A Palestinian boy looks out from his family's house, damaged in previous Israeli strikes, amid the Israel-Hamas conflict, in Khan Younis, southern Gaza Strip
طفل عند نافذة بيته المدمر في خان يونس جنوب قطاع غزة، تعبيرية- رويترز

في انتظار إعلان الهدنة بين إسرائيل وحماس، لم ينم كثير من أهل غزة ليل الاثنين. أعينهم ظلت مفتوحة تتطلّع لليوم التالي، الذي لا يشبه خطط السياسيين.

يقول أحدهم إنه يريد أن يبكي كثيرا، وسيخرج ما في جعبته من حزنّ مكدّس. بينما يخشى آخر من صدمة الفقد المؤجلة منذ شهور.

وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بالأمل، بعض الفرح، واستذكار الضحايا. ليس من داخل غزة فحسب، بل من كل مكان يتابع أخبار صفقة وقف إطلاق النار والإفراج عن الرهائن.

من داخل الخيام وبين الركام

بين مخيمين، أحدهما في الشمال وآخر في الجنوب. يتحدث الصحفي فايز قريقع هاتفياً مع المبرمجة وصانعة المحتوى شروق الأزبكي، في فيديو أعدّاه للحظة حلم وحقيقة.

تحلم شروق أن تمشي على "شارع البحر" وتفطر في ميناء غزة حين تعود، وهي التي حزمت متاعها في حقيبة داخل خيمة.

فيقول فايز إن لا الشارع ولا المينا على نفس الحال قبل الحرب. ويمشي بين المباني المدمرة، منها جامع وكنيسة، وركام كبير في حي الرمال، واصفاً المنطقة بأنها مدينة أشباح.

وكتب الصحفي يوسف فارس "أهلنا في الجنوب، اشتقنالكم والله، اشتاقتلكم شوارعكم وبيوتكم، لا تزعلوا لما تشوفوا اللي ظل (ما تبقى) من الشمال، طالما فينا الروح بنعمرها".

وهو جانب من توصيف الحالة التي يعيشها المواطنون قبيل إعلان وقف إطلاق النار وسريان الهدنة، والسماح للنازحين بالعودة لمناطقهم.

النازح من شمال القطاع محمود أبو نحل كتب على فيسبوك "أنا وشاكوشي (مطرقة) جاهزين". وبمجرد سماعه إعلان الهدنة سيفك خيمته وينقلها "لتراب الشمال الجميل بكل تفاصيله".

ويصف محمود البكاء على من فقده بأنه "رفاهية" لم يجدها طيلة سنة وشهرين من الحرب. لكن الآن "حان الوقت لينتهي الألم ونلملم جراحنا".

رجاء حمدونة (أكرم) على فيسبوك نسبة لاسم زوجها، تأمل بأن تذهب "بسرعة" بعد إعلان الهدنة للمكان الذي عاشت فيه مع عائلتها قبل الحرب. 

فقدت رجاء زوجها أكرم وابنيها محمد وأحمد في قصف إسرائيلي على رفح المحاذية للحدود المصرية، في يونيو 2024، ولم تعرف للآن مصير جثثهم.

كتبت أمس الاثنين "رح أفتش عليهم وأدوّر على كل شي بيتعلق فيهم ومن ريحتهم.. رح أفتش على أجسادهم وأودعهم وأدفنهم بإيدي أو أجمعهم عظمة عظمة".

ونشر بعض الغزيين صورا وفيديوهات لأطفال وشباب فرحين باقتراب الهدنة، حذرين أيضاً من أنها لا تعني نهاية الحرب تماماً.

وقال وضاح أبو جامع في توصيفه لما سيأتي "لا أقدام يعودون بها" إشارة لفقدان الكثير من أهالي القطاع أطرافهم في الحرب.

وأضاف "لا منازل تحتضنهم، لا شوارع، لا أحياء، لا وظائف، لا أصحاب، لا عائلة"، مردفاً "سنضحك وستنتهي الإبادة، وتبدأ الحروب".

وكتب خالد راسم "النهاية تثير في نفسي خوفاً مماثلاً لبداية الحرب، فالنهاية تعني أن من غادر لن يعود أبداً".

ووصف العديد الحال في بعض المناطق منذ يومين حتى الآن بأنه يشبه "أجواء عيد وفرح". يقول أسامة الكحلوت "زغاريد في مواصي خان يونس".

وتقول دعاء أحمد "الأجواء الآن في غزة أشبه بليلة العيد. يا رب تمم فرحنا واجعل غداً عيدنا"، تقصد بذلك الثلاثاء.

