عناصر من فصيل "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا
عناصر من فصيل "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا

يبرز تعهد قائد الإدارة السورية الجديدة، أحمد الشرع، بتوحيد الفصائل المسلحة تحت لواء "جيش وطني" موحد، كواحد من أبرز المشاريع المطروحة لتحقيق الاستقرار في سوريا ما بعد نظام بشار الأسد.

وفي ذات الوقت، يثير هذا المشروع "شكوكا" بشأن إمكانية تحقيق ذلك.

وانتهى حكم الأسد فجر الثامن من ديسمبر الحالي مع دخول فصائل المعارضة دمشق. وفر رئيس النظام الذي حكم سوريا مع والده حافظ بقبضة حديدية لمدة 54 عاما، إلى روسيا إيذانا بنهاية حكم عائلة الأسد.

يعتقد أحمد رحال، الضابط السوري الذي انشق عن نظام الأسد في يوليو 2012، أن بقاء رجال دين في مواقع قيادية مثل وزارة الدفاع يثير مخاوف بشأن عقلية إدارة الدولة.

قال خلال مقابلة مع موقع "الحرة": "رغم التغييرات التي شهدتها هيئة تحرير الشام تحت وطأة الضغوط الدولية، إلا أن الدول لا تُقاد بعقلية الفصائل أو المشايخ أو التطرف".

قاد رحال بعد انشقاقه، ما يسمى بـ"المجلس العسكري لجبهة الساحل"، وهو فصيل مسلح معارض، لكنه اضطر لمغادرة سوريا والاستقرار في تركيا بعد اصطدامه بتنظيمات متطرفة مثل "داعش" و"جبهة النصرة"، على حد قوله.

لذلك قال: "نحن بحاجة إلى جيش وطني يعكس تنوع الشعب السوري بكل مكوناته، ولا إلى تبعية دينية أو عرقية".

وأعلنت الإدارة السورية الجديدة، السبت، تعيين مرهف أبو قصرة، وزيراً للدفاع في الحكومة السورية الانتقالية.

وأبو قصرة مهندس زراعي، من مدينة حلفايا بريف حماة، وكان يعرف باسمه الحربي "أبو حسن الحموي" أو "أبو الحسن 600" ويشغل منصب القائد العام للجناح العسكري لـ"هيئة تحرير الشام" المصنفة منظمة "إرهابية" في الولايات المتحدة.

وقاد أبو قصرة العمليات العسكرية التي انطلقت في نهاية نوفمبر الماضي من إدلب، ثم انتقلت إلى عدة مدن رئيسية، مثل حلب وحماة وحمص، ثم وصلت إلى العاصمة دمشق، وأطاحت بنظام بشار الأسد.

يرى الخبير في الحركات الجهادية حسن أبو هنية وجود "فرص" واعدة لتحقيق النجاح، رغم التحديات الكبيرة التي يواجهها المشروع، خاصة وأن جزء من هذه الفصائل كانت تقاتل بعضها خلال السنوات الماضية.

قال خلال مقابلة مع موقع "الحرة" إن "تعيين أبو قصرة وزيرا للدفاع يعزز التوقعات بأن الهيئة ستكون العمود الفقري للجيش الجديد، إلى جانب عشرات الفصائل المختلفة، خاصة تلك التي تدعمها تركيا بالمال والسلاح".

وبحسب أبو هنية، فإن أنقرة تريد إنجاح التجربة الجديدة في سوريا.

والأحد، قال الشرع خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في دمشق، إن "الفصائل ستبدأ بالإعلان عن حل نفسها والدخول تباعا في الجيش".

لكن رحال يرى أن بعض الفصائل المسلحة، ارتكبت انتهاكات، ولديها أجندة، لذلك يجب ألا تنضم جميعها للجيش، على حد تعبيره.

وبحسب أبو هنية، فإن عدد الفصائل المسلحة السورية، يُقدّر بحوالى 80 فصيلا، لكن ليس جميعها على وفاق، ولن تنضم كلها إلى الجيش الوطني، إذ من المرجح أن يواجه البعض هذا المشروع بالرفض، وفقا لقوله.

يرى أيضا، أن التحديات لا تقتصر على دمج الفصائل المسلحة فحسب، بل تشمل أيضا التعامل مع المجموعات في شمال شرق سوريا، مثل قوات سوريا الديمقراطية "قسد" المدعومة من الولايات المتحدة.

هذه القوات التي يقدر عددها بنحو 80 ألف شخص، تتمتع بنفوذ قوي وتطالب بنوع من الحكم الذاتي، وهو ما قد يتعارض مع مشروع الدولة المركزية الذي تنادي به الحكومة المؤقتة، بحسب رحال.

وتعتبر تركيا وحدات حماية الشعب الكردية، المكون الرئيسي لقوات سوريا الديموقراطية، مرتبطة بحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمردا مسلحا ضدها منذ الثمانينيات.

