"إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد"، عبارة قالتها الفنانة السورية الراحلة مي سكاف قبل سنوات، عادت للانتشار على نحو واسع على مواقع التواصل منذ سقوط النظام البعثي، في استذكار لهذه المعارضِة الشرسة لبشار الأسد.
تمنى الكثير من السوريين الذين شاركوا كلمات سكاف، عبر مقاطع فيديو وصور قديمة لها، لو أنها كانت على قيد الحياة لتعيش معهم هذه اللحظة التاريخية التي شهدت نهاية حكم آل الأسد الذي تجاوز خمسة عقود.
وشكلت وفاتها بأزمة قلبية في العاصمة الفرنسية باريس عام 2018حدثاً مؤلماً لمؤيدي الثورة السورية، حتى أن الكثير منهم اعتبره نتيجة للحزن الشديد والألم لمعاصرتها الأزمات المتصاعدة في بلدها البعيدة عنه، وهي التي تنبأت مع بداية اندلاع الثورة 2011 أن "كارثة كبيرة ستشهدها سوريا إن لم يتنح الأسد".
ومع وصول قوات المعارضة التي أطاحت بالأسد إلى دمشق، تذكرتها كاتبة السيناريو والناشطة الحقوقية السورية ريما فليحان بمنشور على فيسبوك "حين كانت مي سكاف تتصل بي وفي جعبتها خبر ما، كانت تبدأ مكالمتها بـ يا ريماااااا بطريقة مميزة، اليوم صباحا بعد أن غفوت لثلاث ساعات فقط استيقظت وكأنني أسمع صوتها تنادي بنفس الطريقة.. ربما كنت أحلم ربما روحها تحوم اليوم تنتظر سقوط الطاغية".
كذلك تذكرها مبدعون فلسطينيون، مثل الكاتب زياد خدّاش، الذي التقاها قبل عشر سنوات في العاصمة الأردنية عمّان، وقال في منشور على فيسبوك "أين أنت يا مي سكاف؟ يا سوريا الجديدة الجميلة. أتتذكرين يوم قلت لي أيها الفلسطيني اليائس، ذات نهار مشع وحر سأعزمك على مقهى سان بول في دمشق القديمة. قلت لك: يا له من حلم جميل لكنه ثقيل يا مي. هأنذا جاهز.. أين أنتِ؟".
"سأذهب إلى هناك وأجلس وحدي بانتظارك ولن أدفع حسابي. سأقول للنادل: حسابي مدفوع لسنوات، دفعته مي سكاف من غربتها ووجعها ودمها.. رحمك الله"، تابع خدّاش.
وكتب أيضاً رسام الكاريكاتير علاء اللقطة "سوريا حرة يا مي.. مي سكاف الفنانة السورية الثائرة التي ماتت قهراً".
في تلك الأيام المفعمة بالأمل والحرية، لا ننسى الإنسانة الرائعة، الفنانة السورية مي سكاف، ابنة الثورة، والحالمة بانتصارها، الفنانة المسيحية التي رفضت تشويه ثورة شعبها أو تخويفها بالإسلاميين، وقالت: لا أريد لابني أن يحكمه ابن بشار الأسد، ماتت مي، لكن حلمها باقٍ، وسينتصر بإذن الله pic.twitter.com/GYdaTpuT5X
— جمال سلطان (@GamalSultan1) December 4, 2024
كذلك استذكر نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، الممثلة الراحلة فدوى سليمان، التي توفيت في باريس عام 2017 بمرض السرطان، وقد عرفت بمعارضتها للأسد ولعائلتها من الطائفة العلوية، حتى أن شقيقها خرج معلناً عبر قناة تلفزيونية تبرأه منها قائلاً إن "وحدة سوريا أهم من شقيقته".
لكن ذلك لم يثبط من عزيمة الفنانة لمواصلة مشوار النضال الذي آمنت به، وكانت على يقين أن بمقدور السنة والعلويين العيش معا رغم العنف الطائفي المتصاعد في حمص. وتحدثت عن أسر سنية محافظة فتحت لها منازلها لإيوائها وحمايتها من قوات الأمن عندما كانت تحاول الفرار منها.
وكلا الفنانتين سكاف وسليمان كانتا في أواخر الأربعينات من عمرهما حين توفيتا بعيداً عن الديار.
أصرت سليمان على المشاركة في المظاهرات لتبديد الفكرة الخاطئة عن العلويين، بأن هذه الأقلية التي تشكل 10 في المئة من السوريين، تدعم الأسد كليا.
وقالت في تصريحات صحفية إنها أرادت أيضا، من خلال مشاركتها في الاحتجاجات، تفنيد مزاعم النظام عن المحتجين ضده ووصفهم بالإرهابيين المسلحين والإسلاميين.
