نحو 40 ألف قتيل فلسطيني منذ بدء الحرب في غزة
نحو 40 ألف قتيل فلسطيني منذ بدء الحرب في غزة

في المملكة الأردنية، يحمل نصف السكان تقريبًا جذورا فلسطينية، ومع الحرب المستمرة منذ نحو 9 أشهر في قطاع غزة، تحدث كثيرون منهم عن المعاناة التي يواجهونها في ظل صعوبة الاطمئنان على الأقارب الذين يعيشون على بعد نحو 90 ميلا فقط، في القطاع الذي تدمره الحرب وتهدده المجاعة.

جلس تاجر الخردة أحمد أبو فارس (63 عاما)، على مقعد بلاستيكي رخيص في منطقة الوحدات بالعاصمة الأردنية عمّان، وظهرت عليه علامات الراحة لأول مرة منذ أسابيع، بعدما تلقى مكالمة هاتفية للتو من أخته الكبرى في غزة.

وقال في تصريحات لصحيفة "غارديان" البريطانية، إن هذه المكالمة القصيرة، "تعد إنجازا"، مضيفا: "لقد كانت طويلة بما يكفي لأعرف أنها بأمان مع أطفالها".

وتابع: "حينما قُصف منزلهم وقتلت اثنتان من بنات أختي، لم أعرف ذلك إلا بعد مرور أسبوعين. كنت أشعر بالذعر كلما رن هاتفي. كل مرة، الشعور هو الرعب والخوف. أشعر بتحسن الآن، قالت لي إنهم جميعا متعبون، لكن بخير".

ويعيش أبو فارس في حي الوحدات الذي تقطنه أغلبية فلسطينية، وقد وصل إليه لاجئًا عام 1967.

وحسب تقرير "غارديان"، فإن وضعه شبيه لما يعانيه الكثيرون في المنطقة، الذين تحدثوا عن مقتل وإصابة أقارب لهم في غزة.

واندلعت الحرب في قطاع غزة، إثر هجوم حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) غير المسبوق على إسرائيل في السابع من أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل بـ"القضاء على حماس"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أُتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل أكثر من 38 ألف فلسطيني، معظمهم نساء وأطفال، وفق ما أعلنته السلطات الصحية بالقطاع.

مكالمة ناجحة.. بعد 50 محاولة

كانت منطقة الوحدات مخيما للاجئين في البداية، حيث تم توفير مأوى للفلسطينيين الذين أجبروا على الفرار إلى الأردن خلال الحروب التي تبعت إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، ووصل المزيد منهم بعد احتلال إسرائيل لغزة والضفة الغربية عام 1967.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليوني فلسطيني مسجلين كلاجئين في الأردن. ويُعتقد أن نصف سكان المملكة الهاشمية البالغ عددهم 11 مليون نسمة، لديهم جذور فلسطينية، ومن بينهم الملكة رانيا، زوجة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني.

ويحمل العديد من هؤلاء اللاجئن الجنسية الأردنية، لكن كثيرين ممن وصلوا في العقود الأخيرة لا يحملونها، ويحتفظ جميع هؤلاء بروابط عائلية قوية مع الفلسطينيين خارج الأردن، سواء داخل إسرائيل أو في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

مخاوف من استغلال الاحتجاجات من أطراف خارجية. أرشيفية
حرب غزة تؤجج غضب الأردنيين.. تحولات في مشهد التظاهرات واتهامات لأياد خفية
مع استمرار الاحتجاجات التي تخرج يوميا بالقرب من السفارة الإسرائيلية في عمان للمطالبة بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل والإعراب عن الدعم لغزة والفلسطينيين، طفى إلى السطح نوعا من الجدل والاتهامات المتبادلة.

وواصل أبو فارس حديثه، لغارديان، قائلا: "كل فرد في المخيم تقريبا لديه شخص قتل في غزة، ولا يوجد ما يمكننا فعله. هم جياع هناك، ونعلم ذلك، لكن ما الذي يمكن فعله؟ يمكننا فقط الاتصال بهم، ومن بين 50 محاولة تنجح مكالمة واحدة".

