مي سكاف خلال مظاهرة في باريس 2016- فرانس برس
مي سكاف خلال مظاهرة في باريس 2016- فرانس برس

"إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد"، عبارة قالتها الفنانة السورية الراحلة مي سكاف قبل سنوات، عادت للانتشار على نحو واسع على مواقع التواصل منذ سقوط النظام البعثي، في استذكار لهذه المعارضِة الشرسة لبشار الأسد.

تمنى الكثير من السوريين الذين شاركوا كلمات سكاف، عبر مقاطع فيديو وصور قديمة لها، لو أنها كانت على قيد الحياة لتعيش معهم هذه اللحظة التاريخية التي شهدت نهاية حكم آل الأسد الذي تجاوز خمسة عقود.

وشكلت وفاتها بأزمة قلبية في العاصمة الفرنسية باريس عام 2018حدثاً مؤلماً لمؤيدي الثورة السورية،  حتى أن الكثير منهم اعتبره نتيجة للحزن الشديد والألم لمعاصرتها الأزمات المتصاعدة في بلدها البعيدة عنه، وهي التي تنبأت مع بداية اندلاع الثورة 2011 أن "كارثة كبيرة ستشهدها سوريا إن لم يتنح الأسد".

ومع وصول قوات المعارضة التي أطاحت بالأسد إلى دمشق، تذكرتها كاتبة السيناريو والناشطة الحقوقية السورية ريما فليحان بمنشور على فيسبوك "حين كانت مي سكاف تتصل بي وفي جعبتها خبر ما، كانت تبدأ مكالمتها بـ يا ريماااااا بطريقة مميزة، اليوم صباحا بعد أن غفوت لثلاث ساعات فقط استيقظت وكأنني أسمع صوتها تنادي بنفس الطريقة.. ربما كنت أحلم ربما روحها تحوم اليوم تنتظر سقوط الطاغية".

كذلك تذكرها مبدعون فلسطينيون، مثل الكاتب زياد خدّاش، الذي التقاها قبل عشر سنوات في العاصمة الأردنية عمّان، وقال في منشور على فيسبوك "أين أنت يا مي سكاف؟ يا سوريا الجديدة الجميلة. أتتذكرين يوم قلت لي أيها الفلسطيني اليائس، ذات نهار مشع وحر سأعزمك على مقهى سان بول في دمشق القديمة. قلت لك: يا له من حلم جميل لكنه ثقيل يا مي. هأنذا جاهز.. أين أنتِ؟". 

"سأذهب إلى هناك وأجلس وحدي بانتظارك ولن أدفع حسابي. سأقول للنادل: حسابي مدفوع لسنوات، دفعته مي سكاف من غربتها ووجعها ودمها.. رحمك الله"، تابع خدّاش.

 وكتب أيضاً رسام الكاريكاتير علاء اللقطة "سوريا حرة يا مي.. مي سكاف الفنانة السورية الثائرة التي ماتت قهراً".

 كذلك استذكر نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، الممثلة الراحلة فدوى سليمان، التي توفيت في باريس عام 2017 بمرض السرطان، وقد عرفت بمعارضتها للأسد ولعائلتها من الطائفة العلوية، حتى أن شقيقها خرج معلناً عبر قناة تلفزيونية تبرأه منها قائلاً إن "وحدة سوريا أهم من شقيقته".

لكن ذلك لم يثبط من عزيمة الفنانة لمواصلة مشوار النضال الذي آمنت به، وكانت على يقين أن بمقدور السنة والعلويين العيش معا رغم العنف الطائفي المتصاعد في حمص. وتحدثت عن أسر سنية محافظة فتحت لها منازلها لإيوائها وحمايتها من قوات الأمن عندما كانت تحاول الفرار منها.

وكلا الفنانتين سكاف وسليمان كانتا في أواخر الأربعينات من عمرهما حين توفيتا بعيداً عن الديار.