وكتب أنيس غنيمة أن مشهد "تهليل الناس في السوق" عند سماع أي إشاعة بتوقيع الهدنة "يجب أن يراه الجميع".

ذلك لأنه يمثل برأي أنيس "الصوت الوحيد للشعب الذي يريد فقط أن ينتهي عذابه الآن وليس غداً".

لخصّت هبة الآغا كل ذلك بالقول "غزة رقصة الذبيح".

ومنذ ساعات الصباح الأولى بالتوقيت المحلي في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، ذهبت مسودة الاتفاق لحماس التي سترد خلال 24 ساعة، وإلى الكنيست كي يتخذ قراره.

وكشف وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الثلاثاء، قرب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، قائلا إنه "جاهز للتنفيذ إذا قبلت حماس".

وقبله، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري "نحن في النقطة الأقرب للوصول إلى اتفاق".

هروب السينما الإيرانية

في ربيع عام 2024، انتشر مقطع فيديو على نطاق عالمي، يظهر فيه المخرج الإيراني المعروف، محمد رسولوف، وهو يسير، على قدميه، في مناطق وعرة. 

يرصد المقطع رسولوف أثناء هروبه من إيران إلى تركيا بعد أن أصدرت السلطات الإيرانية بحقه حكما بالجلد والسجن ثماني سنوات بسبب أعماله السينمائية. 

بعد أيام من هروبه وحصوله على اللجوء في السويد، أطل رسولوف في مهرجان "كان" السينمائي، في حضور حمل رسالة قوية إلى النظام الحاكم في إيران. 

صفق المشاركون في المهرجان طويلا، وبحرارة، للمخرج الإيراني، بعد فوزه بجائزة "لجنة التحكيم" الخاصة، عن فيلمه "بذرة التين المقدس".

واكتسبت تلك اللحظة زخما إضافيا لحقيقة أن رسولوف كان قد صور وأنتج فيلمه الفائز في "كان" داخل إيران قبل هروبه، تحت رقابة مشددة، وملاحقة أمنية، وتهديد دائم بالاعتقال.

يقول كافيه عباسيان، وهو مخرج وخبير سينمائي إيراني لـ"الحرة" إن رسولوف أنجز فيلمه رغم كل العراقيل والضغوط التي تعرض لها داخل بلده. لكن الضغوط أجبرت عددا كبيرا من السينمائيين الإيرانيين على العزوف عن الإنتاج السينمائي.

إضافة إلى مزاياها  الفنية، تثير الأفلام الإيرانية في الخارج اهتماما كبيرا داخل المهرجانات وخارجها بسبب موضوعاتها التي غالبا ما تثير أسئلة حول الحرية والديمقراطية والاعتقال، ودور الدين في الحياة العامة.

القائمة لا تنتهي

يعتقد  عباسيان أن هروب غالبية العاملين الإيرانيين في قطاع السينما ساهم في جذب الاهتمام بالأفلام الإيرانية في الخارج. 

"برويس سياد، أحد أعظم صانعي الأفلام لدينا هرب من إيران. وعاد غلام علي عرفان إلى البلاد وأنتج بعض الأفلام، مُنعت جميعها. وكذلك رضا لاميزاده، لم يتمكن أيضا من مواصلة مسيرته المهنية فهرب من إيران. وكذلك نصرات حكيمي، وسوزان تسليمي وهي ممثلة إيرانية أيضا، وكثيرون غيرهم. أعني القائمة لا تنتهي".

فريدون جورك، مثل كثير من هؤلاء السينمائيين، اضطر إلى المغادرة عام 2002، بعدما لاحقته السلطات الإيرانية طوال سنوات عمله في السينما داخل إيران. 

يقول جورك لـ"الحرة" إنه قضى أكثر من أربعين عاما يعمل في مختلف المجالات السينمائية في إيران. أخرج حوالي 25 فيلما، لكن أجبرته الاعتقالات والملاحقة المستمرة  له ولزوجته على الهروب من طهران.

"فررنا خوفا من أن نُعتقل مرة أخرى، ولجأنا إلى الولايات المتحدة، نعيش اليوم في لوس أنجلوس ونحاول إظهار بعض جرائم هذا النظام للناس، وشرحها لهم من خلال الصورة. فالصورة دائما تساعد أكثر على إبراز الحقيقة".

