خريطة توضح علاقة مدينة منبج بالمدن الأخرى التي يسيطر عليها داعش
خريطة توضح علاقة مدينة منبج بالمدن الأخرى التي يسيطر عليها داعش

فر مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية داعش من مدينة منبج باتجاه جرابلس المحاذية للحدود التركية شمال سورية، وأعلنت قوات سورية الديمقراطية المدعومة من واشنطن السبت سيطرتها الكاملة على المدينة.

بيد أن أهمية استعادة منبج لا تحسب بالكيلومترات التي تمتد عليها هذه المدينة الصغيرة، بل بموقعها الاستراتيجي بوصفها لفترة من الوقت "العاصمة العسكرية للتنظيم".

فقد كانت مدينة منبج حلقة وصل هامة لعناصر التنظيم في حلب والرقة في سورية وعنتاب التركية، إضافة إلى كونها نقطة هامة في التواصل الجغرافي مع مدينة الموصل في شمال العراق.

وفي تحرير منبج، حققت واشنطن هدفا استراتيجيا في الحملة ضد داعش، إذ طالما حذر مسؤولون أميركيون كبار من مخططات إرهابية تحاك ضد الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا، انطلاقا من هذه المدينة.

 

​​

واستمرت المعارك العنيفة بين عناصر التنظيم وقوات سورية الديموقراطية 73 يوما، نجحت فيها القوات الكردية المدعومة من واشنطن، في طرد عناصر التنظيم بشكل كامل من المدينة.

وكان ابن شقيق أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم يدير المدينة، ما يشير إلى أهميتها ممرا ونقطة اتصال حيوية بين نقاط تجمع التنظيم في سورية والعراق.

ويعمل خبراء أميركيون وفرنسيون يرافقون قوات سورية الديموقراطية على إبطال مفعول القنابل والألغام التي زرعها التنظيم في أنحاء مدينة منبج، بعدما فر عناصره منها.​

​​

ويرى المحلل السياسي طه عودة من تركيا أن الوجود الكردي بعد تحرير منبج على الحدود التركية يمثل مشكلة كبيرة لأنقرة، فتحرير المدينة "يخلط الأوراق في المنطقة".

ويشير عودة إلى أن تحرير منبج يأتي بعد فترة قصيرة من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى روسيا والتي حاول خلالها الاتفاق مع المسؤولين الروس على نقاط أساسية تتعلق بالملف السوري، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية تقدم دعما عسكريا للقوات الكردية التي تقاتل داعش بالقرب من الحدود التركية.

​​

وكانت مدينة منبج ذات أهمية اقتصادية قصوى بالنسبة للتنظيم لقربها من الحدود التركية، إذ تعد نقطة مهمة في خطوط نقل النفط الذي يستفيد التنظيم من عائداته لتمويل أنشطته.

وقد فر عناصر التنظيم شمالا باتجاه مدينة جرابلس المحاذية للحدود التركية، التي تبعد 38 كيلومترا عن منبج.

ومدينة منبج مختلطة من حيث التركيبة السكانية، إذ يبلغ عدد سكانها 70 ألفا يتشكلون من العرب والأكراد والشركس والتركمان.​

الأيام الأخيرة في منبج

وفي أيامهم الأخيرة تحصن عناصر داعش في منطقة المربع الأمني وسط منبج، قبل انسحابهم تدريجيا في اليومين الأخيرين إلى حي السرب على أطراف المدينة الشمالية، وفق المتحدث باسم مجلس منبج العسكري المتحالف مع قوات سورية الديموقراطية شرفان درويش.

ومنذ سيطرتها على الجزء الأكبر من المدينة، طرحت قوات سورية الديموقراطية مبادرات عدة عرضت خلالها على التنظيم مغادرة المدينة من دون قتال مقابل إطلاق سراح المدنيين المحتجزين لديهم، لكنه رفض تلك المبادرات.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض منذ إطلاق قوات سورية الديموقراطية معركة تحرير منبج، مقتل "437 مدنيا، بينهم 105 أطفال". وقتل 203 منهم جراء غارات جوية في مدينة منبج وريفها، والآخرون جراء المعارك والقصف.

كذلك قتل 299 عنصرا من قوات سورية الديموقراطية مقابل 1019 مقاتلا على الأقل من تنظيم داعش خلال المعارك وجراء ضربات التحالف الدولي.

وتعد منبج الخسارة الأبرز للتنظيم على يد قوات سورية الديموقراطية التي كانت قد طردته من مناطق عدة في شمال وشمال شرق سورية منذ تأسيسها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

المصدر: أ ف ب/ وسائل إعلام كردية/ موقع الحرة

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