ودارت اشتباكات الأحد بين فصائل موالية لتركيا وقوات سوريا الديموقراطية في منطقة سد تشرين على نهر الفرات.

قال أبو هنية إن "تركيا ستلعب دورا محوريا في إعادة تشكيل الجيش الوطني السوري، مستفيدة من تجاربها السابقة في دعم بعض الفصائل المسلحة".

وبين التفاؤل الحذر والتحديات القائمة، يبقى مشروع توحيد الجيش السوري في مواجهة مصيرية لتحقيق استقرار مستدام، في ظل تدخلات دولية وإقليمية قد تسرّع أو تعرقل هذه الخطوة.

الرئيس ترامب ونتانياهو

في واحدة من المفارقات اللافتة في العلاقة الأميركية الإسرائيلية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، قرار الأخير عدم زيارة إسرائيل في جولته الشرق أوسطية، مفضلا زيارة دول الخليج ومراكز القرار الجديدة في المنطقة.

ورغم ما تبدو عليه الخطوة من برود دبلوماسي أو حتى تجاهل متعمد لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُظهر التحليل الأعمق، كما يوضح الخبير الأميركي في شؤون الأمن القومي إيلان بيرمان، مزيجا معقدا من الحسابات الاستراتيجية، والرسائل السياسية، وتغيرات كبرى في بنية التحالفات الإقليمية.

بحسب بيرمان، ترتكز الرؤية الأميركية الحالية على إحداث اختراق استراتيجي في مسار التطبيع بين السعودية وإسرائيل، دون ربط مباشر بتقدم حقيقي في المسار الفلسطيني. 

ويشير إلى أن الرهان كان قبل 7 أكتوبر ٢٠٢٣ على قرب توقيع اتفاق سعودي-إسرائيلي، لكنه كان خالياً تقريباً من أي مضمون يتعلق بالقضية الفلسطينية.

لكن بعد هجوم حماس وعمليات إسرائيل العسكرية في غزة، بدأت الرياض تتخذ موقفا أكثر حزما، رابطة أي اتفاق بتعهد واضح من إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية. وهو ما بات صعب المنال في ظل حكومة إسرائيلية توصف بـ"المتشددة"، وشارع إسرائيلي بات أكثر رفضا لحل الدولتين.

قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل قد لا يكون مجرد صدفة دبلوماسية. فإسرائيل، كما يشرح بيرمان، لا تملك اليوم ما يمكن تحقيقه عملياً من زيارة كهذه، بينما الملفات الساخنة التي تهتم بها واشنطن – من التطبيع، إلى إيران، إلى اليمن – تقع جغرافياً وسياسياً في أماكن أخرى.

الأخطر أن هذا التجاهل الظاهري يتقاطع مع مؤشرات أعمق على تراجع التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. بدءاً من التباين حول الملف النووي الإيراني، حيث يُفضل ترامب العودة إلى المفاوضات، بينما يتحمس نتنياهو للخيار العسكري، مروراً باتفاق التهدئة الأميركي مع الحوثيين في اليمن، الذي أثار امتعاض إسرائيل بسبب ما اعتُبر انفصالاً عن مصالحها الأمنية، وليس انتهاءً بتوصل ترامب الى صفقة لاطلاق عيدان اسكندر الرهينة الأميركي لدى حماس.

هنا، يقول بيرمان إن "الأمن الأميركي والأمن الإسرائيلي بدآ ينفصلان فعلياً في بعض الملفات"، وهو ما يشكّل سابقة مقلقة في تاريخ الشراكة بين الطرفين.

من داخل إسرائيل، ينقل بيرمان أجواء من الإرباك وانعدام اليقين: الأهداف في غزة غير واضحة، الرهائن لا يزالون في الأسر، والخطة العسكرية الجديدة مرهقة اقتصادياً ونفسياً للبلاد، مع استدعاء واسع لقوات الاحتياط.

الاستنزاف الطويل، والانقسامات الداخلية، وتراجع الدعم الدولي، كلها عوامل، يعددها بيرمان، وهي برأيه، تضعف قدرة إسرائيل على فرض شروطها في أي تفاوض، سواء مع الفلسطينيين أو مع الأطراف العربية الأخرى.

رغم كل ما سبق، يشير بيرمان إلى أن أسس التحالف الأميركي الإسرائيلي لا تزال قوية، إذ تجمعهما المصالح الأمنية والقيم السياسية. لكن هذا لا ينفي حقيقة وجود "مساحة رمادية" تتسع يوماً بعد يوم، تعكس تبايناً متزايداً في السياسات والتكتيكات.

بينما تُعيد واشنطن رسم أولوياتها الشرق أوسطية، وتبحث تل أبيب عن استراتيجيات خروج من أزمتها الأمنية والسياسية، تبقى العلاقة بينهما في اختبار مفتوح، رغم الثوابت الاستراتيجية. وقد يكون قرار ترامب بتجاوز إسرائيل في جولته هذه، أول مؤشر علني على تحوّل أعمق لا يزال قيد التشكّل.