أكد ملك الأردن، عبدالله الثاني بن الحسين، في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأميركية، على مكانة القدس "كمدينة تجمع ولا تفرق"، محذرا من تجاوز "الخطوط الحمراء" التي تخص الوصاية الهاشمية عليها واستغلالها لأغراض سياسية.
وفي تقرير موسع حول موقع عمّاد المسيح، المعروف باسم المغطس، والذي بث الأربعاء، تحدث العاهل الأردني عن أهمية حماية التواجد المسيحي في المنطقة، مؤكدا على أهمية تطوير الموقع التاريخي الذي يعد واحدا من مواقع اليونسكو للتراث العالمي.
وردا على سؤال حول خطاب جلالته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام، والإشارة التي تضمنها إلى القدس، جدد ملك الأردن التأكيد على أن "المدينة المقدسة يجب أن تكون مدينة تجمعنا"، محذرا من محاولات استغلالها من المتطرفين لإذكاء الصراع والعنف، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء الأردنية "بترا".
وأضاف "نحن الأوصياء على المقدسات المسيحية كما الإسلامية في القدس، وما يقلقني هو وجود تحديات تواجه الكنائس بسبب السياسات المفروضة على الأرض، وإذا ما استمر استغلال القدس لأغراض سياسية، يمكن أن تخرج الأمور عن نطاق السيطرة بسرعة كبيرة".
"ناقوس خطر"
وردا على سؤال عن المخاطر التي تواجه الوجود المسيحي بالمنطقة، قال إن في الأردن وفي القدس أقدم مجتمع عربي مسيحي في العالم، "وهم هنا منذ ألفي عام، وعلى مدى الأعوام الماضية، بتنا نلاحظ أنهم كمجتمع يتعرضون لضغوطات، وبالتالي فإن أعدادهم في تناقص، وهذا باعتقادي ناقوس خطر لنا جميعا".
وفي معرض إجابته على سؤال حول مخاوف اندلاع انتفاضة ثالثة، قال العاهل الأردني "لا بد أن نشعر بالقلق حيال قيام انتفاضة جديدة، وإن حصل ذلك، فإنه قد يؤدي إلى انهيار كامل، وهذا أمر لن يكون في صالح الإسرائيليين ولا الفلسطينيين"، مبينا أن "الجميع في المنطقة قلقون للغاية، ومنهم متواجدون في إسرائيل ويتفقون على ضرورة الحيلولة دون حصول ذلك".
وردا على سؤال بخصوص عودة بنيامين نتانياهو للسلطة، وما وصفه معلقون أردنيون بأنه "أسوأ كابوس بالنسبة للأردن"، قال إن "للإسرائيليين الحق باختيار من يقودهم، وسنعمل مع الجميع طالما أننا سنتمكن من جمع كل الأطراف معا، فنحن على استعداد للمضي قدما".
"الخطوط الحمراء"
وفي إجابته على سؤال فيما إذا كان الوضع الراهن ودوره بصفته الوصي على الأماكن المقدسة في القدس مهددين بسبب التوقعات المرتبطة بالحكومة الإسرائيلية الجديدة، أكد العاهل الأردني أن "هناك دوما أشخاصا يحاولون الدفع باتجاه ذلك، وهذا مصدر للقلق، ولكن لا أعتقد أن هؤلاء الأفراد تحت أنظار الأردن فقط، بل هم تحت أنظار المجتمع الدولي".
وأضاف "نحن نعيش في منطقة صعبة وهذا أمر اعتدنا عليه، وإذا أراد جانب ما أن يفتعل مواجهة معنا، فنحن مستعدون جيدا، ولكن أود دوما أن ننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس".
وتابع قائلا "وفي المقابل، لدينا خطوط حمراء، وإذا ما أراد أحد تجاوز هذه الخطوط الحمراء، فسنتعامل مع ذلك، ولكن ندرك أن الكثير من الجهات في إسرائيل تشاركنا القلق".
وفيما يتعلق بدور الأردن في تعزيز الاستقرار في المنطقة، قال العاهل الأردني إن بلاده كانت "الملاذ للمسيحيين الأوائل وللسيد المسيح عيسى عليه السلام بنفسه".
