جنود من الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة
تم استدعاء 350 ألف شخص إلى الخدمة الاحتياطية بالجيش الإسرائيلي

في ظل الحملة العسكرية المستمرة التي يشنها الجيش الإسرائيلي على حركة حماس في قطاع غزة منذ نحو عام، يتزايد "شعور الاستياء" لدى الكثير من الإسرائيليين الذين تم استدعاؤهم إلى قوات الاحتياط، خاصة مع طول فترة خدمتهم، وفق تقرير لوكالة "بلومبيرغ" الأميركية.

ومن هؤلاء، يوآف أدومي، الذي أمضى ما يقرب من 6 أشهر في الخدمة الاحتياطية بالجيش، منذ اندلاع الحرب الذي انطلقت شرارتها في السابع من أكتوبر الماضي، عقب هجمات غير مسبوقة شنتها حماس على إسرائيل، مما أدى إلى مقتل نحو 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، حسب بيانات رسمية.

وردت إسرائيل على الهجمات، بإعلان الحرب وشن قصف مكثف وعمليات برية نجم عنها مقتل أكثر من 41 ألف شخص، أغلبهم من النساء والأطفال، وفقا لوزارة الصحة في قطاع غزة.

وقال أدومي إنه ترك وراءه زوجته وأطفاله ووظيفته في مجال تكنولوجيا التأمين في تل أبيب، لأداء خدمة الاحتياط، ليكون بذلك واحدا من 350 ألفاً من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم في الوضع عينه.

وقد اضطر مئات آلاف الرجال إلى التخلي عن التزاماتهم العائلية وإيقاف أعمالهم وتأجيل دراستهم للمشاركة في الحملة العسكرية في غزة، أو صد الهجمات الجوية التي يشنها حزب الله المدعوم من إيران، عبر الحدود، تجاه شمالي إسرائيل.

ومع وجود نحو 170 ألف فرد نشط بالجيش، من إجمالي عدد سكان يبلغ 10 ملايين نسمة، فإن جيش إسرائيل يعد كبيرا وفقاً للمعايير العالمية، لكنه لا يزال صغيراً بحيث لا يستطيع التعامل مع التهديدات التي تواجه البلاد من عدة جبهات في نفس الوقت، وفقا للوكالة الأميركية.

ويبدو أن شعار الجيش "صغير وذكي" الذي كانت تفتخر به إسرائيل، مع تفضيل التقدم التكنولوجي العالي على القوة البشرية، "لم يعد مناسبا" في الأوضاع الحالية.

ونوهت الوكالة الأميركية، بأن الأعباء التي يتحملها هؤلاء الجنود، "تكشف كفاح إسرائيل لتعزيز صفوف القوات المسلحة، مع منع نقص العمال من الإضرار بالاقتصاد، كل ذلك في حين يتصاعد الاستياء بسبب مقاومة مجتمع الحريديم للاستجابة لدعوة الخدمة الوطنية".

وفي الوقت نفسه، ذكرت أن "الدعم الشعبي الإسرائيلي للحرب لا يزال قوياً"، مشيرة إلى أن "الحاجة إلى التعزيزات العسكرية لا تظهر أية علامة على (قرب) الانتهاء".

"لسنا بنفس الكفاءة"

ويشعر أرباب العمل وكذلك جنود الاحتياط أنفسهم بالعبء، حيث تضطر الشركات إلى العمل بقوى عاملة مخفضة، حيث ساهم استدعاء مئات آلاف الرجال في العام الماضي بانخفاض النمو الاقتصادي إلى 2 بالمئة، أي ما يقرب من نصف المعدل الذي توقعته وزارة المالية قبل اندلاع الحرب، وذلك مع تباطؤ إضافي من المتوقع أن يصل إلى 1.1 بالمئة في عام 2024.

وفي هذا الصدد، وجد مناشيه تامير، مالك شركة تطوير معدات زراعية في كيبوتس إيلون، نفسه يكافح لسد الفجوات عندما تم استدعاء العديد من موظفيه، بما في ذلك مديرين رئيسيين (وهما ولديه) إلى قوات الاحتياط، عند اندلاع الحرب.

ومع وصول خدمة ولديه الاحتياطية إلى ما يقرب من 180 يوما، قال تامير: "توجب علينا أن نسد الفراغ الذي تركاه، ونفعل ما يفعلانه.. بالطبع هذا يبطئ الأمور، فنحن لسنا بنفس الكفاءة".

ونظرًا لأن التجنيد الجماعي لليهود المتشددين لا يبدو حلاً سهلاً، فقد اتخذ الجيش الإسرائيلي خطوات "قصيرة الأجل" لزيادة أعداد مقاتليه.

وتضمنت تلك الحلول، طرح مشروع قانون لتمديد الخدمة العسكرية لعدة أشهر، فضلاً عن تغيير اللوائح بما يرفع الحد الأقصى لسن الاستدعاء.

