هذه المنطقة، سواء من خلال الطائرات بالجو أو على مستوى نشر منظومات دفاع جوي"، في إشارة منه إلى تدمر الواقعة وسط سوريا.

ومن جهته يوضح الباحث السوري، ضياء قدور أن "تثبيت تركيا لوجودها العسكري في مدينة تدمر يمكن أن يشكل تحولا كبيرا في المشهد العسكري في سوريا والمنطقة بشكل عام".

ومن خلال إقامة منظومات دفاع جوي متطورة وتشغيل القواعد الجوية في الشعيرات و"T4" ومطار تدمر "ستحقق تركيا قدرة على فرض سيطرة جوية قوية في وسط سوريا"، يضيف الباحث لموقع "الحرة".

ويشير أيضا إلى أن هذه الخطوة قد تتيح لتركيا تشكيل "فقاعات دفاعية" استراتيجية، مما يزيد من تعقيد حرية العمليات العسكرية الإسرائيلية ليس فقط في سوريا، بل في الشرق الأوسط ككل.

"انتكاسات ممر داوود"

وقبل سقوط نظام الأسد دائما ما كان ينظر المراقبون والخبراء لتدمر على أنها تقع وسط "الكوريدور الإيراني"، الذي يخترق سوريا قادما من العراق.

وكان هذا "الكوريدور" أو الممر تستخدمه إيران لإيصال السلاح إلى "حزب الله" في لبنان، ولدعم ميليشياتها الأجنبية والمحلية، التي كانت تنتشر في مناطق متفرقة بسوريا.

وشكّل سقوط نظام الأسد نهاية الحلم الإيراني المتعلق بهذا الممر. ورغم حصول ذلك لم تتوقف إسرائيل من استهداف المناطق المحيطة به أو الواقعة في منتصفه، بينها تدمر والقواعد الموجودة فيها.

ومنذ أشهر تتوارد أنباء وتقارير غير مؤكدة عن مساعي تحاول إسرائيل فرضها في جنوب سوريا وصولا إلى حدود العراق، وتتعلق على نحو خاص بما سمي بـ"ممر داوود"، الذي تقول الباحثة كولوريوتيس إنه بات من الماضي، لعدة أسباب.

وتوضح الباحثة أن المناقشات حول الممرات الإسرائيلية في سوريا تبدو، في هذه المرحلة، غير منطقية.

وتشرح أنه كان هناك حديث عن إنشاء ممر يربط إسرائيل بالسويداء ومع مناطق "قوات سوريا الديمقراطية" عبر منطقة التنف، حيث يوجد نفوذ للولايات المتحدة، تحت اسم "ممر داوود".

وتضيف أن هذا المشروع عانى من ثلاث انتكاسات رئيسية: الأولى كانت الاتفاق بين "قسد" ودمشق؛ والثانية كانت تأكيد إدارة ترامب على أنها ستنسحب من سوريا؛ والثالثة كانت عدم وجود توافق داخل السويداء بشأن العلاقات مع إسرائيل.

ونتيجة لذلك، وحتى داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية، أصبح الحديث عن "ممر داوود" شبه معدوم مؤخرا، وفقا للباحثة.

ومن المهم التأكيد على أن إسرائيل لا تنوي الانخراط في عمليات برية في سوريا، بحسب كولوريوتيس، التي ترى أن "وجودها العسكري البري لن يتجاوز إلى ما وراء المناطق القريبة من منطقة فض الاشتباك".

ويعتقد الباحث قدور أن تدمر تحولت خلال الأيام الماضية من منطقة ذات أهمية استراتيجية إلى نقطة صراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وذلك بسبب الفراغ العسكري الهائل الذي نشأ في البلاد، بعد انهيار نظام الأسد، وتدمير جميع دفاعاته وقدراته العسكرية.

ويقول إن الصراع الحالي الحاصل في سوريا "قد يؤدي توترات متزايدة أو ربما إلى اتفاقات لخفض التصعيد، يتم من خلالها إنشاء آلية تنسيق عسكرية تهدف لتقليل التصعيد في المنطقة وضمان مصالح الأطراف المتنازعة".