أسفر الاشتباك عن "مقتل اثنين من المهربين، وإصابة آخرين وتراجعهم إلى داخل العمق السوري"
أسفر الاشتباك عن "مقتل اثنين من المهربين، وإصابة آخرين وتراجعهم إلى داخل العمق السوري"

صرح مصدر في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية أن المنطقة العسكرية الشرقية وبالتنسيق مع الأجهزة الأمنية العسكرية وإدارة مكافحة المخدرات أحبطت مساء الخميس، وضمن منطقة مسؤوليتها، محاولة تسلل وتهريب كميات كبيرة من المواد المخدرة قادمة من الأراضي السورية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الأردنية "بترا".

وأسفر الاشتباك عن "مقتل اثنين من المهربين، وإصابة آخرين وتراجعهم إلى داخل العمق السوري، وضبط عدد من الأسلحة، وتم تحويل المضبوطات إلى الجهات المختصة"، بحسب الوكالة الأردنية الرسمية.

وذكرت "بترا" أن المصدر أكد أن "القوات المسلحة الأردنية تسخر جميع القدرات والإمكانيات للضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه العبث بالأمن الوطني الأردني"، حسب قوله.

وأتى هذا الإعلان بعد يوم من الكشف عن منع محاولة تهريب أسلحة إلى المملكة، أُرسلت من قبل ميليشيات مدعومة من إحدى الدول إلى خلية في الأردن".

ونقلت "بترا" عن مصدر مسؤول لم تكشف هويته، الأربعاء، أن الأسلحة "صودرت عند اعتقال أعضاء الخلية، وهم أردنيون، في أواخر مارس الماضي"، مشيرا إلى أن التحقيقات والعمليات ما زالت جارية لكشف المزيد المتعلق بهذه العملية.

وكان مصدران أردنيان مطلعان قالا لرويترز، في وقت سابق الأربعاء، إن الأردن أحبط مؤامرة يشتبه أن إيران تقف خلفها لتهريب أسلحة إلى أراضيه، وذلك لمساعدة معارضين للحكم الملكي على تنفيذ أعمال تخريبية.

وأوضح المصدران للوكالة أن الأسلحة أرسلتها فصائل في سوريا مدعومة من إيران إلى خلية تابعة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن، لها صلات بالجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس). 

وأضافا أنه تم ضبط الأسلحة عندما ألقي القبض على أعضاء في الخلية، وهم أردنيون من أصول فلسطينية، في أواخر مارس.

ويتصدى الجيش الأردني لعمليات تسلل وتهريب أسلحة ومخدرات، لا سيما حبوب الكبتاغون، برا من سوريا التي تشهد منذ عام 2011 نزاعا داميا تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص، وألحق دمارا هائلا وأدى إلى نزوح وتشريد ملايين السكان داخل البلاد وخارجها.

وقتل الجيش الأردني ثلاثة مهربين في السابع من فبراير، كما قتل خمسة مهربين واعتقل 15 آخرين في السادس من يناير.

وفي 18 ديسمبر الماضي، اعتقل الجيش الأردني تسعة مهربين بحوزتهم مخدرات وأسلحة متنوعة بعد اشتباكات على الحدود مع سوريا أوقعت إصابات في صفوف حرس الحدود الأردنيين.

كما وقعت ثلاثة اشتباكات مماثلة في الشهر ذاته أدى احدها إلى مقتل عنصر في حرس الحدود الأردنيين واصابة آخر ومقتل عدد من المهربين، فيما أسفر الآخران عن مقتل أربعة مهربين وإصابة آخرين.

ويقول الأردن الذي يستضيف نحو 1.6 مليون لاجئ سوري، إن عمليات التهريب هذه باتت "منظمة" وتستخدم فيها أحيانا طائرات مسيّرة وتحظى بحماية مجموعات مسلحة، ما دفع الأردن إلى استخدام سلاح الجو مرارا لضرب هذه المجموعات وإسقاط طائراتها المسيرة.