وكان المئات من الضباط والجنود المقاتلين السابقين، الذين تجاوزوا بالفعل الحد الأقصى للسن، للخدمة، قد تطوعوا للمشاركة في القتال.

ومن بين المتطوعين، وزير الاتصالات السابق يواز هندل (49 عامًا)، الذي ساعد في تنظيم كتيبة جديدة من جنود القوات الخاصة السابقين، ومعظمهم في الأربعينيات والخمسينيات من العمر.

وقال هندل إنه بالرغم من أنهم قد لا يكونون في حالة جيدة كما كانوا في العشرينيات من العمر، فإنهم "ما زالوا لائقين بما يكفي للقيام بالمهام العسكرية"، مضيفا أنهم "قاتلوا بنجاح" لعدة أشهر في غزة.

وتابع: "نحن بحاجة إلى التأكد من أن حدودنا آمنة بما فيه الكفاية، وأننا نعرف كيف نحمي شعب إسرائيل.. لا يوجد حل حقيقي آخر سوى وجود قوات على الأرض".

الحدود اللبنانية الإسرائيلية

للوهلة الأولى، تبدو الحدود اللبنانية - الإسرائيلية وكأنها قد استسلمت تماما لحالة هدوء غريب، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر الماضي. لا دوي انفجارات، ولا صواريخ متبادلة، ولا تصعيد علني يوحي بعودة وشيكة إلى المواجهة. 

لكن هذا الهدوء، يؤكد مسؤولون عسكريون ومحللون أمنيون، هو مجرد غطاء هش لواقع يوشك على الانفجار في أي لحظة.

خلف خطوط التماس، تنفذ إسرائيل ضربات جوية "استباقية"، تستهدف ما تعتبره تهديدات مصدرها حزب الله أو مجموعات متحالفة. في الوقت ذاته، يتحدث الجيش الإسرائيلي عن دروس وعبر استخلصها من هجوم 7 أكتوبر، ويعكف على إعادة تشكيل عقيدته الدفاعية على الجبهة الشمالية، حيث تتزايد المخاوف من الطائرات المسيّرة، والخلايا المسلحة، والقدرات العسكرية التي يسعى حزب الله لإعادة ترميمها.

ووفقا لمسؤول عسكري في قيادة المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، فإن إسرائيل تعتبر السيادة "خطا أحمر"، وتؤكد أن عملياتها العسكرية في الوقت الراهن تأتي ضمن استراتيجية أوسع لاحباط التهديدات قبل وقوعها.

لكن المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، أعرب في تصريحات لـ"الحرة" عن ارتياح بلاده لآلية المراقبة الدولية لاتفاق وقف إطلاق النار:

"تطور إيجابي ملحوظ يتمثل في نشاط متزايد للجيش اللبناني في متابعة الشكاوى بشأن خروقات من قبل حزب الله أو أي تنظيمات فلسطينية أخرى بحيث يتم التواصل من خلال آلية تنسيق مع ضباط أميركيين وشركاء آخرين، يتم بموجبها نقل المعلومات إلى الجانب اللبناني للتحقق منها أو معالجتها".

مقاتلات إسرائيلية

تعاون محسوب وضربات دقيقة

من أبرز التغيّرات التي طرأت خلال الأشهر الماضية، ازدياد تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية، وذلك من خلال آلية تنسيق يقودها الجانب الأميركي.

وبيّن المصدر الإسرائيلي أن تجاوب الجيش اللبناني مع التحذيرات الإسرائيلية بات أكثر جدية، في تحول لافت مقارنة بالماضي، وأشار إلى أن الوضع على الأرض اليوم يختلف تماما عما كان عليه حين كان يُنظر إلى حزب الله كـ"دولة داخل دولة".

لكنه أشار، في المقابل، إلى وجود حالات تستدعي تحركا إسرائيليا مباشرا دون إبلاغ الشركاء، لا سيما عند رصد تهديدات آنية، مستشهدا باستهداف مسلحين لا يتبعون الجيش اللبناني.

ووصف ذلك بأنه رد مشروع على "خروقات اتفاق وقف إطلاق النار".

رقابة دولية وواقع ميداني معقد

من جهته، أوضح المحلل العسكري إيال عليما لـ"الحرة" أن هناك آلية تنسيق دولية تضم ممثلين عن قوات اليونيفيل، والولايات المتحدة، وفرنسا، ولبنان وإسرائيل. وتُعقد اجتماعات منتظمة في الناقورة، مع تواصل مباشر أحيانا بين إسرائيل وقوات اليونيفيل.

""هذه آلية لعبت دوررا ملموسا في بعض الحالات، مثلا عندما أبلغ الجيش الإسرائيلي بوجود قذائف موجهة ضد إسرائيل، نقلت هذه المعلومات وتم التعامل معها بصورة ناجعة، بينما لم يجرِ التعامل في حالات أخرى"، يقول عليما.