من سيئ إلى أسوأ

بدأت معاناة السينمائيين الإيرانيين تتعمق مع انتقال الحكم من الشاه محمد رضا بهلوي إلى روح الله الخميني.

قبل الثورة الإسلامية في إيران، كانت السينما الإيرانية تحت إشراف وزارة الثقافة والفنون، وكانت مهمتها الأولى، الإشراف والتدقيق في كل ما ينتجه السينمائيون، يقول جورك.

مع تربع الخميني على سدة الحكم، أصبحت الأمور أكثر سوءا. "فعندما جاء الخميني، كان أول تعليق له عن السينما بمثابة إهانة حقيقية للمجتمع الفني. قال الخميني 'نحن لسنا ضد السينما لكنه ضد الرذيلة'. أهان العاملين في مجال السينما علنا.

بعد هذا التصريح شرع أنصاره بإحراق دور السينما في جميع أنحاء البلاد.

أثناء تحقق فريق "الحرة" من معلومات جورك بشأن تصريح الخميني، وجدنا أنه يعود إلى فترة وجود الخميني في المنفى في فرنسا وقتها، ووجدنا تقريرا نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية عام 1978.

 يبين التقرير أن أول حادث عنف ضد العاملين في السينما  داخل إيران حريق أضرم في دار سينما مزدحمة في مدينة عبادان الإيرانية، وأسفر عن مقتل 377 شخصا على الأقل في واحدة من أسوأ الكوارث من نوعها في تاريخ إيران، بحسب وصف الصحيفة.

قُتل رواد السينما دهسا أو اختناقا أو أُحرقوا أحياء. ويكشف التقرير أن زعماء دينيين متطرفين ألقوا كلمات في تجمعات حاشدة في جميع أنحاء إيران، حثوا فيها الإيرانيين على أداء الصلاة في المساجد بدلا من مشاهدة الأفلام في السينما أو التلفزيون. 

يؤكد فريدون جورك، الذي عايش تلك الأحداث في إيران، أن المحكمة كشفت أن الخميني كان مسؤولا عن الحريق. 

"هذا العمل الشنيع كان من عمل الجمهورية الإسلامية"، يقول. 

الحديث عن الإبداع "سخف"

"منذ الثورة تصاعد العنف ضد العاملين في قطاع السينما،" يقول علي المقدم، وهو مخرج إيراني هرب أيضا من إيران في  أواخر عام 2027، بعد اعتقاله وسجنه عدة مرات. 

يشير المقدم إلى أن الحديث عن الإبداع تحت حكم الجمهورية الإسلامية يصبح سخيفا، لأن السلطات لا تسمح لأحد بالاجتهاد والإبداع. "الحكومة تريد فقط فرض رأيها على كل شيء، وهذا لا يتعلق بالسينما فقط، إنما يتعداه إلى الموسيقى، الكتابة والشعر والنحت".

حتى عام 2023، تجاوز عدد السينمائيين المعتقلين في إيران 150 شخصا، أودت السلطات معظمهم في سجن إيفين، سيء الصيت، الذي أصبح معروفا باسم "سجن الفنانين".

رغم تضييق السلطات على السينمائيين، يعد قطاع السينما داخل إيران من أكثر الصناعات نشاطا، بإنتاج يقارب مئة فيلم سنويا، لكن الغالبية العظمى من ذلك الإنتاج تقع ضمن دائرة البروباغندا الإعلامية. 

يقول المخرج الإيراني كافيه عباسيان لـ"الحرة" إن الحرس الثوري الإسلامي يملك شركة إنتاج تُسمى "المعهد الثقافي"، وهي تنتج، إضافة إلى الأفلام، مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية.

 "لدينا هنا ميليشيا إسلامية للإنتاج الإعلامي، تُوازي الجيش الإيراني، وهم يتفوقون على أي شركة إنتاج خاصة أخرى في إيران" يقول عباسيان، "يدفعون أجورا أعلى بكثير لمحترفي السينما والممثلين لإنتاج أفلامهم، ونتيجة لذلك تبدو أفلامهم رائعة، لكن السينما الإيرانية لها تاريخ طويل".

رغم القمع، واضطرار رسولوف وجورك، وعشرات السينمائيين إلى الهروب من إيران، معهم إبداعاتهم، تتواصل في القرى والمدن الإيرانية إنتاجات السينما المستقلة، و"هذا هو الأهم، هذا هو مستقبل إيران، هذا هو المستقبل الذي يهمنا"، يقول المخرج الإيران كافيه عباسيان لـ"الحرة" من منفاه البريطاني.