وصناعة الكبتاغون ليست جديدة في المنطقة، وتُعدّ سوريا المصدر الأبرز لتلك المادة منذ ما قبل اندلاع الحرب عام 2011. إلا أن النزاع جعل تصنيعها أكثر رواجا واستخداما وتصديرا.

الإخوان المسلمين في الأردن

بينما كان خالد مشعل، المسؤول في حركة حماس، يتجول في شوارع العاصمة الأردنية عمّان، اقترب منه عناصر من الموساد ونجحوا في حقنه بمادة سامة. كان ذلك في العام ١٩٩٧، وتسببت تلك العملية بأزمة ديبلوماسية كبيرة بين الأردن وإسرائيل، وطالب ملك الأردن، الراحل الحسين بن طلال، إسرائيل بتوفير الترياق المضاد للمادة السامة.

هددت العملية معاهدة السلام بين الأردن وإسرائيل، ما دفع الرئيس الأميركي، بيل كلينتون، للتدخل والضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي أرسل رئيس الموساد إلى عمان ومعه الترياق الذي أنقذ حياة مشعل.

هذه الحادثة المدهشة في تفاصيلها "البوليسية" لها دلالة كبيرة لما كانت عليه علاقة النظام الأردني بحركة حماس، التي مرت بفترات متذبذبة طوال عقود، ولا تزال تحمل إشكالياتها المتصلة بالواقع الداخلي الأردني حتى اليوم، مع التداخل الاجتماعي والسياسي وحتى الأمني بين الإخوان المسلمين في الأردن وحركة حماس في غزة والضفة الغربية.

وإذا كانت حادثة "السم والترياق" تكشف عن حرص النظام الأردني على عدم السماح لإسرائيل باستخدام الأردن منصة للعمليات الأمنية ضد القيادات الفلسطينية، فإن حوادث لاحقة منذ التسعينيات وحتى اليوم، تكشف عن الموقف الصارم للنظام الهاشمي في منع استخدام الأراضي الأردنية في أي أعمال أمنية أو عسكرية ضدّ إسرائيل. 

وفي الحالين، يحضر السم، ويحضر الترياق.

ماذا يحدث اليوم؟

في وقت تتراجع فيه جبهات المواجهة بين محور إيران وحلفائها من جهة وإسرائيل وحلفائها من جهة أخرى، في لبنان وسوريا واليمن والعراق وقطاع غزة، وفي وقت تخسر فيه إيران أوراقها الإقليمية واحدة تلو الأخرى، يبدو أن العيون تتجه إلى الأردن كمسرح جديد يحاول المحور الإيراني استخدامه، وهذه المرة من بوابة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي تأسست قبل ما يقارب ثمانية عقود في الأردن، وتحديداً في نهاية العام ١٩٤٥، امتداداً لحركة الاخوان المسلمين المصرية.

السلطات الأمنية الأردنية كشفت "إحباط مخططات خلية لتصنيع الصواريخ تضم 16 عنصرا"، كانت "تهدف إلى المساس بالأمن الوطني وإثارة الفوضى والتخريب المادي"، بينهم أعضاء على صلة بجماعة الإخوان المسلمين. 

وكشفت الاعترافات أيضا، عن تلقي الخلية تدريبات في لبنان، كما نقلت وسائل إعلام لبنانية عن معطيات أن حركة حماس هي التي قامت بتدريب عناصر الخلية في لبنان.

تاريخ العلاقة بالمسألة الفلسطينية

علاقة إخوان مصر بالمسألة الفلسطينية تعود إلى العام ١٩٣٦، كما يشرح الباحث الأردني إبراهيم غرايبة في كتابه "من الدعوة إلى السياسة: الإخوان المسلمون في الأردن، تاريخهم وأفكارهم"، وقد عمل الإخوان على دعم الفلسطينيين من خلال الدعاية والإعلام، جمع التبرعات، وتنظيم التظاهرات. أما الإخوان المسلمون في الأردن فقد انخرطوا في العمل العسكري في العام ١٩٤٨ ضد إسرائيل، وأرسل إخوان الأردن ١٢٠ مقاتلا، قتل بعضهم في المعارك مع العصابات الصهيونية قبل إعلان دولة إسرائيل.

