Smoke rises from Israeli airstrikes on Mahmoudiyeh mountain, as seen from Marjayoun town, south Lebanon, Saturday, Sept. 21,…
الجيش الإسرائيلي شن عشرات الغارات على مواقع لحزب الله في جنوب لبنان

شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية، مساء السبت، عشرات الغارات على مناطق جنوب لبنان، مستهدفة بشكل رئيسي التلال والأودية ومجاري الأنهار، في ظل تصعيد ملحوظ يثير مخاوف من أن يتحول إلى حرب واسعة.

وذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أن القصف طال مناطق عدة، أبرزها الوادي بين أنصار والزّرارية، مجرى النهر بين يحمر الشقيف والزوطرين الشرقية والغربية، وادي رومين-دير الزهراني، وأطراف بلدات اللويزة، مليخ، برتي، كفرملكي، مرتفعات جبل الريحان، منطقة بصليا في إقليم التفاح، منطقة الجرمق، والمنطقة بين فرون والغندورية، إضافة إلى مجرى نبع الطاسة في إقليم التفاح.

وأفادت الوكالة أنه خلال أقل من 40 دقيقة، تم تسجيل أكثر من 50 غارة على المناطق المذكورة، وسط تحليق مكثف للطائرات الاستطلاعية الإسرائيلية في أجواء المناطق الجنوبية.

وفي حوالي الثامنة والثلث من مساء اليوم نفسه، استهدف الطيران الاسرائيلي الوادي بين رومين ودير الزهراني، إضافة إلى أطراف بلدة كفرملكي، كما استهدف أطراف بلدتي جبال البطم وصريفا فرون.

هجمات استباقية

وتوضيحاً لما يحصل، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، دانيال هاغاري، في تصريح بعيد الثامنة مساء (17,00 ت غ)، انه "في الساعة الأخيرة يقوم الجيش الاسرائيلي بشن غارات واسعة في جنوب لبنان بعد رصد استعدادات حزب الله لإطلاق قذائف صاروخية نحو الأراضي الإسرائيلية"، لافتاً إلى أن "عشرات الطائرات الحربية تهاجم أهدافاً إرهابية ومنصات صاروخية لإزالة تهديدات نحو مواطني إسرائيل".

وأضاف "نقوم بشن الغارات بشكل منهجي، ونجرد حزب الله من قدراته على إطلاق قذائف نحو إسرائيل بالإضافة إلى تصفية قادته وعناصره، وقد قمنا باستهداف 400 منصة صاروخية لحزب الله اليوم شملت الآلاف من فوهات الإطلاق".

وأشار هاغاري إلى أن وزير الدفاع أعلن "حالة خاصة" في الجبهة الداخلية نظراً لتقييم الوضع العسكري، مما أدى إلى تغيير سياسة الاحتماء بدءاً "من منطقة حيفا شمالاً"، ووفق سياسة الاحتماء الجديدة "2"، سيسمح بإجراء الفعاليات التربوية والخروج لمراكز العمل في الأماكن التي يمكن التوجه فيها إلى مكان آمن في الوقت المناسب.

وقال هاغاري إنه قد يتم إطلاق قذائف صاروخية وتهديدات أخرى نحو إسرائيل خلال الفترة المقبلة، داعياً الجمهور إلى الالتزام بتعليمات الجبهة الداخلية. كما أكد على استعداد الجيش الإسرائيلي للخطوات المقبلة، سواء هجومياً أو دفاعياً، مشيراً إلى أن طائرات سلاح الجو وأنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تهديدات.

وفي وقت سابق من اليوم السبت، أعلن الجيش الإسرائيلي، أنه "خلال الساعات الفائتة، قصف سلاح الجو الإسرائيلي آلافا من قاذفات الصواريخ كانت جاهزة لاستخدامها فورا لإطلاق نيرانها في اتجاه الأراضي الإسرائيلية"، مضيفاً أنه أصاب "180 هدفا" من دون تحديدها.

كما أفاد الجيش الإسرائيلي في بيان أن "حزب الله أطلق السبت نحو تسعين صاروخاً من لبنان في اتجاه إسرائيل"، مع استمرار تبادل القصف في شكل شبه يومي على الحدود.

سلسلة استهدافات

وأعلن "حزب الله"، السبت، عن استهداف عدة مواقع عسكرية إسرائيلية، بينها موقع الرمثا في تلال كفرشوبا، وثكنة زبدين في مزارع شبعا، بالإضافة إلى مقر قيادة فرقة الجولان 210 في قاعدة نفح، والمقر المستحدث لفرقة الجليل في إييليت هشاحر.

