سوريا في عهد الجولاني.. ماذا ينتظرها؟
سوريا في عهد الجولاني.. ماذا ينتظرها؟

مع دخول سوريا مرحلة ما بعد بشار الأسد، باتت النقاشات حول مستقبل المصالحة الوطنية ومستقبل سوريا محور حديث الشارع السوري، الذي انقسمت آراؤه بين ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم وتطبيق العدالة الانتقالية، وبين دعوات المسامحة وطي الماضي وبدء صفحة جديدة، وهي دعوة يخشى الكثير من الضحايا أن تكون خطوة لطمس آلامهم وتضحياتهم.

وبينما بدأت الإدارة الجديدة في سوريا تحضيرات العمل على عقد اجتماع موسع لإطلاق حوار وطني شامل بشأن المرحلة الانتقالية وآلية إدارة شؤون الدولة في الفترة المقبلة، بمشاركة هيئات وممثلين عن الشعب السوري ومكوناته، تبقى المصالحة قضية شائكة تعكس عمق الانقسام، إذ اعتبر العديد من السوريين الذين التقتهم الحرة، ورصدت موافقهم على وسائل التواصل، أن الحوار والمصالحة الوطنية بداية جديدة وفرصة لرأب الصدع، بينما أكد آخرون أن أي تسامح دون محاسبة سيفتح الباب أمام تكرار المآسي، ويصرون على محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة.

تجاوز الماضي

يرى المؤيدون للمصالحة الوطنية دون شروط، أن سوريا بحاجة إلى تجاوز جراح الماضي، وأن التسامح هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد من دوامة الانتقام والانقسامات المتجددة، تماشيا مع تصريح أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) القائد العام لهيئة تحرير الشام، الذي أكد أن "سوريا الجديدة لا مكان فيها للانتقام"، وأن المصالحة الوطنية هي السبيل الوحيد لبناء مستقبل مستقر.

ويقول مروان العلي من مدينة جبلة في حديثه لموقع الحرة، "يكفي ما عشناه من دماء ودمار، يجب أن نضع الماضي خلفنا إذا أردنا مستقبلًا أفضل لأولادنا، فمن يؤمن بأهمية استقرار سوريا يتطلب عليه تجاوز الجراح مهما كانت".

بدورها، تؤكد سمر الشامي من مدينة حلب، أن التذكير بالماضي والجرائم المرتكبة تزيد حقد الناس على بعضهم البعض، ولن يدفع الثمن إلا الناس البسطاء اللذين ظُلموا مثلهم مثل غيرهم في هذه الحرب، "الضباط الذين ارتكبوا الجرائم أصبحوا جميعا خارج البلاد، لهذا على الجميع التسامح والبدء من جديد".

وفي السياق ذاته تقول جلنار جرجس في منشور لها على فيسبوك، "انتبهوا إلى كلماتكم وعباراتكم، من أراد أن يكون وطنياً، فليتحدث من منطلَقٍ وطني"، معتبرة أن الغفران والمحبة، ليسا انتقائيين.

مسامحة مشروطة

"التسوية لا تعني العفو، إنها خطوة أولى لدراسة أوضاع الجميع، لكن من شارك في الجرائم، عليه أن يواجه العدالة." يؤكد سعد رماح من مدينة دوما في حديثه لموقع الحرة.

بدورها تؤكد ريما عطايا من مدينة عربين في ريف دمشق رفضها لفكرة المصالحة غير المشروطة واعتبرت أن العدالة الانتقالية حجر الأساس لأي مصالحة حقيقية، وتضيف، 'لا يمكننا بناء وطن على جثث الضحايا ودموع عائلاتهم دون محاسبة المجرمين، فالعدالة ليست رفاهية، بل ضرورة لمنع إعادة إنتاج الظلم".

ويؤكد وائل الآغا من ريف دمشق أن من كان له دور في الجرائم يجب أن يُحاسب وفق القانون، فالمصالحة الحقيقية هي التي تعيد الحقوق لأصحابها ولا تهمل الجرائم، بحسب تعبيره.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي يدعو الناشط السياسي السوري ماهر شرف الدين في منشور له على فيسبوك إلى المسامحة وفتح صفحة جديدة ومحاكمة المجرمين فقط، "النصر يجب أن يكون متعاليا على الزمن الذي سبقه، الناس ممن كانوا على الضفة المقابلة، هم على الرغم من خطئهم، جزء من شعبنا، وسوريا الجديدة ستتسع لكل أبنائها، والجسور المهدّمة سيُعاد تشييدها".