تتواجد مجموعات الاخوان المسلمين المتفرعة من الأصل المصري في دول عربية عدة كما في تونس وسوريا ولبنان والأردن وقطر بالإضافة إلى قطاع غزة مع حضور خجول في العراق، فيما تحظر دول عربية أخرى، أكثرها خليجية، الجماعة وتضعها على لوائح الإرهاب، كما هي الحال مع الإمارات العربية المتحدة. 

وقام الأردن فعلياً بحل تنظيم الإخوان المسلمين في العام ٢٠٢٠، لكنه سمح له بخوض الانتخابات بجناح سياسي هو حزب جبهة العمل الإسلامي، وقد حصد ٣١ مقعداً من أصل ١٣٨ في البرلمان الحالي.

لكن الكشف عن الخلية يشكل نقطة تحول في علاقة هذا الحزب بمؤسسات الدولة، وهي العلاقة التي كانت تاريخياً ملتبسة ومرّت في فترات من التوتر، لكن هذه العلاقة بقيت استثناءً بالمقارنة مع العلاقة بين الإخوان والأنظمة الحاكمة في المنطقة. 

فمنذ الخمسينيات وحتى التسعينيات، كانت الجماعة حليفة للنظام الهاشمي، ووقفت إلى جانبه في مواجهة التيارات القومية واليسارية، في وقت كانت فيه أنظمة عربية أخرى تشنّ حرباً مفتوحة على الجماعة.

يؤكد الباحث إبراهيم غرايبة أن الجماعة "مرّت في علاقتها مع النظام بمراحل متعددة، ومن أبرزها التحالف السياسي مع السلطة ومواجهة المد القومي واليساري بين عامي 1954 و1970"​.

وفي السبعينيات والثمانينيات، لعب الإخوان دوراً محورياً في دعم استقرار الدولة بمواجهة التنظيمات الفلسطينية المسلحة، كما أن المجتمع الأردني المحافظ ساهم في "تسهيل العلاقة مع الإخوان وتعزيز موقعهم الاجتماعي والسياسي"​

ولادة حماس من رحم إخوان الأردن

ظهر لاحقًا تيار إسلامي فلسطيني أكثر تشددًا، تمثّل في حركة حماس، التي يؤكد غرايبة أنها "انبثقت من رحم الإخوان المسلمين الأردنيين"، وأن "تاريخ حماس في الحقيقة هو استمرار لتاريخ الإخوان في الأردن وفلسطين"​. وبعد ظهور "حماس" بدأت علاقة إخوان الأردن بالنظام تتذبذب.

في التسعينيات، كشفت الأجهزة الأمنية الأردنية عن نشاطات عسكرية لحركة "حماس" داخل الأردن، وألقت القبض على عدد من نشطاء الحركة، كان بعضهم من المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، لكن "قيادة الجماعة أنكرت بدايةً علاقتها بهذه النشاطات"، على ما يشرح غرايبة، إلا أن "سلسلة من المفاجآت الأمنية لاحقاً بيّنت أن العشرات من أعضاء الجماعة الأردنية كانوا منخرطين في "حماس" دون علم القيادة".

ويضيف غرايبة: "هذا الوضع أدّى إلى أزمة تنظيمية داخل الجماعة الأردنية، ونشأ جدال مرير بين قياداتها: فبعضهم كان يؤيد تغطية ودعم "حماس" حتى دون علم القيادة، بينما طالب آخرون بالفصل التام بين الجماعتين". وهذا الخلاف تم تأجيل معالجته مراراً، ليبقى معلقاً إلى المستقبل دون مواجهة حاسمة، بحسب غرايبة.

