خلال جنازة 5 قتلى من "قسد" في مدينة القامشلي شرق سوريا، قتلوا في معارك بمنبج- ا ف ب
خلال جنازة 5 قتلى من "قسد" في مدينة القامشلي شرق سوريا، قتلوا في معارك بمنبج- ا ف ب

سقوط لنظام بشار الأسد، أدى لإزاحة الأكراد من دير الزور شرق سوريا، تلتها اشتباكات بين فصائل "الجيش الوطني" المدعوم من تركيا وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في منبج وكوباني.

توصل الطرفان إلى هدنة برعاية أميركية، بعد مقتل أكثر من 200 شخص، إلا أن تمديد وقف إطلاق النار الذي أعلنته واشنطن الثلاثاء، سُرعان ما تبدد بعد اشتباك آخر الأربعاء على أعتاب منبج شمال شرق محافظة حلب.

هذه بعض ملامح الوضع في مناطق تابعة للإدارة الكردية بسوريا، وقد يمتد لاحقاً إلى الرقة، بحسب توكيدات من "الجيش الوطني"، الذي فقد الأربعاء 21 مقاتلاً.

بدأ كل ذلك، في غمرة الاحتفال بسقوط الأسد في 10 ديسمبر، حين انسحب الأكراد من كامل دير الزور التي يديرونها منذ عام 2017، بعد تحريرها من تنظيم "داعش" مدعومين من الولايات المتحدة وبريطانيا، ودول أخرى.

خلال جنازة 5 قتلى من "قسد" في مدينة القامشلي شرق سوريا، قتلوا في معارك بمنبج- ا ف ب

دير الزور.. البداية

منذ اليوم الأول لسقوط نظام الأسد، كانت فرحة الكثير من أكراد سوريا ناقصة، ذلك أن الفصائل المسلحة التي أزاحت "غمّة" البعث، تدعمها تركيا، حيث يعيش نحو 15 مليون كردي، أغلبهم يحلم بالاستقلال الذاتي.

وعشيّة الإطاحة بالنظام، أعلنت "قسد" عفواً عاماً دون استثناء عن المطلوبين في دير الزور، في محاولة لاحتواء غضب السكان، وغالبيتهم من العرب، خاصة بعد احتجاجات أسفرت عن مقتل مدنيين على يد عناصر الميليشيا الكردية.

كانت هذه الخطوة بلا جدوى، فقد انسحب مسلحو "قسد" وسيطرت عليها جماعة مسلحة عربية من أبناء دير الزور الذين انضموا لـ"الجيش الوطني" أواخر نوفمبر الماضي.

اعتبر العديد من السوريين ما فعلته "قسد" بأنه "استغلال لحالة الفراغ" في دير الزور.

وقالوا: "لا يحق لهم التوسع في مناطق انسحب منها النظام جرّاء قتال لم يكونوا جزءاً منه أصلاً".

بينما اعتبر آخرون، طرد "قسد" من مناطق دير الزور، وحديث "هيئة تحرير الشام" عن نزع سلاحها وتوحيد جميع الفصائل تحت مظلة جيش سوري.

ذلك يعني، أن شعار "سوريا للجميع" غير واقعي، فـ"الجميع" لا تشمل الأكراد.

حرب أهلية ثانية!

ينظر الكثير من الأكراد إلى أن محرّك ما يحدث في المناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الكردية، ليس وحدة الجيش وحصر السلاح بيد دولة المستقبل، إنما تركيا "الطامعة" بالسيطرة على مساحات واسعة من سوريا.

تدعم أنقرة "الجيش الوطني" و"هيئة تحرير الشام" المصنفة في قوائم إرهاب أميركية وأوروبية.

قال الصحفي العراقي الكردي خالد سليمان إن "إخضاع سوريا لهيمنة تركيا، تحصيل حاصل".

وكتب على حسابه في الفيس بوك، أن لتركيا، هدفاً آخر غير معلن عنه في سوريا، وهو "القضاء على الوجود الكُردي سياسياً وتغيير سكاني قسري في أعلى الخط وأسفله".

وذكرت صحيفة "التايمز" البريطانية، الأربعاء، أن الحكومات الغربية، تحاول إقناع تركيا بالتوصل إلى اتفاق مع السلطة الجديدة في سوريا، والأكراد، بشأن السيطرة على شرق البلاد، تجنباً لاندلاع حرب أهلية ثانية.

وأعلن القائد العام لـ"قسد" مظلوم عبدي، الثلاثاء "استعداده لتقديم مقترح إنشاء منطقة منزوعة السلاح في مدينة كوباني، مع إعادة توزيع القوات الأمنية تحت إشراف وتواجد أميركي".

وتهدف المبادرة بحسب عبدي، إلى "معالجة المخاوف الأمنية التركية وضمان استقرار المنطقة بشكل دائم".