ومنذ بداية الحرب في غزة، في أكتوبر عام 2023، تخرج تظاهرات في الأردن بشكل أسبوعي ويومي في بعض الأشهر، والتي تحمل شعارات داعمة للفلسطينيين وتندد بما يحصل في غزة.

مطالبات بالمزيد

يرفع المتظاهرون الذين يتجمعون بشكل يومي قرب مسجد الكالوتي في منطقة الرابية غربي عمان، على بعد حوالي كيلومتر واحد من السفارة الإسرائيلية، وسط إجراءات أمنية مشددة، أعلاما أردنية وفلسطينية، ولافتات كتب عليها "الشعب ضد التطبيع"، و"الشعب يريد إسقاط معاهدة السلام مع إسرائيل"، التي وقعت بين البلدين عام 1994، ويطلق عليها اسم معاهدة وادي عربة، وفق غارديان.

وقال الشاب من الوحدات، محمد قريوتي (30 عاما)، للصحيفة: "نتابع الأخبار القادمة من غزة 24 ساعة يوميا طوال الأسبوع. لدينا جميعا نفس المشاعر، لكن نحن أشخاص عاديون لا يمكننا فعل شيء. الأمر بيد الله ومن في السلطة".

من جانبه، قال المستشار الأكاديمي في معهد السياسة والمجتمع في عمّان، محمد أبو رمان، للصحيفة البريطانية: "اجتماعيا، لدينا مشكلة، وهي مسألة الهوية التي ترتبط بشكل وثيق بالقضية الفلسطينية. نصف سكان الأردن فلسطينيون.. الأغلبية يعتقد بأنهم أردنيون أيضا، لكنهم مرتبطين بدرجة كبيرة جدا بفلسطين".

وأشار التقرير إلى أن "العديد من الأردنيين الفلسطينيين أدركوا هويتهم المزدوجة بشكل جديد منذ بداية الحرب في غزة"، حيث قال أحد النشطاء في عمّان، والذي رفض الكشف عن هويته خوفا على أمنه: "أنا فلسطيني الأصل، وأشعر أن عليّ فعل شيء ما. جعلني هذا الصراع أشعر أنني أكثر وعيًا بهويتي الفلسطينية".

وأضاف لغارديان: "أشعر أن الأردن مهم جدا في الصراع. لدينا حدود كبيرة مع إسرائيل وعلاقات اقتصادية أيضًا، لكن ذلك يعني أن علينا فعل المزيد لا الأقل".

الأردني المسجون في قطر عبد الله إبحيص
الأردني المسجون في قطر عبد الله إبحيص

عاد الحديث عن قضية المدير الإعلامي لمونديال 2022، عبدالله إبحيص، إلى دائرة الضوء مؤخرا، بعد أن خلُصت لجنة تابعة لـ"الأمم المتحدة" إلى أنّ قطر تحتجزه بشكل تعسفي منذ قرابة 3 سنوات، مما دعا 3 مؤسسات حقوقية دولية، الأربعاء، إلى المطالبة بالإفراج الفوري عنه، قبل نهاية مدة سجنه المقررة في أكتوبر المقبل. 

وتعود القصة إلى أغسطس 2019، حين نظمت مجموعة كبيرة من العمال المهاجرين المقيمين في معسكر العمال بالشحانية إضرابا احتجاجا على عدم حصولهم على أجورهم، وقتها قدّم إبحيص إلى زملائه في اللجنة العليا أدلّة على أنّ بعض هؤلاء العمال شاركوا في بناء ملاعب لكأس العالم 2022، ونصحهم بالاعتراف علنا بمساهمة العمّال والتركيز على معالجة الوضع.