خالد الخاني
ناج من مذبحة حماة.. واجه المأساة طفلا فطارد رفعت الأسد عبر أوروبا وسوريا
نجا طفل في السابعة من عمره من مجزرة حماة غربي سوريا عام 1982، لكن قائد جيش النظام السوري آنذاك الذي قتلت قواته عشرات الآلاف، لم يدرك أن هذا الطفل سوف يطارده ويجعله يهرب من أوروبا لسنوات، قبل أن الهروب مجددا مع سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر.

المعارضون للمصالحة: العدالة أولاً

على جانب آخر، يرى كثيرون أن التسامح دون محاسبة يعتبر خيانة لدماء الضحايا، ويدعون لتحقيق العدالة الانتقالية ومحاسبة النظام على جرائمه.

"لا مصالحة على الدماء"، يقول أسامة عثمان شريك "قيصر"، الذي وثق آلاف الصور لضحايا التعذيب في معتقلات الأسد، والذي يؤكد أن النظام لم يسقط بهروب بشار فقط، مشددًا على ضرورة محاكمة كل المتورطين.

ويقول أيهم عودة، من مدينة حمص، في حديثه لموقع الحرة، مكررا حديث عثمان، "لا مصالحة مع الذين سفكوا دماءنا، يظنون أننا سننسى بهذه البساطة، خلعوا العلم الأحمر ورفعوا العلم الأخضر، ولكن هذا العلم لن يمسح الدماء عن أيديهم".

بدوره يؤكد عماد غريبة أن المسامحة ليست عدلا، "العدل يقتضي أن يذوق الظالم نفس الألم الذي أذاقه المظلوم، والصفح لا يكون في مثل هذا، وأي عقاب لا يصل إلى مستوى فظاعة الألم، هو عقاب ثان للمظلوم نفسه وانتصار للظالم، لهذا لا يمكننا أن ننسى ولا أن نصالح قبل تحقيق العدالة ومحاكمة جميع المجرمين"، بحسب تعبيره.

وتحت عنوان لن ننسى لن نسامح ولن نستكين يتداول العديد من المواقع والناشطين على فيسبوك منشورا للمحامي وائل الزهراوي بعنوان التعذيب بالشمعة، يتناول قصته خلال الاعتقال وقصص التعذيب المروعة في معتقلات النظام ، مؤكدين أن العدالة يجب أن تتحقق، وإلا سنظل ندور في حلقة مفرغة من الظلم.

أما الإعلامي السوري، فيصل القاسم، فيقول في منشوره على منصة إكس، "لا تذهبوا فأنتم لستم طلقاء، يجب التعامل مع كل الشبيحة الذين كانوا يشبحون على السوريين في الإعلام والفن والجيش والأمن وأي مجال آخر لصالح النظام الساقط، يجب التعامل معهم كما تعاملت المانيا مع أنصار هتلر والنازية، محاكمات نورمبيرغ، لا أكثر ولا أقل".

الأسد وجنود بجيشه.. لقطة أرشيفية
قبل السقوط بيومين.. رواية جديدة عن أسد "التهمه عِنادُه"
في 11 نوفمبر، انطلقت في العاصمة الكازاخستانية "اجتماعات أستانة 22" حول سوريا بمشاركة الدول الضامنة تركيا، وروسيا، وإيران، ووفدين سوريين أحدهما يمثل الأسد والآخر معارضيه، بوجود الصليب الأحمر الدولي، ومفوضية اللاجئين الأممية، ومراقبين من ومراقبون من الأردن ولبنان والعراق.

انتقاد بيانات العفو العام غير المشروط

وبين دعوات التصالح والمسامحة والعدالة الانتقالية، برزت أصوات تدعو للعفو العام غير المشروط، كان أبرزها الدعوات التي أطلقها ممثلو ورجال دين من الطائفة العلوية، التي لاقت استهجانا كبيرا من الأطراف الأخرى.

يقول سالم حمادة من مدينة دمشق في حديثه لموقع الحرة، "في عائلتي الكثير من المختفين والشهداء تحت التعذيب والتنكيل الذي تسبب به أبناء الطائفة العلوية الذين كانوا يشغلون أعلى الرتب بين الضباط، وكانوا من أبرز المسؤولين عن جرائم القتل والتعذيب وإهانة السوريين، إضافة إلى أن جزءا كبيرا منهم كان من الشبيحة التي امتهنت القتل والسرقة والترويع".

ويتابع: "الآن يطالب مشايخهم بدل الاعتذار للشعب السوري والاعتراف بالخطأ، بعفو عام غير مشروط عن أبنائهم، وهذا الأمر يزيد الألم والشرخ لدى فئة كبيرة ظُلمت وعانت على يد أبناء هذه الطائفة، ولا زالت تبحث عن عظام أحبائها في المقابر الجماعية التي دفنوا فيها".

