الفصائل المناهضة لنظام الأسد سيطرت على معظم مدينة حلب (AFP)
متظاهرون في مدينة حلب مزقوا لافتة للرئيس بشار الأسد في وقت سابق (فرانس برس)

أثارت التطورات المتسارعة في مدينة حلب شمال غرب سوريا الكثير من التساؤلات بشأن النزاع السوري وعودته للواجهة من جديد، لكن السؤال الأبرز الذي جرى تداوله على منصات التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين كان يتعلق بالرئيس السوري إذ يتساءل كثيرون: أين بشار الأسد في خضم هذه التطورات التي تشهدها البلاد؟

منذ أن بدأ الصراع الأخير حول حلب، ثاني كبرى مدن البلاد، يوم الأربعاء ولغاية إعلان فصائل المعارضة السيطرة على أجزاء واسعة من المدينة، السبت، لم يظهر الرئيس الأسد أو يدلي بتصريحات بشأن ما يجري.

واكتفت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بالإشارة إلى أن مجلس الوزراء عقد اجتماعا لمتابعة تطورات الأوضاع الميدانية في محافظة حلب وبحث السبل الممكنة للاستمرار بتقديم الخدمات للمواطنين والتأكيد على ثقة مؤسسات الدولة بالجيش السوري.

وأكد المجلس على "استمرار التنسيق الواسع بين المحافظين والمسؤولين العسكريين في حلب لاتخاذ أي إجراءات مطلوبة لضمان أمن وسلامة المواطنين".

وشنّت هيئة تحرير الشام التي عرفت سابقا بجبهة النصرة، وهي تنظيم جهادي كان مرتبطا بالقاعدة، إضافة الى فصائل أخرى معارضة متحالفة معها، هجوما على مناطق تسيطر عليها الحكومة السورية في محافظتي حلب (شمال) وإدلب المحاذية لها (شمال غرب).

وسيطرت هذه الفصائل المناهضة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، على معظم مدينة حلب والعديد من القرى والبلدات في الشمال السوري، على ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان السبت.

على صفحته في فيسبوك كتب الباحث السوري في الشأن القانوني فراس الحاج يحيى: "هذا الانهيار الكبير في صفوف قوات الأسد وعدم التدخل جوا، ونأي روسيا بنفسها هل لديكم تفسيرات له؟!".

بدوره قال الناشط بن سعيد على منصة "إكس" إن "بشار رئيس الأسد لا يعول عليه بحماية أراضيه ومحتاج فلان وفلتان وسعدان ..6 سنوات وأكثر منذ إيقاف الحرب ولم يستطع بناء منظومة دفاعية مثل ربع الحزب والحـ. وثي".

 

وتساءل آخرون عن سبب عدم استعداد نظام الرئيس الأسد لمواجهة أي تهديدات محتملة من قبل قوات المعارضة.

 

 

وكانت حلب قد عادت لسيطرة القوات السورية بالكامل في نهاية عام 2016 بعد معارك استمرت أربع سنوات مع فصائل المعارضة التي كانت تسيطر على الأجزاء الشرقية من ثاني أكبر مدن البلاد.

ولم يظهر الأسد في حلب سوى مرات قليلة بعد استعادة السيطرة عليها، الأولى كانت في 2022 ومن ثم زارها في فبراير من العام الماضي بعد تعرضها لزلزال مدمر.

وفي الوقت الحالي تتحدث تقارير إعلامية غير مؤكدة أن الرئيس الأسد غادر إلى روسيا رفقة زوجته أسماء الأسد التي تتلقى العلاج هناك من مرض السرطان.

وفي رد على سؤال بهذا الشأن، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الجمعة إن ليس لديه ما يقوله بشأن وجود الأسد في موسكو.
 

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.