ينفذ العاملون في وسائل النقل العام والشاحنات وعمال الصهاريج والبرادات والعديد من أصحاب مركبات "التطبيقات الذكية" و"الأجرة" في الأردن إضرابا منذ أيام احتجاجا على ارتفاع أسعار المحروقات، في حين دعت نقابة المحروقات إلى تعليق الإضراب وفتح حوار مع الحكومة.
لكن الجهات الحكومية لم تصدر أي تصريحات أو مواقف رسمية بشأن الإضراب حتى الآن، في حين يشير نواب إلى مخاوف من استمرار الإضراب من دون التوصل لحل الأزمة.
وارتفع سعر لتر الديزل في الأردن بنسبة 46 في المئة خلال ديسمبر الحالي مقارنة بما كان عليه في ديسمبر من 2021، فيما زادت أسعار الكاز المستخدم في التدفئة بنسبة 40 في المئة مقارنة بما كانت عليه في أواخر العام الماضي، بينما ارتفعت أسعار البنزين بنحو 10 في المئة، بحسب ما نشر الصحفي حمزة دعنا في منشور عبر حسابه في فيسبوك.
وفي نوفمبر الماضي، قررت لجنة تسعير المشتقات النفطية في الأردن، رفع سعر لتر الديزل ليصل إلى 895 فلسا (1.26 دولار) خلال ديسمبر الحالي، مقارنة مع 615 فلسا (0.87 دولار) كانت في ديسمبر 2021، بينما أصبح سعر مادة الكاز 860 فلسا (1.21 دولار) خلال الشهر الجاري مقارنة مع 615 فلسا (0.87 دولار) خلال الشهر ذاته من العام الماضي، بحسب بيانات وزارة الطاقة الأردنية.
"الإضراب مستمر" ودعوة لـ"الحور"
رئيس النقابة المستقلة لسائقي النقل العمومي، سليمان السرياني، قال إن "الإضراب مستمر والحديث عن تعليق بعض القطاعات ليس صحيحا"، وأكد "أن الإضراب لا يعبر عن العاملين في قطاع النقل فقط، بل يعبر أيضا عن الشعب الأردني".
وأوضح السرياني في تصريح لموقع "الحرة" أن "القطاعات الاقتصادية تتحمل نتائج فشل وأخطاء الجهات الرسمية، التي تَعد دائما بأننا سنخرج من عنق الزجاجة قريبا وعلينا التحمل، ولكننا لا زلنا في قاع الزجاجة التي لن نخرج منها"، في إشارة إلى سوء الأوضاع الاقتصادية في المملكة.
وأضاف السرياني أن "العاملين في قطاع النقل لديهم عدة مطالب، ولكن المطلب الأساسي هو تخفيض أسعار المشتقات النفطية"، مشيرا إلى أن "معادلة التسعير الشهرية الحكومية لا تزال عصية على الفهم، إذ ترتفع الأسعار محليا عندما تزيد عالميا، وترتفع الأسعار أيضا عندما تنخفض الأسعار عالميا".
ولم يستبعد السرياني "التصعيد في حال عدم استجابة الجهات الرسمية لمطالب العاملين في قطاع النقل الحيوي".
وكانت هيئة تنظيم النقل البري قد أعلنت في بيان الثلاثاء تعديل أجور نقل البضائع ليصبح وفق لائحة استرشادية تصدرها الهيئة، تم التوصل لها بعد اجتماع عقد مع نقابة أصحاب السيارات الشاحنة.
وشمل الاتفاق الأخير إضافة مبلغ دينار ونصف لكل طن على أجور نقل كل من الفوسفات والبوتاس والكبريت، ورفع سعر شحن الحاويات لتصبح 500 دينار بدلا من 448 دينارا لغاية وزن 25 طنا للحاوية على محور عمان العقبة.
ولكن لا يزال أصحاب الشاحنات والعاملون في النقل البري يحتجون على ارتفاع أسعار المحروقات.
ودعا رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات، نهار السعيدات، العاملين في قطاع النقل "إلى تعليق الإضراب والحوار مع الحكومة".
وزاد في اتصال هاتفي مع "الحرة" أن "نقابة أصحاب محطات المحروقات لا تعارض المطالبة بتخفيض أسعار المشتقات النفطية، ولكن استمرار الإضراب يضر حاليا بالجميع، خاصة مع تجميد حركة النقل البري".
وأكد السعيدات أن "الإضراب أضر بمحطات المحروقات في المملكة والتي يزيد عددها عن 300 محطة، والاستمرار قد يعني الإغلاق بالكامل لبعض المحطات"، داعيا إلى "تشكيل لجنة ممثلة عن قطاع النقل للحوار مع الجهات الرسمية".
وبحسب بيانات وزارة النقل في الأردن، يبلغ عدد المركبات التي تعمل ضمن أسطول الشاحنات وصهاريج النقل البري حوالي 20 ألف شاحنة، فيما يبلغ عدد أسطول وسائط النقل العام بما يشمل الحافلات والتاكسي والسيرفيس حوالي 35 ألف مركبة.
"ترف الدعم" و"عبء لا يمكن تجاهله"
وفي جلسة نيابية عقدت هذا الأسبوع انتقد نواب سياسة الحكومة في تسعير المحروقات، مشيرين إلى أن الأسعار وصلت في الأردن لأعلى معدل في تاريخ البلاد.
وقال رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة خلال الجلسة النيابة إن خزينة الدولة "لا تمتلك ترف دعم المحروقات"، وهي ستقوم بعكس دوري للأسعار العالمية للمشتقات النفطية صعودا وهبوطا.