وأضاف "أعتقد أن هذا أمر في صلب تراثنا، وجدي الشريف الحسين بن علي، رحمه الله، وفر ملاذا آمنا للمسيحيين الأرمن في الأردن حين كانوا يبحثون عن الأمن والأمان".
ولفت الملك إلى أن الأردن وفر الملاذ للمسيحيين العراقيين والسوريين في السنوات القليلة الماضية، الذين لجؤوا إلى المملكة إثر أفعال داعش في سوريا والعراق.
وحذر جلالة الملك من أن تفريغ المنطقة من الوجود المسيحي سيكون أمرا كارثيا بالنسبة للجميع، مؤكدا أن "المسيحيين جزء من ماضينا وحاضرنا، ويجب أن يكونوا جزءا من مستقبلنا".
وردا على سؤال حول تطلعات جلالته لعام 2023 بالنسبة للمنطقة، قال العاهل الأردني إن الشعوب تود المضي قدما في حياتها وأن تشعر بوجود الفرص، مشيرا إلى أهمية التركيز على الاعتماد الاقتصادي المتبادل عوضا عن النظر إلى السياسة كحل لجميع المشاكل.
وأشار إلى أن "هذه قضايا علينا التعامل معها جميعا، أردنيين وفلسطينيين وإسرائيليين، وأعتقد أن التكامل الإقليمي سيمكننا من كسر الحواجز.
وقال جلالته "مهما كان يعتقد البعض حول دمج إسرائيل في المنطقة، بأنه أمر بالغ الأهمية، فإنه لن يتم ما لم يكن هناك مستقبل للفلسطينيين".
وتطرق جلالة الملك في إجابته إلى رفع علم فلسطين من قبل المشجعين العرب لمنتخب المغرب في كأس العالم، معتبرا أن ذلك يبين أنه ما لم يكن هناك حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، سيبقى الشارع العربي دوما متعاطفا مع القضية الفلسطينية، "ولذا علينا أن نتخذ خطوات بنّاءة بدلا من الإجراءات الهدّامة".
المغطس
وأكد العاهل الأردني أن المغطس له أهمية بالغة للمملكة وهو من منظور تاريخي ديني، يعد واحدا من أقدس ثلاثة أماكن للديانة المسيحية، على حد تعبيره.
وشدد الملك على أن "الموقع يروي قصة أوائل اللاجئين إلى الأردن، المسيح عيسى عليه السلام، وهي قصة تمتد إلى موجات اللجوء التي شهدناها في عصرنا هذا"، مضيفا "هنا كانت البدايات، وهذه رواية تحكي قصة الأردن عبر الزمان".
وأكد الملك حرصه على الحفاظ على موقع المغطس لقرون قادمة، مشيرا إلى أن ما "سيحدث في المنطقة المجاورة للمغطس سيدعم هذا الموقع التاريخي المهم، إذ سيتم إنشاء متحف لتسليط الضوء على تاريخ المسيحية، وحدائق للزهور والأعشاب والنباتات القديمة من المنطقة، ومراكز تدريب لمختلف الكنائس".
وبين الملك أن الموقع له مكانة مهمة للجميع، ويؤمه الزوار من المسلمين والمسيحيين، ما يعزز الروابط بين المسيحية والإسلام، ويحافظ على الإرث المسيحي التاريخي في الأردن.
من الأردن إلى الولايات المتحدة.. خارطة "تهريب الأحلام"
معاذ فريحات - واشنطن, ضياء عودة - إسطنبول, بلسيت إبراهيم - واشنطن
10 مارس 2025
Share on Facebook
Share on Twitter
Share on WhatsApp
شعور بـ "الحزن والندم"، وحلم انقلب إلى كابوس بالنسبة لـ "فواز" الذي وصل الحدود الأميركية برفقة ابنه (16 عاما) وشقيقه في مايو من 2024.
سُمح لهم بدخول الولايات المتحدة، والشروع في قضية لجوء.
لكن شقيقه لا يزال داخل أحد مراكز احتجاز اللاجئين في ولاية تكساس.
"لم تكن تستحق العناء"، يقول "فواز" (اسم مستعار)، في اتصال هاتفي مع موقع "الحرة"، واصفا الرحلة التي قطعها جوا وبحرا وبرا والأموال التي دفعها للمهربين.