أصرت سليمان على المشاركة في المظاهرات لتبديد الفكرة الخاطئة عن العلويين، بأن هذه الأقلية التي تشكل 10 في المئة من السوريين، تدعم الأسد كليا.

وقالت في تصريحات صحفية إنها أرادت أيضا، من خلال مشاركتها في الاحتجاجات، تفنيد مزاعم النظام عن المحتجين ضده ووصفهم بالإرهابيين المسلحين والإسلاميين.

​وفي ظل ارتفاع شعبيتها كأحد وجوه الثورة، أصبحت سليمان هدفا للنظام، وعمدت إلى قص شعرها مثل الرجال والتنقل من منزل لآخر لتفادي اعتقالها. وذكرت في رسالة مصورة تعود إلى نوفمبر 2012، أن قوات الأمن النظامية تمشط أحياء حمص بحثا عنها وتضرب المواطنين لإرغامهم على الكشف عن مكانها.

وأكثر فيديو متداول لها بعد سقوط النظام، تغني فيه وهي تضحك أمام مرآة تعدّل فيها باروكة شعر "بدنا نشيلو لبشار بهمتنا القوية.. سوريا بدّا حرية.."

@zina_mt1

ثورتنا كانت ولا تزال لكل أبناء الوطن، بجميع طوائفهم وانتماءاتهم. لم تكن ثورتنا يومًا عنصرية أو إقصائية، بل حملت في جوهرها السلام والأمن والعدل للجميع. كنا نسعى لوطن يتسع للجميع، تسوده المساواة ويحكمه القانون…يبقى حلمنا حيًا لا يموت: عدلٌ حقيقي، ديمقراطية راسخة، وأمن وسلام يعمّان سوريا الجديدة، لتكون وطنًا يحتضن جميع أبنائه بلا استثناء.#سوريا #الثورةالسورية #جيش_الحر #الشام #فدوى_سليمان #ادلب #rojava #ديرالزور #درعا #حمص #حلب

♬ الصوت الأصلي - shahedashour3

 

وشاركت سليمان في أحد الاحتجاجات، وهتفت عالياً إلى جانب عبدالباسط الساروت، تم توثيقه بفيديو أعيد أيضاً تداوله في مواقع التواصل بعد سقوط الأسد.

والساروت الملقب بـ"منشد الثورة" و"بلبل الثورة" أبرز الشخصيات التي استحضرتها ذاكرة السوريين في لحظات فرحهم الغامرة بانتهاء حقبة آل الأسد، بعضهم كتب أنه يبعث برسالة "إلى السماء" بأن سوريا أصبحت حرة، لعلّ الساروت يُدركها.

وتمنّى الكثيرون لو أنه عاش هذه اللحظة التي قاتل من أجلها في صفوف جماعات مسلحة قاومت جيش النظام، فهو كان نموذجاً لتحولّات الثورة، من رمز للاحتجاجات السلمية ثم الانخراط في الثورة المسلحّة والحرب الأهلية حتى أنه قُتل على يد النظام في معركة بحماة كانت تسيطر عليها جماعة هي نفسها اعتقلت الساروت سابقاً لمعارضته حكمها، كان عُمره آنذاك 27 عاماً.

والساروت من مدينة حمص، لكنه غادرها 2014 عندما أنهت اتفاقية انسحاب حصارا قاسيا استمر عامين، وقتل عام 2019.

تم تجسيد رحلة حياة الساروت في فيلم وثائقي "العودة إلى حمص"، وكيف صار مقاتلاً ضد النظام بعد أن كان حارس مرمى في منتخب سوريا للشباب.

نجوم سوريون آخرون تذكرهم نشطاء مواقع التواصل، الذين أعربوا عن محبتهم وتخليد كلمات أولئك الراحلين التي تحتفي بسوريا الحرة الديمقراطية التي يغيب عن القمع والديكتاتورية، أمثال الفنان القدير خالد تاجا، والمخرج والممثل حاتم علي، وأيضاً الممثل نضال سيجري، وغيرهم من معتقلين ومغيّبين لم يُعرف مصيرهم لغاية الآن.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.