لكن ما حصل الأربعاء، سيغير النظرة لهذه المبادرة، فالهدنة التي أعلنت واشنطن تمديدها لنهاية الأسبوع، خرقت من الجانبين: "الجيش الوطني" وحليفه تركيا، وكذلك "قسد".

وتجري الاشتباكات بين الجانبين، خاصة حول مدينتي منبج وكوباني، التي أصبحت منذ عام 2014 رمزاً للمقاومة الكردية ضد تنظيم "داعش"، لكنها تقع على الحدود التركية، مما تعتبره أنقرة تهديداً لأراضيها.

أما بالنسبة لأحمد الشرع، قائد "هيئة تحرير الشام" المطلوب للولايات المتحدة منذ عام 2013، فإن "قسد" مجموعة "غير سورية" وعليها تسليم سلاحها أولاً قبل أن يتم دمج عناصرها لاحقاً في جيش المستقبل.

ولا يرى "الزعيم" السوري الجديد، فرقاً بينها وحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية، كذلك دول أخرى بما فيها الولايات المتحدة التي تدعم "قسد".

قال مبعوث الأمم المتحدة في سوريا غير بيدرسون، في نهاية زيارته لدمشق حيث التقى الشرع وزار سجن صيدنايا، إن "التصعيد قد يكون كارثياً، وأخبر مجلس الأمن الدولي، أنه قلق للغاية بشأن القتال الجاري".

وفي حين أن "قسد" شريك مهم للولايات المتحدة في مكافحة تنظيم "داعش"، تعتبرها تركيا أحد فروع حزب العمال الكردستاني، خصمها اللدود.

ويربط بين حزب العمال (بي كي كي) و"قسد" أيديولوجيا مشتركة وشخصيات كردية راسخة في حلم الدولة المستقلة للقومية التي رسمها الأكراد في أدبياتهم بين أربعة دول: العراق، سوريا، تركيا، إيران.

والقوة الرئيسية في "قسد" تُدعى وحدات حماية الشعب (واي بي جي)، تأسست في عام 2011، ومنذ ذلك الحين يزعم أعداؤها أن قادتها من حزب العمال الذي قام بتشكيلها وتدريبها عسكرياً.

كتب القيادي في حزب "يكيتي" الكردستاني كما يعرف نفسه في منصة إكس، الاثنين الماضي، أن خلافاً نشب بين كوادر "بي كي كي" وبعض أنصارهم أثناء مسيرة في كوباني للمطالبة بحماية المنطقة من هجوم محتمل.

عفرين!

وفي منصة الفيس بوك، تشارك الشاعرة السورية الكردية وداد نبي منذ سقوط نظام بشار الأسد، أفكارها حول الوضع الكردي اليوم، وهي من كوباني، وتعيش في العاصمة الألمانية برلين منذ عام 2015.

قالت نبي: "كوباني، هكذا يُكتب اسم مسقط رأسي. بكل اللغات التي ترجمت إليها كتاباتي. وبعد 14 عاماً من الثورة، لا يزال الكثيرون مصرّين على تسميتها (عين العرب)، خاصة في تلفزيون سوريا".

وأضافت "حين نُسمّي المدن كما يسميها سكّانها ويحبون، حينها فقط نتغلب على عقلية الديكتاتور ونظامه في هذا البلد المنكوب".

وتقع مدينة كوباني في أقصى شمال سوريا، على بعد 130 كيلومتراً تقريباً إلى الشمال الشرقي من مدينة حلب، تحدها شمالاً الحدود السورية مع تركيا، ويجري نهر الفرات على بعد 30 كيلومتراً إلى الغرب منها.

ونبي التي تعتبر نفسها غير داعمة لـ"قسد" وانتقدت سيطرتهم على الرقة ودير الزور ذات الغالبية السكانية العربية، تشير في متابعاتها لما يحدث في سوريا إلى "غياب لافت لقضية عفرين".

وعفرين، في شمال غرب سوريا تتبع محافظة حلب، وسكانها من الأكراد والعرب والتركمان. تقع اليوم تحت سيطرة تركية بعد أن شنت عملية عسكرية ضدها في عام 2018 تحت عنوان "غصن الزيتون"، فهي تمثل موقعاً إستراتيجياً على الحدود بين سوريا وتركيا.

وكما كوباني، لعبت عفرين دورا في الصراع ضد تنظيم "داعش"، وكان لـ"قسد" دور كبير في دحره، حيث سيطرت عليها الإدارة الكردية منذ عام 2012 من خلال قوات "واي بي جي" قبل أن تطردهم تركيا منها.

والأربعاء التقى صحفي من شبكة "روداو" الكردية، بالشرع، وسأله عن أكراد سوريا وعفرين.

قال الشرع: "الكرد هم جزء من الوطن وأساسيون في سوريا القادمة، وسنسعى إلى إعادة أهالي عفرين (المهجّرين) إلى مناطقهم

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.