"فواز" (47 عاما) ليس الوحيد الذي خاض هذه الرحلة ودفع آلاف الدولارات، ليصل إلى الولايات المتحدة.
وهو ليس وحده من اصطدم بواقع يختلف عن الصورة الوردية التي رسمها له المهربون عن "سهولة" الرحلة والميزات التي تنتظر المهاجر في أميركا.
المحامي الأميركي، محمد الشرنوبي، التقى خلال 2024 بالعديد من الشباب الأردنيين الذين قدموا لأميركا، مثل "فواز".
يبدو عليهم "الندم والحزن"، يقول الشرنوبي، المتخصص في قوانين الهجرة والإقامة. هم "مصدومون لرؤية واقع مغاير لما قيل لهم"، يضيف في مقابلة مع موقع "الحرة".
50 مليون دولار دفعت للمهربين
بحسب بيانات إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية (CBP)، والتي تتضمن الأشخاص غير الأميركيين الذين يعبرون الحدود أو الموانئ بشكل غير قانوني، خلال السنوات 2000 وحتى 2023 كانت أعداد الأردنيين العابرين للحدود الأميركية بالعشرات فقط.
ولكن منذ بداية 2024 وحتى منتصف يناير 2025، بلغ عدد الداخلين إلى الحدود الأميركية 4810 أشخاص، أغلبيتهم في عام 2024 بعدد تجاوز 4440 شخصا.
وعلى افتراض دفع هؤلاء لمتوسط تكلفة تبلغ 10 آلاف دولار لكل شخص للمهربين، يبلغ إجمالي المبلغ المدفوع لشبكات التهريب أكثر من 48 مليون دولار.
تقديرات "مطابقة للواقع"، بحسب المحلل الاقتصادي الأردني، مازن إرشيد.
تكاليف الرحلة لكل شخص تتراوح بين 10 آلاف إلى 15 ألف دولار، وهي تشمل "مصاريف السفر والإقامة والرسوم التي يتقاضها المهربون"، والتي تختلف بحسب مسار الرحلة، يوضح إرشيد لموقع "الحرة".
نتحدث عن مبالغ إجمالية قد تتراوح بين 50 إلى 70 مليون دولار، يقول إرشيد، دفعها الأردنيون في رحلات الهجرة غير الشرعية، والتي لو قاموا بضخها في الاقتصاد المحلي لأحدثت "تأثيرا إيجابيا".
كان بالإمكان استثمار هذه المبالغ في إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة، في مجالات التكنولوجيا أو الزراعة أو السياحة، والتي قد توفر لهم ولبقية الشباب فرص عمل، يضيف.
وثمة شائعات عن وجود بضعة آلاف من الأردنيين، إما عالقين في المكسيك أو في مراكز إيواء اللاجئين في الولايات المتحدة. وحاول موقع "الحرة" التواصل مع جهات رسمية أردنية للاستيضاح، دون رد حتى نشر هذا التحقيق.
ووفقا لبيانات إدارة الهجرة والجمارك الأميركية "ICE" صدرت أوامر نهائية بإبعاد 1660 شخصا يحملون الجنسية الأردنية من الولايات المتحدة.
ومنذ بداية حملة الاعتقالات والترحيل التي أطلقتها السلطات الأميركية بعد تسلم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لمنصبه في 20 يناير، اعتُقل 286 أردنيا في الولايات المتحدة، فيما أُبعد 219 أردنيا وفقا للوحة بيانات "ICE" حتى منتصف فبراير.
ويوجد 1270 أردنيا في مراكز احتجاز تابعة لإدارة الهجرة والجمارك، حيث يتم احتجازهم إلزاميا، قبل السماح بدخولهم لتقديم قضايا لجوء أو إعادة تسفيرهم خارج الولايات المتحدة.
مسارات التهريب.. وقرارات "غير سهلة"
نهر ريو غراندي أصبح نقطة عبور أساسية للمهاجرين غير الشرعيين للولايات المتحدة. أرشيفية - تعبيرية
على مدار أكثر من شهرين، رصد موقع "الحرة" منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي تروج لرحلات الهجرة غير الشرعية.