وشملت هجمات حزب الله كذلك، وفق ما أورد في عدة بيانات، مواقع أخرى مثل تموضع قوات من لواء 300 التابع للفرقة 146 في ثكنة أدميت، ومقر قيادة كتيبة السهل في ثكنة بيت هلل، ومقر الدفاع الجوي والصاروخي في ثكنة كيلع، إضافة إلى مركز تموضع كتيبة استطلاع 631 التابعة للواء غولاني في ثكنة راموت نفتالي، وثكنة زرعيت، والقاعدة الأساسية للدفاع الجوي والصاروخي التابعة لقيادة المنطقة الشمالية في ثكنة بيريا.

وتصاعدت حدة التوتر على الجبهة الجنوبية للبنان، عقب عملية اغتيال استهدفت قادة من "حزب الله" خلال اجتماعهم في الضاحية الجنوبية لبيروت، يوم الجمعة. وأسفرت الضربة عن مقتل 37 شخصاً، وفقاً لتصريحات السلطات اللبنانية. كما أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، عن أسماء قادة "حزب الله" الذين لقوا حتفهم في الهجوم.

وكان "حزب الله" قد تعرض، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، لضربة وصفت بـ"القاسية"، تم خلالها استهداف أجهزة الاتصالات الخاصة بعناصره، ما أدى إلى مقتل 37 شخصاً، بينهم 20 من عناصر الحزب، وإصابة الآلاف بجروح.

داني ميران

لم يُثنه برد الشتاء ولا قيظ الصيف، يجلس داني ميران وسط تل أبيب، في خيمة صغيرة، نصبها سكان ناحال عوز ـ القرية الجنوبية ذاتها التي اختطف فيها مقاتلو حماس في 7 أكتوبر، ابنه، عمري.

مرّت شهور طويلة منذ ذلك اليوم الدامي، لكن بالنسبة لداني، تكثف الزمن في لحظة غياب مؤلمة:

لا قبر يزوره، ولا وداع يفاوض به نيران الفقد ـ لم يبق له غير صور عمري ذي الـ46 عاما، وهو زوج، وأب لفتاتين صغيرتين.

كانت "علما"، أصغر البنتين، في شهرها السادس، عندما اختُطف أبوها، يروي داني لموقع "الحرة".

اليوم، عندما تقول "بابا"، فهي تشير إلى صورة معلقة على حائط. 

لا تتذكر أنها أمسكت بيد والدها قط.

تروي لها الأسرة قصصا عن والدها الغائب ـ الحاضر. "بابا يحبك. بابا شجاع".

لكن الطفلة لا تعرف الرجل الذي تنتظر عودته.

"عمري خسر كل هذه الأيام، خسر أن يرى ابنته تكبر". يتحسر داني عندما يتحدث عن ابنه.

اما روني، الابنة الكبرى، فكانت تبلغ 26 شهرا في 7 أكتوبر. هي تفهم أكثر، وأحيانا تحدّث أمها عن "أشخاص شريرين خطفوا والدها".

يسكن عمري في نحال عوز منذ ثلاثة عشر عاما. ويوم 7 أكتوبر، فتح باب منزل لإنقاذ طفل أحد الجيران، فاختُطف من عائلته.

معبد انتظار

أضحت الساحة أمام متحف تل أبيب ساحة احتجاج، ومعبد انتظار لعودة المختطفين.

داخل خيمة داني، رسائل كثيرة مكتوبة بخط اليد ـ بالعبرية والعربية والإنكليزية ـ عُلّقت بجانب صور الرهائن. وتتكدس بقايا شموع على الأرض قرب أرجل الكراسي. لا موسيقى، همسات فحسب، وصوت أصابع الناشطين تضرب على لوحات مفاتيح أجهزة كمبيوتر.

ما أسهل أن يتحول الألم إلى كراهية. لكن ليس عند داني، الأب الذي لا يطلب أكثر من عودة ولده. هو يتحدث بإصرار عن السلام والحوار والتواصل. يقول: "العالم العربي هام بالنسبة لي،" ويرى أن من الضرورة أن يتوجه الحديث إلى العرب.

يقول عبر موقع "الحرة":

"حماس لا تمثل الإسلام. الإسلام ديانة متسامحة، وفي القرآن تم تحريم قتل النساء والأطفال وكبار السن والمرضى". 