وأصدر مشايخ الطائفة العلوية عدة بيانات يدعون فيها إلى عفو عام يشمل الجميع دون استثناء، وتقديم الضمانات الكافية لعودة من غادر من أبناء طائفتهم إلى منزله، معتبرين أن المصالحة الوطنية هي الطريق الوحيد لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة.

سوريات في القاهرة - أرشيفية (رويترز)
"في مواجهة المجهول".. السوريون في مصر بعد سقوط الأسد
تشعر سلام بأنها حبيسة داخل العاصمة المصرية القاهرة، إذ تخشى طوال الوقت المرور على أي من الأكمنة الأمنية على الطرق منذ إتمام دراستها في مصر التي كانت قد حصلت بموجبها على الإقامة في البلاد منذ قدومها من سوريا، لكنها يحدوها الأمل من تبني مصر قانونا جديدا بشأن اللجوء.

حق للضحايا 

بين الدعوات للتسامح والمطالبة بالقصاص، تبقى سوريا أمام تحدٍ كبير لبناء مستقبل يجمع بين العدالة والسلام.

وفي ظل الآراء المتباينة، كيف يمكن تحقيق مصالحة شاملة تضمن حقوق الضحايا وتعيد اللحمة الوطنية؟ وهل العدالة الانتقالية هي السبيل الوحيد لمنع تكرار المآسي؟

يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، في حديثه لموقع الحرة أن المحاسبة تنقسم إلى قسمين رئيسيين، محاسبة جنائية وأخرى غير جنائية.

ويشير عبد الغني إلى أن القسم الجنائي يركز على محاكمة المتورطين في الجرائم الإنسانية وجرائم الحرب، خصوصًا من الصفوف الأولى في النظام، باعتبارهم صناع القرار والمسؤولين المباشرين عن ارتكاب هذه الجرائم.

ويلفت إلى أن المحاسبة قد تشمل أيضًا شخصيات من الصفوف الثانية، لكنها تستهدف بالدرجة الأولى القيادات العليا.

أما بالنسبة للقسم الآخر غير الجنائي، يوضح عبد الغني أنه يحظى بنقاش واسع مؤخرًا، ويشمل آليات تتعلق بمساءلة من لم يتورطوا بشكل مباشر في الجرائم، ولكنهم دعموا النظام وساهموا في تغطية جرائمه، وأكد أن المطالبات بالعفو العام لهذه الفئة، دون قيامها بتقديم أي اعتذار خطي وعلني، هي إهانة لملايين الضحايا وعائلاتهم.

ويضيف عبد الغني في حديثه مع الحرة، "طلب العفو العام بهذا الشكل هو إهانة للأمهات اللواتي فقدن أبناءهن تحت القصف والبراميل المتفجرة، هذه الجرأة بطلب العفو العام، دون أي خطوات تمهيدية مثل الاعتراف والاعتذار، أمر غير مقبول".

ويبين عبد الغني أن الخطوة الأولى لأي محاسبة غير جنائية يجب أن تبدأ باعتذار علني ومكتوب، يتسم بالتواضع والاحترام، ويشمل اعترافًا صريحًا بالجرائم المرتكبة ودون أي إنكار.

وأكد أنه على من يطالبون بالعفو أن يتحملوا مسؤولياتهم، من خلال تقديم تعويضات مالية مناسبة للضحايا من ثرواتهم الخاصة، والانخراط في أعمال مجتمعية لخدمة الضحايا.

كما دعاهم للمساهمة في كشف الحقيقة، خاصة إذا كانت لديهم معلومات عن المجرمين، مع التعهد بعدم تولي مناصب عليا مستقبلًا.

وشدد عبد الغني على أن ما ارتكبه هؤلاء الأشخاص كان فظيعًا، معتبرًا أن دعمهم للنظام وتوفيرهم غطاءً سياسيًا أو فنيًا أو إعلاميًا للإجرام، يستوجب تحملهم تبعات أفعالهم، مضيفا، "المحاسبة غير الجنائية بهذا الشكل هي أبسط حق ممكن أن يقدموه للضحايا، فما فعلوه كان فظيعًا، ويجب أن يدفعوا ثمنه".

واختتم عبد الغني بالإشارة إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان تحتفظ بأسماء المجرمين، وتعهدت بملاحقتهم قضائيًا، وأكد أن المحاسبة لن تسقط، وستظل مستمرة حتى ينال أهالي الضحايا حقهم الكامل.

وأصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، بيانا بعنوان "لا بديل عن محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب"، أكدت فيه على الانتهاكات الجسيمة التي طالت ملايين السوريين، والتي شارك في تنفيذها عشرات الآلاف من العاملين ضمن منظومته.

ووثَّقت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان هذه الانتهاكات بشكل يومي، وأرست قاعدة بيانات شاملة تضم ملايين الحوادث الموثَّقة على مدار 14 عام.

وأضاف البيان أنَّ الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان تمكنت من تحديد قائمة تضم أسماء نحو 16,200 شخص متورط في تلك الجرائم، بينهم أفراد من الجيش وأجهزة الأمن ومن القوات الرديفة التي تضم ميليشيات ومجموعات مساندة قاتلت إلى جانب القوات الرسمية.

هروب السينما الإيرانية

في ربيع عام 2024، انتشر مقطع فيديو على نطاق عالمي، يظهر فيه المخرج الإيراني المعروف، محمد رسولوف، وهو يسير، على قدميه، في مناطق وعرة. 

يرصد المقطع رسولوف أثناء هروبه من إيران إلى تركيا بعد أن أصدرت السلطات الإيرانية بحقه حكما بالجلد والسجن ثماني سنوات بسبب أعماله السينمائية. 

بعد أيام من هروبه وحصوله على اللجوء في السويد، أطل رسولوف في مهرجان "كان" السينمائي، في حضور حمل رسالة قوية إلى النظام الحاكم في إيران. 

صفق المشاركون في المهرجان طويلا، وبحرارة، للمخرج الإيراني، بعد فوزه بجائزة "لجنة التحكيم" الخاصة، عن فيلمه "بذرة التين المقدس".

واكتسبت تلك اللحظة زخما إضافيا لحقيقة أن رسولوف كان قد صور وأنتج فيلمه الفائز في "كان" داخل إيران قبل هروبه، تحت رقابة مشددة، وملاحقة أمنية، وتهديد دائم بالاعتقال.

يروي الفيلم قصة محقق قضائي كبير في طهران، مخول باستخدام نظام رقابة إلكتروني، يصاب بالرعب وهو يرى الاحتجاجات تتصاعد في أنحاء المدينة، فيشرع في مراقبة زوجته وبناته في المنزل، لأن آراءهن السياسية تختلف عن آرائه.

ظهر الفيلم في وقت كانت فيه إيران تتعرض لانتقادات دولية واسعة لقمعها الاحتجاجات التي أعقبت مقتل الشابة مهسا أميني في عهدة الشرطة عام 2022.

يقول كافيه عباسيان، وهو مخرج وخبير سينمائي إيراني لـ"الحرة" إن رسولوف أنجز فيلمه رغم كل العراقيل والضغوط التي تعرض لها داخل بلده. لكن الضغوط أجبرت عددا كبيرا من السينمائيين الإيرانيين على العزوف عن الإنتاج السينمائي.

إضافة إلى مزاياها  الفنية، تثير الأفلام الإيرانية في الخارج اهتماما كبيرا داخل المهرجانات وخارجها بسبب موضوعاتها التي غالبا ما تثير أسئلة حول الحرية والديمقراطية والاعتقال، ودور الدين في الحياة العامة.

القائمة لا تنتهي

يعتقد  عباسيان أن هروب غالبية العاملين الإيرانيين في قطاع السينما ساهم في جذب الاهتمام بالأفلام الإيرانية في الخارج. 

"برويس سياد، أحد أعظم صانعي الأفلام لدينا هرب من إيران. وعاد غلام علي عرفان إلى البلاد وأنتج بعض الأفلام، مُنعت جميعها. وكذلك رضا لاميزاده، لم يتمكن أيضا من مواصلة مسيرته المهنية فهرب من إيران. وكذلك نصرات حكيمي، وسوزان تسليمي وهي ممثلة إيرانية أيضا، وكثيرون غيرهم. أعني القائمة لا تنتهي".

فريدون جورك، مثل كثير من هؤلاء السينمائيين، اضطر إلى المغادرة عام 2002، بعدما لاحقته السلطات الإيرانية طوال سنوات عمله في السينما داخل إيران. 

يقول جورك لـ"الحرة" إنه قضى أكثر من أربعين عاما يعمل في مختلف المجالات السينمائية في إيران. أخرج حوالي 25 فيلما، لكن أجبرته الاعتقالات والملاحقة المستمرة  له ولزوجته على الهروب من طهران.

"فررنا خوفا من أن نُعتقل مرة أخرى، ولجأنا إلى الولايات المتحدة، نعيش اليوم في لوس أنجلوس ونحاول إظهار بعض جرائم هذا النظام للناس، وشرحها لهم من خلال الصورة. فالصورة دائما تساعد أكثر على إبراز الحقيقة".