وتابع معدا التحقيق حسابات شبكات التهريب، التي تضم مهربين على عدة مستويات محلية ودولية، وحددا مسارات وطرق التهريب المارّة بعدة دول.
بوصلة رحلات التهريب التي تبدأ من الأردن، قد تتجه شمالا باتجاه تركيا، أو غربا باتجاه بريطانيا، ومن ثم العودة جنوبا إلى الإكوادور أو نيكاراغوا أو بنما، ومن ثم التحول شمالا مرة أخرى نحو المكسيك.
ويقطع الباحثون عن الهجرة رحلات خطرة عبر عدة مسارات جوية وبحرية وبرية، وغالبا ما تنتهي عند نهر ريو غراندي أو السور الحديدي العملاق على الحدود الأميركية.
وهناك، قد يتخلى المهرب عنك في العراء، أو قد تقع في قبضة "قطاع طرق" في الطرق البرية بالمناطق الحدودية الوعرة.
وفي نهارات الصيف الحارقة، يعتبر الحر أخطر "الحيوانات المفترسة" التي تعترض المهاجرين في البراري البعيدة.
بريطانيا محطة
وقبل أن تبدأ بريطانيا منح المواطنين الأردنيين تأشيرة الدخول الإلكترونية، في فبراير من 2024، كان عدد محدود من الأردنيين يسلك طرق التهريب.
أخذتهم تلك الطرق إلى محطات تبدأ من مطار إسطنبول إلى بنما، ثم بالتتابع نحو نيكاراغوا، هندوراس، غواتيمالا، وبعدها المكسيك ومن ثم إلى "بلاد الأحلام".
لكن بعد إتاحة هذه التأشيرة، أصبحت الطرق أكثر سهولة إذ استغلتها شبكات التهريب حتى العاشر من سبتمبر من 2024، حين ألغت السلطات البريطانية العمل بالتأشيرة الإلكترونية معللة ذلك باستمرار "تجاوزات" و"سوء استخدام".
أعلنت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين أن السفارة البريطانية في عمّان قد أبلغتها رسميًا بقرار السلطات البريطانية وقف...
فواز (اسم مستعار) يتحدث لموقع الحرة عن رحلته (تم تعديل الصوت حماية لخصوصيته)
قضى "فواز" وابنه وشقيقه يوما في لندن التي وصلوها في مايو بالطائرة.
ثم انتقلوا في رحلة بالطائرة إلى نيكاراغوا.
وبعدها تنقلوا بالسيارات حتى وصلوا إلى هندوراس، ومن هناك إلى غواتيمالا.
ثم بلغوا المكسيك ووصلوا برحلة داخلية بالطائرة إلى تيخوانا المحاذية لكاليفورنيا.
ولكي يصلوا إلى الجدار الحديدي على الحدود الأميركية، كان عليهم المشي مسافة تصل إلى 10 أميال (نحو 16 كلم). وبالفعل وصلوا وسلموا أنفسهم لضباط حرس الحدود الأميركيين.
عند بلوغه الأراضي الأميركية، يقول فواز "شعرت بأنني كنت محظوظا".
رحلتهم لم تستغرق سوى أسبوعين، بينما يقضي مهاجرون آخرون شهرا أو شهرين في الطريق.
طرق ملتوية و"أسماء مستعارة"
أوضاع اقتصادية صعبة تدفع الشباب الأردني للهجرة. أرشيفية - تعبيرية
رحلات الهجرة غير الشرعية لأميركا بشكل عام ينظمها مهربون متخصصون منذ عقود، ولكن "التأشيرة الإلكترونية لبريطانيا"، كانت كفيلة بفتح شهية الكثير من السماسرة والمهربين، قبل أن تلغى.
"البارون" و"أبو حلا" و"تيمو الغزاوي" و"سيمو" و"فردوس" و"شيماء" و"الحربي" و"هاني" و"حموش" و"السرحان" و"أبو علي المصري" و"علي زيدان" و"روهان" و"دانيال و"الدكتور" هذه أسماء مهربين وسماسرة.
جميعها أسماء مستعارة يروجون بها لمسارات تهريب عديدة.