ولا تحيد قضية إلقاء القبض اليوم على مجموعة مسلحة من الإخوان المسلمين تعمل على تصنيع الصواريخ والتحضير لإطلاقها من الأردن، عن هذا التداخل التاريخي بين الإخوان المسلمين في الأردن وحركة حماس في غزة.

بل إن معظم الدول التي يتواجد فيها تنظيمات تابعة للإخوان، تحاول خلق بيئة آمنة لعمل "حماس"، أو دعمها بالمال والسلاح أو بالتدريب او بالإيواء، والسماح لقياداتها في العيش في هذه الدول. 

وفي حين ينجح الإخوان في استثمار البيئات الآمنة في بعض البلدان، يفشلون في أخرى. وبحسب المفكر والباحث العراقي رحيم أبو رغيف، فإن "لكل بلد خصوصيته، وكل تنظيم تابع للإخوان يتخذ الشكل الذي يناسب البلد الموجود فيه".

ويعتقد أبو رغيف، في مقابلة سابقة مع موقع "الحرة" ومنصة "ارفع صوتك"، أن "ما يحدث في غزة ليس قادراً وحده على إعادة إحياء الإخوان المسلمين (في العراق وفي بلدان أخرى)"، مشيراً إلى أن "من ينتشل الإخوان هي ولاية الفقيه الإيرانية، والولي الفقيه في إيران علي خامنئي يهتم بإدامة زخم وجود الإخوان. وكتب سيد قطب لا تزال تطبع حتى اليوم على نفقة المكتب الخاص للسيد خامنئي".

يشير غرايبة في كتابه إلى أن الجماعة شهدت خلال العقود الأخيرة انشقاقات متعددة، بعضها على خلفية الهوية السياسية والاجتماعية، حيث "خرج الملتزمون بالعمل ضمن التقاليد، وغالباً من أصول شرق أردنية، بينما بقي الجناح الأقرب إلى حماس، وهم في الأغلب من أصول فلسطينية"​.

كما أن تراجع التمثيل السياسي للإخوان في الحياة البرلمانية والنقابية ساهم في دفع البعض منهم إلى خيارات أكثر تشددًا، أو على الأقل إلى الاقتراب من خطابات ذات طابع مقاوم تتماهى مع "حماس" و"حزب الله".

هجوم أكتوبر ٢٠٢٣ وتبدّل الأحوال

حرب غزة الأخيرة (2023)، التي اندلعت بعد هجوم حركة حماس على إسرائيل، كانت نقطة تحوّل مهمة، إذ أظهرت تصريحات ونشاطات شخصيات محسوبة على الجماعة مواقف أقرب إلى محور "المقاومة" المدعوم من إيران، وبرزت مؤشرات تقارب مع "حزب الله"، وهي علاقة كانت دائماً موضع تجاذب داخل الحركة الأردنية، لا سيما مع تصاعد النفور الشعبي الأردني من المشروع الإيراني في الإقليم. 

ولم يقتصر الأمر على الأردن، بل انعكس في لبنان مشاركة لقوات الفجر- الذراع العسكري للجماعة الإسلامية في لبنان (الإخوان المسلمين) - في عملية "إسناد غزة" كما سماها "حزب الله". وقد استهدفت إسرائيل في هذا السياق مجموعة من القيادات التابعة للجماعة الإسلامية اللبنانية في بيروت وفي مدينة صيدا الجنوبية.

تكشف اعترافات الخلية المؤلفة من ١٦ شخصاً تتهمهم السلطات الأردنية بالانتماء للإخوان المسلمين، عن تلقيهم التمويل والتدريب في لبنان وأنهم خططوا لشن هجمات على داخل المملكة باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة. لكن جماعة الإخوان المسلمين نفت، في بيان عبر حزبها جبهة العمل الإسلامي، صلتها بهذه الخلية، وأن ما أعلنته الحكومة "هي أعمال فردية على خلفية دعم المقاومة الفلسطينية لا علم لنا بها ولا صلة".