ويتابع "في القرآن هناك وصايا مهمة، ولكن حماس قتلت الأطفال وكبار السن والنساء ومرضى ... وقاموا بذبح الأشخاص. في القرآن هناك أمور جميلة، ولذا فأنا لا أستطيع أن أفهم أولئك الذين يدعمون حماس وكأنهم هم مسلمون". 

"هذا غير إنساني، أن تحتض إرهابيين،" يقول.

يوم سقطت السماء على الأرض

شهد هجوم السابع من أكتوبر، الملقب بـ"السبت الأسود" في إسرائيل، مقتل أكثر من 1200 شخص واحتجاز أكثر من 250 رهينة. اخترق مقاتلو حماس الحدود بين غزة وإسرائيل في هجوم غير مسبوق، وصفه بعض المحللين بأنه "لحظة 11 سبتمبر" بالنسبة لإسرائيل. كان عمري من بين عشرات أخذهم مقاتلو حماس رهائن من قرية ناحال عوز.

ولا يزال 59 رهينة في غزة ـ 24 منهم فقط يُعتقد أنهم أحياء.

وردا على هجوم حماس، شنت إسرائيل هجوما على غزة، أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

رسالة في هاتف مهرب

يبعث داني رسائل في مقاطع مصورة من داخل الخيمة، على أمل أن تصل إلى عمري. يحلم أن يحظى ابنه بهاتف مُهرَّب، أن تصله كلمة عابرة من غريب طيّب. 

في أحد المقاطع المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، يتقطع صوته وهو يتحدث إلى ابنه عبر الكاميرا. يقول لابنه إنه وبقية أهالي الرهائن في الساحة. يقول إن وكل إسرائيل تقاتل لإعادة كل رهينة.

ما وراء الخيمة

قدّم داني التماسات لحكومات أجنبية، بما في ذلك الولايات المتحدة وقطر ومصر، للضغط على حماس. انتقد كثيرا ما يسميه "شلل الدبلوماسية"، وخاصة في دول يعتقد أنها "تتمتع بنفوذ وتختار الحياد".

في تصريحات كثيرة منذ اختطاف ابنه، عبر داني عن اعتقاد بأن السلام عطاء متبادل، وأن على إسرائيل أن تكون مستعدة للعطاء. يقول: "لسنا كاملين. لكن السلام يحتاج إلى تنازلات من الجانبين ـ وإلا، فهو مجرد حلم".

في أحد مقاطع الفيديو، يبتسم ابتسامة حزينة كأنه يعتذر: "لست هنا للجدال حول الحدود أو الأعلام. أنا هنا لأنني أفتقد ابني".

في يوليو 2024، زار داني الفاتيكان، وشارك البابا فرنسيس الراحل، لإيصالها إلى المسيحيين على نطاق أوسع.

قال: "بعد الحرب العالمية الثانية، أدركت الشعوب الأوروبية أن الحروب لن تقودهم إلى أي مكان. لذلك، قرروا السعي لتحقيق السلام والازدهار بفتح الحدود، وكان هذا هو السبيل الوحيد للمضي قدما. أدعو من قلبي أن يأتي اليوم الذي يحدث فيه الشيء نفسه في منطقتنا: أن نفتح قلوبنا، وأن نفتح حدودنا، وأن نعيش بسلام في ما بيننا".

وقال في الفاتيكان بحضور حجاج كاثوليك:

"كيهودي، كمؤمن"، قال ميران، "أؤمن أيضا أنه أينما ذهبتُ في إطار الديانات التوحيدية الثلاث - اليهودية، والمسيحية، والإسلام - إذا دُعيتُ للصلاة، فسأنضم إليها لأن الإله واحد". 

لكن "ما حدث في السابع من أكتوبر كان مخالفا تماما لمعتقدات الديانات الإبراهيمية الثلاث"، أضاف.

ألبوم العائلة

في منزل العائلة، يمتلئ "ألبوم" بصور روني إلى جانب صور أبيها. أحيانا تتحدث إلى صوره كما تتحدث طفلة إلى دميتها. تتساءل: لماذا ليس لها أب مثل الأطفال الآخرين؟

في يوم من الأيام، يأمل داني أن ترى روني الرجل نفسه، أباها. لكنه إلى ذلك الحين، سيبقى في الخيمة، أبا وجدا يتمسك بالمستقبل بيدين راعشتين، وأمل كالماء لا ينكسر.