إحدى مجموعات الترويج للتهريب، تم التضليل على بعض الأسماء في الصورة الملتقطة في يونيو 2024
معدا التحقيق تواصلا مع العديد من المهربين والسماسرة للحصول على تفاصيل الطرق التي يسلكها الشبان الأردنيون. وتم ذلك من خلال اتصالات ورسائل عبر تطبيق "واتساب".
وطلبا معلومات عن مسار الرحلات وتفاصيلها وقدما نفسيهما كباحثين عن هجرة، أو راغبَين بإخراج أقرباء من الأردن لأميركا.
"يزن" أحد أولئك السماسرة أرسل خريطة العبور بطرق غير شرعية من نيكاراغوا مرورا بالمكسيك ومن ثم إلى حدود الأخيرة مع الولايات المتحدة.
البارون من أكثر الأسماء تداولا عبر مجموعات الواتساب
وقال خلال اتصال هاتفي إن مدة الرحلة تُقدّر بين 15 و20 يوما، وتكلفتها سبعة آلاف دينار أردني (حوالي 10 آلاف دولار) للمهاجر الواحد.
يتم دفع أكثر من أربعة آلاف دولار في عمّان والباقي في المكسيك.
تقسيم دفعات الأموال، يشير إلى أن "المهربين" لا يعملون كأشخاص منفردين، بل ينشطون عبر شبكات تتوزع في الأردن وبريطانيا ونيكاراغوا والمكسيك والولايات المتحدة الأميركية أيضا.
مجموعات واتساب.. داخل أميركا وخارجها
المهاجرون يخوضون رحلات صعبة للوصول إلى حدود الولايات المتحدة . أرشيفية - تعبيرية
"حموش" اسم لأحد المهربين الذين تواصل معهم أحد معدي التحقيق، وعرض تأمين الطريق كاملا من عمّان إلى الولايات المتحدة.
بعدها قال إنهم "يقدمون خدمات VIP واستلام وتسليم في جميع المطارات". لكن ذلك لم يعكسه واقع من خاضوا تلك التجربة أو من تحدثوا لموقع "الحرة" عن الأوضاع "الحالمة" التي يرسمها المهربون خلال استعراضهم "لخدماتهم".
وحدد "حموش" تكلفة الرحلة بـ 8 آلاف دينار أردني (حوالي 11 ألف دولار) لـ "كامل الطريق".
"حموش"، الذي يدير مجموعات عبر واتساب، شرح برسائل صوتية للأعضاء في المجموعات أن المبالغ التي يطلبها، غالبيتها تذهب لصالح تغطية تكاليف حجوزات الطيران والإقامة وحتى وجبات الطعام.
أما سبب ارتفاع التكلفة أيضا هو البحث عن "طرق مُؤمّنة" من المهربين المحليين في المكسيك، على حد تعبيره.
كما حذّر أعضاء المجموعات من أن اتباع "طرق غير مؤمنة" قد يعني" أخطارا جمّة" للراغبين في الهجرة.
خلال متابعة إحدى المجموعات على واتساب، لاحظنا شابا يحمل رقم هاتف مكسيكيا يقول إنه وصل للولايات المتحدة في رحلة كانت "سهلة جدا".
وكان يحث الشباب على الهجرة، وينفي وجود أي أخطار على الطريق.
وأكد أن فرصة الهجرة قد تعني الانتقال لمستوى أفضل من الحياة. في حين تستعرض قصة "فواز" واقعا مغايرا تماما.
تواصلنا مع هذا الشاب للحديث حول تجربته، والأسباب التي دفعته للخروج.
وليكشف لنا أن اسمه الحقيقي "أ. ف." ويزعم أنه يسكن في مدينة ريتشموند بولاية فيرجينيا الأميركية.
وبعد الإلحاح عليه لإجراء مقابلة معه للحديث عن رحلته.
كشف أنه هو نفسه "حموش".
وقال إنه ليس بـ "مهرب"، إنما هو "شاب يبحث عن حياة جديدة، ويقوم بتسهيل مهمة الوصول للشباب الآخرين إلى أميركا".
ووعد "حموش" بأن يتشاور مع محاميه بشأن ما إذا كان سيتحدث للإعلام من عدمه، وبعد الحديث مع شخص يزعم أنه "محاميه" تحدث إلينا مستخدما الرقم ذاته، قال إنه سيبحث مع موكله هذا الأمر.