من سيئ إلى أسوأ

بدأت معاناة السينمائيين الإيرانيين تتعمق مع انتقال الحكم من الشاه محمد رضا بهلوي إلى روح الله الخميني.

قبل الثورة الإسلامية في إيران، كانت السينما الإيرانية تحت إشراف وزارة الثقافة والفنون، وكانت مهمتها الأولى، الإشراف والتدقيق في كل ما ينتجه السينمائيون، يقول جورك.

مع تربع الخميني على سدة الحكم، أصبحت الأمور أكثر سوءا. "فعندما جاء الخميني، كان أول تعليق له عن السينما بمثابة إهانة حقيقية للمجتمع الفني. قال الخميني 'نحن لسنا ضد السينما لكنه ضد الرذيلة'. أهان العاملين في مجال السينما علنا.

بعد هذا التصريح شرع أنصاره بإحراق دور السينما في جميع أنحاء البلاد.

أثناء تحقق فريق "الحرة" من معلومات جورك بشأن تصريح الخميني، وجدنا أنه يعود إلى فترة وجود الخميني في المنفى في فرنسا وقتها، ووجدنا تقريرا نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية عام 1978.

 يبين التقرير أن أول حادث عنف ضد العاملين في السينما  داخل إيران حريق أضرم في دار سينما مزدحمة في مدينة عبادان الإيرانية، وأسفر عن مقتل 377 شخصا على الأقل في واحدة من أسوأ الكوارث من نوعها في تاريخ إيران، بحسب وصف الصحيفة.

قُتل رواد السينما دهسا أو اختناقا أو أُحرقوا أحياء. ويكشف التقرير أن زعماء دينيين متطرفين ألقوا كلمات في تجمعات حاشدة في جميع أنحاء إيران، حثوا فيها الإيرانيين على أداء الصلاة في المساجد بدلا من مشاهدة الأفلام في السينما أو التلفزيون. 

يؤكد فريدون جورك، الذي عايش تلك الأحداث في إيران، أن المحكمة كشفت أن الخميني كان مسؤولا عن الحريق. 

"هذا العمل الشنيع كان من عمل الجمهورية الإسلامية"، يقول. 

الحديث عن الإبداع "سخف"

"منذ الثورة تصاعد العنف ضد العاملين في قطاع السينما،" يقول علي المقدم، وهو مخرج إيراني هرب أيضا من إيران في  أواخر عام 2027، بعد اعتقاله وسجنه عدة مرات. 

يشير المقدم إلى أن الحديث عن الإبداع تحت حكم الجمهورية الإسلامية يصبح سخيفا، لأن السلطات لا تسمح لأحد بالاجتهاد والإبداع. "الحكومة تريد فقط فرض رأيها على كل شيء، وهذا لا يتعلق بالسينما فقط، إنما يتعداه إلى الموسيقى، الكتابة والشعر والنحت".

حتى عام 2023، تجاوز عدد السينمائيين المعتقلين في إيران 150 شخصا، أودت السلطات معظمهم في سجن إيفين، سيء الصيت، الذي أصبح معروفا باسم "سجن الفنانين".

رغم تضييق السلطات على السينمائيين، يعد قطاع السينما داخل إيران من أكثر الصناعات نشاطا، بإنتاج يقارب مئة فيلم سنويا، لكن الغالبية العظمى من ذلك الإنتاج تقع ضمن دائرة البروباغندا الإعلامية. 

يقول المخرج الإيراني كافيه عباسيان لـ"الحرة" إن الحرس الثوري الإسلامي يملك شركة إنتاج تُسمى "المعهد الثقافي"، وهي تنتج، إضافة إلى الأفلام، مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية.

 "لدينا هنا ميليشيا إسلامية للإنتاج الإعلامي، تُوازي الجيش الإيراني، وهم يتفوقون على أي شركة إنتاج خاصة أخرى في إيران" يقول عباسيان، "يدفعون أجورا أعلى بكثير لمحترفي السينما والممثلين لإنتاج أفلامهم، ونتيجة لذلك تبدو أفلامهم رائعة، لكن السينما الإيرانية لها تاريخ طويل".

رغم القمع، واضطرار رسولوف وجورك، وعشرات السينمائيين إلى الهروب من إيران، معهم إبداعاتهم، تتواصل في القرى والمدن الإيرانية إنتاجات السينما المستقلة، و"هذا هو الأهم، هذا هو مستقبل إيران، هذا هو المستقبل الذي يهمنا"، يقول المخرج الإيران كافيه عباسيان لـ"الحرة" من منفاه البريطاني.