وقال إبحيص لأحد زملائه الكبار في إحدى الرسائل إن الكذب ليس أسلوبا قطريّا وينبغي ألا يكون كذلك. لكن بعد أسابيع، في نوفمبر 2019، قدّم منظمو كأس العالم في قطر تقريرا إلى الشرطة زعموا فيه أنّ إبحيص متورّط في رشوة بقصد الإضرار بأمن الدولة.

تعتبر الناشطة الحقوقية الأردنية، مديرة مركز العدل للمساعدة القانونية، هديل عبد العزيز، في حديثها مع موقع "الحرة" أن "المشكلة أنه تم إدانته ليس بسبب التبليغ عن الانتهاكات ولكن في تهمة رشوة، وهذا شيء شائع جدا، إذ كثيرا ما نصادف استخدام القانون من أجل قمع حرية التعبير ومن أجل معاقبة من يتحدى السلطات، وبهذه الطريقة تؤسس الدولة لثقافة الخوف والرقابة الذاتية". 

طلب إبحيص دعما من الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" من خلال منصّتها للتبليغ عن المخالفات في سبتمبر 2021. وفي نوفمبر 2021، صرّح الفيفا أنّ "كلّ شخص يستحق محاكمة عادلة"، وقال إنه "سيستمر في متابعة الأمر عن كثب"، لكنه لم يلتزم بمساندة إبحيص بأكثر من ذلك، بحسب منظمات حقوقية. 

وتولّى "فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي" القضيّة بعد أن تقدّمت عائلت إبحيص بطلب في ديسمبر 2022 زعمت فيه أنّ إبحيص مسجون تعسفيا، على أساس محاكمة جائرة بشكل واضح.

وفي قرار رسميّ أعلن عنه في وقت سابق من يوليو 2024، نشر الفريق العامل التابع للأمم المتحدة رأيا من 13 صفحة بشأن القضيّة، خلُص فيه إلى غياب أي سند قانوني لاحتجازه، وإلى أنّ حرمانه من حريته كان نتيجة لممارسته حقوقه.

كما خلص الفريق إلى وجود انتهاكات متعددة لحقه في محاكمة عادلة، منها رفض التحقيق في ادعاءاته أنه اعترف تحت الإكراه، وحرمانه من المساعدة القانونيّة ومن حق الاطلاع على الأدلّة.

مُنحت الحكومة القطريّة شهرين للردّ على الفريق العامل والطعن في مزاعمه الخطيرة، لكنها لم تردّ. ودعا الفريق العامل الحكومة القطريّة إلى "الإفراج عن السيد إبحيص وتمكينه من حق قابل للتنفيذ في التعويض وغيره من أشكال الجبر، وفقا للقانون الدولي".

وتشدد عبد العزيز في حديثها مع موقع "الحرة" على أن عدم الرد السلطات القطرية "يعتبر قانونا إقرارا بما ورد في التقرير بما أنها لم تطعن عليه"، مضيفة أنه "طالما صار هناك تحقيق مستقل من مؤسسة أممية بات من غير المقبول أنهم يستمروا باحتجاز هذا الشاب، وليس من مصلحة قطر اليوم أن تتجاهل التحقيق الأممي". 

والأربعاء، قالت منظمات "فير سكوير" و"العفو الدوليّة" و"هيومن رايتس ووتش" إنّ على السلطات القطريّة أن تفرج فورا عن إبحيص. 

ونشرت "فير سكوير" رسالة من عائلة إبحيص، اتهمت فيها الاتحاد الدولي لكرة القدم بـ "اللامبالاة القاسية" لتجاهله القضية.

وقال نيك ماكغهين، المدير في المنظمة، التي تابعت القضيّة من البداية: "تخلّى الفيفا عن إبحيص قبل شهر من كأس العالم في قطر، رغم الأدلّة الواضحة على أنه يخضع لمحاكمة جائرة بعد ملاحقة حرّض عليها شركاء الفيفا القطريون. هذا القرار القويّ يجب أن يدفعهم إلى التحرّك والدعوة علنا إلى إطلاق سراحه والسماح له بالعودة إلى عائلته اليافعة".