المحامي (المزعوم) كرر الحجة ذاتها، "أن حموش ليس بمهرب إنما شاب يدل الشباب الآخرين على تجربة رحلته من الأردن إلى أميركا"، من دون إعطاء أي تفاصيل حولها، ولم يستجب بعدها "حموش" لاتصالاتنا.
حموش من أبرز المهربين للشباب الأردنين عبر المكسيك
وأكد في إحدى مكالماته "أن الأوضاع في الأردن تدفع الشباب، وهو منهم، إلى الهجرة"، وأن ما يقدمه هو فقط "خدمة للشباب".
لكن ما وصفها بـ "الخدمة" هي بالفعل شبكة واسعة من التهريب تتضمن رحلات وعبر مسارات عدة، كل منها لا تقل تكلفتها عن بضعة آلاف من الدولارات.
مسارات متعددة بخدمات "VIP"
التأشيرة الإلكترونية لبريطانيا فتحت شهية المهربين . أرشيفية
شاب آخر كان من بين المروجين لرحلات التهريب عبر مجموعات واتساب وشبكة فيسبوك عرّف بنفسه باسم "الحربي"، وبجعبته رقم هاتف إمارتي للتواصل، تحدثنا معه، ليكشف عن مسار ثالث: عمّان- لندن – كولومبيا – بنما – نيكاراغوا.
وصف "الحربي" رحلة "خاصة" مشابهة لـ "خدمة الـ VIP" التي ذكرها حموش، تبلغ تكلفتها 7500 دينار أردني (أي ما يزيد عن 10500 دولار)، ومدتها 7 إلى 8 أيام.
وهي تشمل حجوزات الطيران بين الأردن ولندن ونيكاراغوا، وتأمين الطريق من نيكاراغوا للولايات المتحدة.
محادثة مع شخص يدعي تقديمه لخدمات حجوزات التذاكر يسهل عمليات الهجرة غير الشرعية عبر نيكاراغوا
ولدى مواجهة الحربي بطلب مقابلة رسمية لـ"الحرة" معه برسائل عبر واتساب عن تنظيمه لرحلات هجرة غير شرعية، تغيرت ردوده.
وقال: "أخي نحنا بنطلع (نخرج) من نيكاراغوا إلى تيخوانا بطريق شرعي فقط، وأيضا لحاملي الجوازات التي تؤهلهم لدخول أميركا عبر البوابات الرسمية فقط".
ولم يتمكن "موقع الحرة" من التأكد مما إذا كانت هناك شركة مسجلة بالأصل، وما وجدناه لم يتعد صفحة باسم الشركة على "فيسبوك" من دون أي تفاصيل.
ماذا بعد الدخول للولايات المتحدة؟
السلطات الأميركية رحلت ألاف المهاجرين منذ بداية العام. أرشيفية
"فواز"، الذي تحدث عن تفاصيل هجرته غير الشرعية لم يفصح عن الأسباب التي أدرجها في قضية اللجوء التي قدّمها مع ابنه.
وقال إنه تذرع "بوجود مشاكل لدي في الأردن"، وذكر مشاكل حقيقية ناجمة عن أسباب مالية دون الكشف عن أي تفاصيل إضافية.
ولم ينف فواز أن "قضية اللجوء قد تبقى عدة سنوات، يطمح من خلالها إلى ادخار ما يمكن ادخاره، ما يكفيه لإعالة عائلته في الأردن، ليعود لهم لاحقا".
"الجميع يعلم أن قضايا لجوء الأردنيين لا تقبل بالنهاية، وكل ما نحتاجه هو العمل سنتين أو ثلاث لحل مشاكلنا المالية"، يضيف.
تمثل قضايا طالبي اللجوء عموما 40 في المئة من عدد القضايا المعروضة على المحاكم في الولايات المتحدة، وهم ينتظرون في المتوسط أربع سنوات لتحديد أول جلسة استماع لهم وفق "معهد سياسة الهجرة" (إم آي بي).