وفي ظل ارتفاع شعبيتها كأحد وجوه الثورة، أصبحت سليمان هدفا للنظام، وعمدت إلى قص شعرها مثل الرجال والتنقل من منزل لآخر لتفادي اعتقالها. وذكرت في رسالة مصورة تعود إلى نوفمبر 2012، أن قوات الأمن النظامية تمشط أحياء حمص بحثا عنها وتضرب المواطنين لإرغامهم على الكشف عن مكانها.
وأكثر فيديو متداول لها بعد سقوط النظام، تغني فيه وهي تضحك أمام مرآة تعدّل فيها باروكة شعر "بدنا نشيلو لبشار بهمتنا القوية.. سوريا بدّا حرية.."
@zina_mt1 ثورتنا كانت ولا تزال لكل أبناء الوطن، بجميع طوائفهم وانتماءاتهم. لم تكن ثورتنا يومًا عنصرية أو إقصائية، بل حملت في جوهرها السلام والأمن والعدل للجميع. كنا نسعى لوطن يتسع للجميع، تسوده المساواة ويحكمه القانون…يبقى حلمنا حيًا لا يموت: عدلٌ حقيقي، ديمقراطية راسخة، وأمن وسلام يعمّان سوريا الجديدة، لتكون وطنًا يحتضن جميع أبنائه بلا استثناء.#سوريا #الثورةالسورية #جيش_الحر #الشام #فدوى_سليمان #ادلب #rojava #ديرالزور #درعا #حمص #حلب
♬ الصوت الأصلي - shahedashour3
وشاركت سليمان في أحد الاحتجاجات، وهتفت عالياً إلى جانب عبدالباسط الساروت، تم توثيقه بفيديو أعيد أيضاً تداوله في مواقع التواصل بعد سقوط الأسد.
والساروت الملقب بـ"منشد الثورة" و"بلبل الثورة" أبرز الشخصيات التي استحضرتها ذاكرة السوريين في لحظات فرحهم الغامرة بانتهاء حقبة آل الأسد، بعضهم كتب أنه يبعث برسالة "إلى السماء" بأن سوريا أصبحت حرة، لعلّ الساروت يُدركها.
وتمنّى الكثيرون لو أنه عاش هذه اللحظة التي قاتل من أجلها في صفوف جماعات مسلحة قاومت جيش النظام، فهو كان نموذجاً لتحولّات الثورة، من رمز للاحتجاجات السلمية ثم الانخراط في الثورة المسلحّة والحرب الأهلية حتى أنه قُتل على يد النظام في معركة بحماة كانت تسيطر عليها جماعة هي نفسها اعتقلت الساروت سابقاً لمعارضته حكمها، كان عُمره آنذاك 27 عاماً.
والساروت من مدينة حمص، لكنه غادرها 2014 عندما أنهت اتفاقية انسحاب حصارا قاسيا استمر عامين، وقتل عام 2019.
تم تجسيد رحلة حياة الساروت في فيلم وثائقي "العودة إلى حمص"، وكيف صار مقاتلاً ضد النظام بعد أن كان حارس مرمى في منتخب سوريا للشباب.
عم يضحكوا الغوالي .. دماؤهم أضاءت درب النضال ولن تنُسى أبداً.
— Siba Madwar صِبا ياسر مدور (@madwar_siba) December 7, 2024
خلدوا أسماء النبراسَين بتسمية شارعين رئيسيين في حمص: ملعب عبد الباسط الساروت -شارع باسل شحادة ليبقى اسمهما خالداً في ذاكرة المدينة وأجيالها القادمة. pic.twitter.com/rWU4h4kQFc
هذا تسجيل خاص للشهيد الرمز عبد الباسط الساروت ابن حمص البار كنت أخفيه حتى فرحة تحرير حمص كم نفتقدك ❤️.. pic.twitter.com/0S9INxacqN
— موسى العمر (@MousaAlomar) December 7, 2024
نجوم سوريون آخرون تذكرهم نشطاء مواقع التواصل، الذين أعربوا عن محبتهم وتخليد كلمات أولئك الراحلين التي تحتفي بسوريا الحرة الديمقراطية التي يغيب عن القمع والديكتاتورية، أمثال الفنان القدير خالد تاجا، والمخرج والممثل حاتم علي، وأيضاً الممثل نضال سيجري، وغيرهم من معتقلين ومغيّبين لم يُعرف مصيرهم لغاية الآن.
أخبروا ذلك النزيه ، أخبروا ذلك الشهيد
— محمد 🎥 (@ii_mooi) December 8, 2024
أخبروا من صار تحت أرض الشام أخبروه أن سوريا عاشت حُرة مُستقلة😔💛#خالد_تاجا | #سوريا_الجديدة pic.twitter.com/r0e0D5az5X