ويعتقد عليما أن السياسة الأمنية الإسرائيلية باتت أكثر حزما منذ فشل الجيش في منع هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023. وأشار إلى أن إسرائيل تستفيد من الدروس المستخلصة للحيلولة دون تكرار ذلك السيناريو على جبهات أخرى.

دبابة إسرائيلية في المنطقة

140 قتيلا منذ بدء الهدنة

منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، نفذت إسرائيل عشرات الضربات الجوية الدقيقة، استهدفت ما تعتبره عناصر مسلحة، خاصة في القطاع الغربي من الحدود.

وبحسب المصدر العسكري، فقد قُتل نحو 20 شخصا في هذا القطاع فقط، ليرتفع عدد القتلى إلى حوالي 140 عنصرا في عموم لبنان منذ توقيع الاتفاق.

وقد امتدت بعض العمليات إلى مناطق شمال نهر الليطاني، وهي منطقة تخضع لإشراف قيادة العمق الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، المختصة بتنفيذ عمليات طويلة المدى في عمق أراضي الخصوم.

تهديد االمسيرات

من أبرز التحديات الجديدة التي تواجه إسرائيل بعد الهدنة هو تصاعد استخدام حزب الله للطائرات المسيّرة، "التي شكلت في السابق نقطة ضعف أمنية بالغة،" وفقا للمسؤول الإسرائيلي.

وقد بلغ التهديد ذروته في 1 فبراير 2024، عندما استهدفت طائرة مسيرة منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بلدة قيساريا، وتسببت بأضرار مادية جسيمة دون وقوع إصابات بشرية.

واخترقت طائرات مسيرة أخرى المجال الجوي الإسرائيلي، واستهدفت قواعد عسكرية، ما أسفر عن مقتل جنود إسرائيليين.

ودفعت هذه الهجمات قيادة الجيش إلى إعادة صياغة عقيدة الدفاع الجوي، وتوسيع نطاق التدريب على اعتراض هذا النوع من الطائرات.

وقد رفعت إسرائيل، وفقا للمسؤول العسكري، عدد قواتها المنتشرة على الحدود الشمالية مقارنة بالسابق. "إن عدد القوات المنتشرة هناك أكثر بنحو مرتين ونصف، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الاتفاق".

وأعاد الجيش الإسرائيلي تفعيل ثكنات عسكرية قديمة على الحدود مع لبنان، إضافة إلى المواقع الخمسة التي أنشأها داخل الأراضي اللبنانية.

ويشير المسؤول إلى بناء ثكنات عسكرية ومواقع أخرى بغية تعزيز الردع ومنع التسلل إلى البلدات الشمالية من إسرائيل.

تحركات حزب الله

تراقب إسرائيل عن كثب محاولات حزب الله إعادة التمركز وإعادة التسلّح، خصوصا بعد انهيار نظام الأسد في سوريا، والذي أدى إلى تقليص قدرة الحزب على تهريب الأسلحة عبر الأراضي السورية.

وشدد المسؤول الإسرائيلي على أن بلاده مصممة على منع الحزب من بناء بنية تحتية عسكرية جديدة.

مقاتلات إسرائيلية

ديناميكيات إقليمية

أدى الانهيار الفعلي للنظام السوري إلى فراغ إقليمي تتابعه إسرائيل عن كثب. ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، بدأت بعض الأصوات داخل إسرائيل من الأوساط السياسية والأمنية تطالب باستغلال هذا التحول لإطلاق ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

رغم تزايد الحديث عن احتمال تنفيذ الهجوم في عام 2025، يرى المحلل إيال عليما أن تنفيذ هذا السيناريو غير مرجّح في الوقت الراهن.

"الساحة السياسية الدولية شديدة التعقيد حاليا"، يقول عليما. "الولايات المتحدة منخرطة في مفاوضات نووية مباشرة مع طهران، وهناك معارضة قوية من الاتحاد الأوروبي وداخل الولايات المتحدة نفسها لأي تصعيد".

وأشار إلى تزايد الانتقادات الغربية للحكومة الإسرائيلية الحالية، والتي تُوصف بأنها الأكثر تطرفًا في تاريخ البلاد الحديث، ما قد يُضعف الدعم الدولي لأي تحرك عسكري كبير.

هدنة هشة

تعكس سلسلة العمليات الإسرائيلية الأخيرة، سواء تلك التي استهدفت مواقع لحزب الله في جنوب لبنان أو بنى تحتية لحلفائه الحوثيين، مدى هشاشة وقف إطلاق النار القائم حالييا.

وعلى الرغم من أن الطرفين، إسرائيل وحزب الله، لا يبدوان راغبين في الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لا يزال الوضع متقلبا. فكل طائرة مسيرة، وكل ضربة جوية، وكل تحرك عسكري يُعتبر رسالة استراتيجية موجهة إلى حزب الله، وإلى إيران.

وقف إطلاق النار ليس اتفاق سلام، كما هو معروف، ولكن في حالة حزب الله وإسرائيل، يبدو أقرب إلى هدنة متوترة، رغم استمرارها تبقى على حافة الانهيار.