المحامي الشرنوبي، الذي يتمتع بخبرة تقارب العقدين في قضايا الهجرة، يشرح أنه لا تقديم للجوء في الولايات المتحدة إلا إذا كان هناك "اضطهاد حقيقي، بسبب الجنس، أو الدين، أو رأيك السياسي، التوجه الجنسي، أو أنك تعاني من التعذيب، أو تنتمي لمجموعة مقموعة داخل المجتمع".
والمعايير السابقة لا تنطبق على الأردنيين، وفق تعبيره.
ولذلك يتم "رفض" دعاوى لجوئهم، فغالبية القصص التي يتم التقديم بموجبها ويتم رفضها بأن شخص أردني مسلم "أحب فتاة مسيحية، أو شاب مسيحي أحب مسلمة، ويعاني من اضطهاد أهلها له، أو كانت لديه مشكلة مع أحد أقربائه"يضيف الشرنوبي.
أردنيون في طريقهم من نيكاراغوا إلى هندوراس أرسلوها عبر مجموعات واتساب
وينفي الشرنوبي، ما أورده بعض الأشخاص الذين تحدث معهم موقع "الحرة" عن إمكانية الحصول على تصريح للعمل مباشرة على عكس ما يروج له المهربون.
"على فرض السماح بدخولك لتقديم قضية لجوء، لا تعني تقديمك لتصريح العمل مباشرة"، يوضّح.
"قد تقضي أكثر من ثمانية أشهر قبل الحصول على تصريح" يخوّلك العمل.
هل حقق فواز "حلمه" في "أرض الأحلام"؟
مهاجرون يحلمون بحياة أفضل في الولايات المتحدة. أرشيفية - تعبيرية
وبعد تحقيق حلمه بالوصول للأراضي الأميركية، يصف فواز حالته وكأنه يعيش "في سجن كبير".
وأكد أنه مع تسجيله لقضية لجوء فإنه ليس بإمكانه العمل مباشرة، كما يدعي المهربون.
"المصاريف المالية هنا كارثية"، يقول فواز.
وبدلا من ادخاره المال أصبحت عليه ديون "تقارب الـ 10 آلاف دولار" خلال حوالي شهرين، ناهيك عن فراق زوجته وأطفاله الأربعة الآخرين الذين تركهم خلفه في الأردن.
"الأردن دولة آمنة، سالمة.. ولهذا اللجوء لمواطنيها للولايات المتحدة من أصعب قضايا اللجوء التي تقدم في أميركا"، على ما يشير الشرنوبي.
"احذر، احذر" قبل إقدامك على الانخراط في رحلة للجوء إذا لم تكن لديك أسباب حقيقية، ينبّه الشباب القادمين من الشرق الأوسط.
فطريق رحلة الهجرة "مليء بالمخاطر".
إذ سُجّلت حالات "قتل" لمهاجرين قادمين عبر دول أميركا الجنوبية، وهناك "إصابات لأردنيين في هذه الرحلات"، بحسب الشرنوبي.
إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية (CBP) حذرت الراغبين بعبور مسارات الهجرة غير الشرعية للولايات المتحدة، أنهم قد يكونون "غير مؤهلين للحصول على اللجوء، في حال غياب الظروف القاهرة الاستثنائية" بموجب الأمر التنفيذي، الذي أصدرته إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، في يونيو الماضي.
وقالت في رد على استفسارات موقع "الحرة" إن "المهاجرين قد يواجهون عواقب وخيمة، بما في ذلك الترحيل من الولايات المتحدة، أو المنع من دخولها مدة خمس سنوات، أو حتى عقوبات جنائية تبقى في سجلاتهم".
ولم تفلح محاولاتنا لحصول على رد من إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE).
وكان الرئيس ترامب قد تعهد بترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين الموجودين في الولايات المتحدة.
ومنذ توليه منصبه في 20 يناير، زاد عدد المهاجرين الذين ترحلهم الولايات المتحدة إلى أميركا اللاتينية، عبر وسائل منها استخدام الطائرات العسكرية لرحلات الإعادة إلى الوطن.
ولم يتلق "موقع الحرة" أي رد من السفارة الأردنية لدى واشنطن أو الخارجية الأردنية أو المتحدث باسم الحكومة الأردنية عن استفسارات أرسلت لهم عبر البريد الإلكتروني وبرسائل ومحاولة الاتصال بهم حتى موعد نشر هذا التحقيق.