وأضاف أن الحكومة دعمت المحروقات بـ 550 مليون دينار العام الماضي، لكنها لن تستطيع الاستمرار بهذا لأنها "لا تمتلك المال" وأي دعم للمحروقات "سيرفع المديونية، ويزيد عجز الموازنة".
عضو لجنة الطاقة البرلمانية، النائب موسى هنطش كشف في حديث لموقع "الحرة" أن لقاء سيعقد الأسبوع المقبل "لبحث المشاكل والحلول لقطاع النقل البري مع مسؤولين حكوميين".
وأضاف أن "الحكومة أمام معضلة تخفيض أسعار المحروقات، ولكنها في الوقت ذاته لا تريد تثبيت الأسعار أو خفض الضريبة التي تحققها من هذا القطاع والبالغة 1.2 مليار دينار سنويا".
وحول الجدل الذي يدور دائما عن معادلة التسعير للمشتقات النفطية في الأردن، أوضح هنطش أنها ومنذ البدء بها في 2008 و2009 تعتبر "قضية خلافية" رغم وجود معادلة تطبقها وزارة الطاقة.
وأشار النائب إلى "أن المشكلة بعدم وجود حكومة قادرة على ابتكار الحلول لتحصيل الإيرادات بعيدا عن زيادة الأعباء على المواطن".
ودعا النائب محمد الظهراوي "الحكومة إلى التنبه جيدا لما يحصل من إضرابات، وعدم تجاهلها حتى لا نشهد أي تحركات تصعيدية".
وشدد في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن الحكومة عليها إيجاد "حلولا جذرية لمعضلة العاملين في قطاع النقل، والمشكلة الأساسية تكمن في ارتفاعات أسعار المحروقات، والتي تشكل عبئا لا يمكن تجاهله على جيوب الأردنيين".
وحاول موقع "الحرة" التواصل مع متحدثين باسم الحكومة الأردنية حول الموضوع، ولم يتلق ردا على الاتصالات حتى الآن.
ولم يستبعد النائب الظهراوي "تصاعد حدة الاحتجاجات" مشيرا إلى أنها تأتي في ظل "تراجع أسعار المحروقات عالميا وزيادتها محليا"، مشيرا إلى أنه "قد يكون هناك توجهات فردية تحفز على سحب الثقة من الحكومة الحالية".
هل تشابه "احتجاجات 2018"؟
ويعيد ناشطون التذكير بالاحتجاجات التي تسببت في استقالة حكومة هاني الملقي في 2018، والتي جاءت بعد إجراءات اقتصادية أقرتها الحكومة ما تسبب في غضب شعبي.
أحد المشاركين في الإضراب قال في رسالة مصورة بحسب وسائل إعلام محلية "نريد أن نأكل. نريد أن نطعم أولادنا"، داعيا إلى مغادرة رئيس الحكومة منصبه أو سيأتون إلى "الدوار الرابع" في إشارة إلى مكان الاحتجاجات الجماهيرية التي شهدتها المملكة في 2018 والتي تجاور مقر رئاسة الوزراء في العاصمة عمان.
ويقول الكاتب المحلل السياسي الأردني، عامر السبايلة إن "استمرار إدارة الحكومة الأردنية لأزمة الطاقة بهذه الطريقة قد تعني تصاعد الاحتجاجات وحدوث أزمات مرة أخرى، كما حدث سابقا".
ويشرح في حديث لموقع "الحرة" أنه "لولا أزمة كورونا وما شهدتها من إغلاقات، لشهدنا أزمات في وقت أبكر، خاصة وأن الأسباب التي خرج لأجلها الناس إلى الشارع في 2018 ما زالت موجودة، والمشاكل لم يتم حلها إنما ترحيلها فقط".
وذكر أن السبايلة أن "المواطن الأردني في وضع اقتصادي سيئ جدا، ويعاني من وجود حكومة تدير الأزمات بأسلوب الجباية، خلافا لما تقوم به كل حكومات العالم في الوقت الحالي بإشعار مواطنيها أنها تعمل من أجلهم خاصة لمواجهة أزمة أسعار الطاقة".
وأشار إلى أن الحكومة "لا تريد النظر للضريبة التي تفرضها على أسعار المحروقات على أنها عبء على جيوب الأردنيين، متناسية أثر ذلك على تجفيف مصادر دخل المواطنين".
المحلل الاقتصادي، جمال المصري أوضح أن "المواطن الأردني لم يعد يملك ترف الصبر، خاصة بعدما أوغلت الحكومة برفع أسعار المحروقات محليا 8 مرات بحجة عدم امتلاكها الترف لترأف بأحوال الناس.. لتصبح الأسعار في الأردن من الأعلى عالميا".
وأكد المصري في رد على استفسارات موقع "الحرة" أن "إصرار الحكومة على الإبقاء على الضريبة المقطوعة، لا تخدم الاقتصاد الأردني، والاستمرار بمثل هذه السياسات الاقتصادية تفتقد للحصافة والعدالة، ولا ترضي أحدا إلا صندوق النقد الدولي".
ودعا المصري إلى "خفض الضريبة المقطوعة على المحروقات إلى نصف ما هي عليه الآن أو تجميد استيفائها لفترة زمنية".
ويعتمد اقتصاد المملكة التي تواجه ظروفا اقتصادية صعبة ويناهز دينها العام 47 مليار دولار وتعاني من شح في الموارد الطبيعية، بشكل كبير على المساعدات خصوصا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج.