ومن المقرّر إطلاق سراح إبحيص، وهو أب لصبيَّيْن، في أكتوبر 2024، لكن بما أنّ المحكمة فرضت عليه غرامة بالإضافة إلى السَّجن، فيُمكن تمديد العقوبة إلى أبريل 2025 إذا لم يتمكن من الدفع.

وقالت عبد العزيز: "طالما أن الموضوع ضمن تحقيق مستقل من جهة فنية صاحبة اختصاص، وهي الأمم المتحدة، وجدت أنه لم تتوفر ضمانات المحاكمة العادلة، فهذا مؤشر سلبي يلقي بظلاله على كل عدالة النظام القضائي في قطر". 

وصرّحت هيومن رايتس ووتش أنّ الإدعاء لم يقدّم أيّ أدلة ذات مصداقيّة على ارتكابه أيّ جريمة. بينما أكّدت محكمة الاستئناف أنّ الدليل الوحيد الذي استندت إليه هو اعترافه، الذي تراجع عنه في المحكمة، قائلا إنّه انتُزع منه تحت التهديد والإكراه.

ووصفت منظمة العفو الدولية المحاكمة بالجائرة، ودعت إلى التحقيق بشكل مستقلّ في المزاعم المتعلقة بتعرّض إبحيص للتهديد، والإكراه على الإدلاء باعترافات تدينه.

وقالت آية مجذوب، نائبة المديرة الإقليمية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدوليّة: "أكّد الفريق العامل التابع للأمم المتحدة بشكل قاطع ما دأب الكثيرون منا على قوله منذ سنوات، وهو أنّ السلطات القطريّة تأخرت كثيرا في الإفراج عن عبد الله إبحيص وإسقاط إدانته وضمان حقه في الحصول على الإنصاف الفعال الذي يشمل التعويض المناسب. كل ما يتعلّق بهذه المحنة، من غياب الإجراءات القانونيّة الواجبة والحرمان من الزيارات العائليّة إلى استخدام الاعتراف القسري، يُمثل استهزاءً بالعدالة، ويجب إنهاؤه فورا".

وأكدت عبد العزيز أنه "يجب على قطر أن تأخذ تقرير اللجنة الأممية على محمل الجد وتخلي سبيله دون أي تأخير وتعترف بأنها أوقفته بطريقة غير مشروعة، وبالتالي يستحق تعويضا عن فترة اعتقاله". 

ويتمتّع فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي بصلاحية التحقيق في حالات الحرمان من الحريّة المفروضة تعسفا أو بشكل لا يتوافق مع المعايير الدوليّة المنصوص عليها في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" أو الآليات القانونيّة الدوليّة التي قبلتها الدول المعنيّة. يتكوّن الفريق العامل من 5 خبراء مستقلين يعكسون تمثيلا جغرافيا متوازنا، يحققون في الحالات الفرديّة ويُعدّون تقارير وآراء في إطار ولايتهم.

وقالت مينكي ووردن، مديرة المبادرات العالميّة في هيومن رايتس ووتش: "ثمة دلالة كبيرة لعدم استجابة السلطات القطريّة لقرار الفريق العامل الأممي بشأن انتهاكات حقوق المحاكمة العادلة التي طالت عبد الله إبحيص. واجه إبحيص الانتقام لمجرّد التعبير عن مخاوف من انتهاكات واسعة وموثّقة جيدا بحق العمال المهاجرين، مثل تأخير صرف الأجور. على السلطات القطريّة إطلاق سراحه فورا وتعويضه عن الاضطهاد الجائر الذي تعرّض له".

وتطالب عبد العزيز الدول العربية بالبدء في الاهتمام بحماية المبلغين عن أي شبهات للانتهاكات، خاصة من من المؤسسات العامة، مشيرة إلى أن "هذه هي الطريقة الوحيدة حتى ترتقي الدول العربية"، موضحة أن "من يبلغ عن الانتهاكات هو في النهاية يحمي المنظومة التي تعزز الحريات والتنمية والرقي وتطور البلاد".