أنصار ترامب يحتفلون بفوزه
أنصار ترامب يحتفلون بفوزه

استقبل العالم نبأ فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة بمزيج من الصدمة والترقب، لكن زعماء العالم سارعوا إلى تهنئة الرئيس المنتخب وإبداء الاستعداد للتعاون مع الإدارة الجديدة.

فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين هنأ ترامب على الفوز، مشيرا إلى أنه يأمل حوارا بناء مع الولايات المتحدة، والعمل "لإخراج العلاقات الأميركية-الروسية من حالتها الصعبة" بما يخدم مصلحة البلدين والمجتمع الدولي. 

وشهدت علاقات موسكو وواشنطن توترات عدة في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما التي ساهمت مع الغرب في وضع عقوبات على روسيا بسبب أزمة شبه جزيرة القرم في أوكرانيا.

وبالنسبة لإيران التي تنظر بعين الريبة لوصول ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، دعا وزير الخارجية محمد جواد ظريف الأربعاء الرئيس الأميركي المنتخب الذي طالما انتقد الاتفاق النووي، إلى "احترام الاتفاقات" الدولية المبرمة مع بلاده.

وقال ظريف خلال زيارة إلى بوخارست "كل رئيس للولايات المتحدة يجب أن يفهم وقائع العالم اليوم. الأهم هو أن يحترم رئيس الولايات المتحدة الاتفاقات والتعهدات التي تقطع ليس على مستوى ثنائي وإنما على مستوى متعدد الأطراف".

وعلى الرغم من انتقاد ترامب الدائم للسعودية، إلا أن العاهل سلمان بن عبد العزيز بعث برقية تهنئة إلى الرئيس المنتخب، أشاد فيها بـ"العلاقات التاريخية الوثيقة بين البلدين الشقيقين".

واعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت الأربعاء أن "الكثير من الأسئلة" ستطرح بعد فوز ترامب بالرئاسة الأميركية، معبرا عن قلقه خصوصا من مستقبل اتفاق باريس حول المناخ أو الاتفاق النووي مع إيران.

وقال آيرولت لشبكة "فرانس-2" إنه "سيتوجب معرفة ما يريد الرئيس الجديد القيام به. ما قاله حتى الآن يثير قلقا"، مؤكدا في الوقت ذاته أن فرنسا "حليفة الولايات المتحدة" ستواصل العمل مع شريكها الأميركي.

وكانت زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبن أول المبادرين بتهنئة ترامب الأربعاء في تغريدة على تويتر، قالت فيها "التهاني للرئيس الجديد للولايات المتحدة ترامب والشعب الأميركي الحر".

وأوضحت كوريا الجنوبية من جانبها أنها تتوقع أن يحافظ ترامب على السياسة الأميركية ذاتها المتعلقة بجارتها كوريا الشمالية، بحسب ما صرح به وزير الخارجية الكوري الجنوبي يون بيونغ سي الأربعاء.

ووصفت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين فوز ترامب بأنه "صدمة كبيرة"، مشيرة إلى أن انتخابه هو بمثابة التصويت ضد واشنطن.

وقالت فون دير ليين الأربعاء لتلفزيون "ايه.آر.دي" الألماني "أعتقد أن ترامب يعلم أن ذلك لم يكن تصويتا له بل كان تصويتا ضد واشنطن... ضد مؤسسة الإدارة الأميركية".

حماس قلقة

وأكدت حركة حماس من جانبها أنها "لا تعول" على تغيير في السياسة الأميركية "المنحازة" ضد الفلسطينيين مع فوز ترامب.

وقال المتحدث باسم حماس سامي أبو زهري "الشعب الفلسطيني لا يعول كثيرا على أي تغيير في الرئاسة الأميركية، لأن السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية هي سياسة ثابتة وقائمة على أساس الانحياز"، داعيا ترامب إلى إعادة "تقييم" هذه السياسة.

وأعلنت الرئاسة الفلسطينية الأربعاء استعدادها للتعامل مع ترامب على قاعدة الالتزام بحل الدولتين، وفق ما قال المتحدث باسمها نبيل أبو ردينة.

وقال أبو ردينة "نحن جاهزون للتعامل مع الرئيس الأميركي المنتخب على قاعدة الالتزام بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطين على حدود 1967".

أوروبا منفتحة

وأكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيدريكا موغيريني الأربعاء أن الاتحاد الأوروبي سيواصل العمل مع الولايات المتحدة عقب انتخاب ترامب رئيسا. 

وقالت عقب فوزه إن "العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أعمق من أي تغيير في السياسة. وسنواصل العمل معا وإعادة اكتشاف قوة أوروبا".

ووجه رئيس المفوضية الأوروبية جان-كلود يونكر ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الأربعاء دعوة إلى الرئيس الأميركي المنتخب لعقد قمة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في أوروبا حين يسمح له الوقت بذلك.

وأوضحت الصين من جانبها أنها ستعمل مع الرئيس الأميركي الجديد لضمان تطور منتظم وقوي للعلاقات الثنائية، وفق ما صرح به لو كانغ المتحدث باسم الخارجية الصينية.

تهنئة من السيسي

وفي أول رد فعل له هنأ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ترامب بفوزه برئاسة الولايات المتحدة، معربا عن أمله في "بث روح جديدة" في العلاقات المصرية الأميركية.

وقال بيان صادر عن الرئاسة المصرية إن الرئيس السيسي "يتقدم بخالص التهنئة للرئيس الأميركي المنتخب ترامب متمنيا له كل التوفيق والنجاح في أداء مهامه، ومتطلعا إلى تعزيز علاقات التعاون بين مصر والولايات المتحدة الأميركية على كافة المستويات".

وهنأ وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو ترامب بفوزه. وقال في تغريدة على تويتر إن أنقرة ستعزز "علاقاتها القائمة على الثقة وتعاونها" مع الولايات المتحدة.

تفاؤل في الناتو

واعتبر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ الأربعاء أن زعامة الولايات المتحدة "مهمة أكثر من أي وقت مضى" بعد فوز ترامب، قائلا إن "حلفا قويا هو أمر جيد للولايات المتحدة وأوروبا".

وقال ستولتنبرغ في بيان "نحن نواجه أجواء أمنية جديدة صعبة وخصوصا في ما يتعلق بالحرب الهجينة والقرصنة المعلوماتية وتهديد الإرهاب".

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