صورة من مقطع فيديو على "إكس"
تتواتر قصص زنازين نظام الأسد تباعا على مواقع التواصل الاجتماعي منذ تحرير السجناء- الصورة من مقطع فيديو على "إكس"

"هذه البطّة، أنا رسمتها هنا".

كانت هذه ردة فعل أحد مسلحي المعارضة السورية، عندما دخل زنزانة في إحدى سجون نظام بشار الأسد، حيث قبع فيها قبل عشرة أعوام.

في مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، يصوّر المسلح عنابر إحدى السجون وهي خالية تماما.

يجلس سجين سابق قبالة رسمة له، كان حفرها في جدار  زنزانته عندما كان قيد الاحتجاز سنة 2014. قال له: "أترى. هذا عصفور. أنا رسمته". 

ثم يجيبه: "لماذا رسمت هذه البطة؟"

فيرد: "رسمت ما خطر على بالي وقتها".

"ذكريات". اكتفى "السجين الرسام" بهذه الكلمة ردا على سؤال: "ما هو شعورك وأنت تعود لنفس الزنزانة بعد 10 سنوات".

الشاب، الذي بدا في مقتبل العمر، ظل صامتا طوال الوقت، ينظر إلى رسمته القديمة، مستعينا بضوء كاشف وهو يجلس القرفصاء، وعلامات الحزن تظهر على وجهه. 

لم يكن بحاجة لإعطاء أية تفاصيل عن تلك الحقبة، نظراته قالت الكثير.

في إحدى اللحظات، كسر الشاب صمته وكشف أنه اعتقل في عام 2014، لأنه كان يشارك مع الثوار مطالبهم بالتحرر من نظام الأسد.

في مارس 2011، انطلقت في سوريا ثورة شعبية عارمة، كجزء من موجة الربيع العربي التي اجتاحت العديد من الدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كانت بدايتها عبارة عن احتجاجات سلمية تطالب بالإصلاح السياسي، والحرية، والعدالة الاجتماعية. هتف الناس ضد الأسد الذي حكم البلاد بقبضة حديدية منذ عام 2000، استكمالًا لحكم والده حافظ الأسد الذي بدأه عام 1970.

لكن سرعان ما انزلقت إلى نزاع مسلح شهد تدخل روسيا وإيران وحزب الله اللبناني إلى جانب بشار الأسد.

 بحلول عام 2014، كانت الثورة السورية قد تطورت من احتجاجات سلمية إلى نزاع مسلح واسع النطاق، وأصبحت أكثر تعقيدا بسبب تعدد أطراف النزاع.

خلال تلك الفترة، سُجن الشاب "صاحب البطة" وأُخذ إلى السجن رفقة المئات، بل الآلاف من أقرانه، وهناك شهد شتى أنواع الضرب والتعذيب.

لكنه تمكن، وفق روايته، من الهرب بعدما حول للعمل مع الجيش، وهناك انشق والتحق بالثورة مسلحا قبل أن يعود إلى زنزانته ويزور "بطته" "محررًا".

"الحمد لله"، يقولها الشاب، وهو خارج باتجاه باب الزنزانة المفتوح على مصراعيه.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.