الممثل زياد عيتاني (أ ف ب)
الممثل زياد عيتاني (أ ف ب)

خاص بـموقع الحرة/

وضع وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق حدا لاتهام الفنان اللبناني زياد عيتاني بالعمالة لإسرائيل، على أن يضع القضاء اللبناني حدا لسجنه المستمر منذ ثلاثة أشهر "في الساعات القليلة المقبلة، وليس الأيام"، حسب ما قالت مصادر رسمية في وزارة الداخلية لـ"موقع الحرة".

وحسب تلك المصادر، فإن المشنوق كان قد طلب منذ أسابيع من فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي التحقيق في ملف عيتاني "بعدما اطلع وزير الداخلية على عدد من التقارير الأمنية في خصوص الملف". ولم يكن الوزير يرغب في الكشف عن الموضوع حتى يتم توقيف جميع المتورطين.

لكن تسريب خبر توقيف المقدم سوزان الحاج الرئيسة السابقة لـ "مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية" في قوى الأمن الداخلي اللبناني، جعل المشنوق يعلن عبر موقع تويتر خبر براءة عيتاني، حسب مصادر الداخلية.

​​

​​

وقال المشنوق في تغريدة: "كل اللبنانيين يعتذرون من زياد عيتاني البراءة ليست كافية الفخر به وبوطنيته هو الحقيقة الثابتة والوحيدة والويل للحاقدين، الأغبياء، الطائفيين، الذين لم يجدوا غير هذا الهدف الشريف، البيروتي الأصيل، العروبي الذي لم يتخل عن عروبته وبيروتيته يوما واحدا".

ولفتت المصادر إلى أن قوى الأمن تلاحق متهمين آخرين، أبرزهم مخبر تولى عملية "تهكير" ـ أي قرصنة ـ كومبيوتر عيتاني وحساباته على وسائل التواصل الاجتماعي. وردا على سؤال عن سبب التأخر لكشف براءة عيتاني، قالت المصادر، إن كشف رواية مفبركة يحتاج إلى وقت طويل؛ وإن إعلانها يحتاج إلى جرأة سياسية وأمنية وأدبية.

قول مصادر وزارة الداخلية إن الموضوع يحتاج إلى جرأة سياسية، يعود إلى واقع أن جهاز أمن الدولة الذي أوقف عيتاني، يعتبر الجهاز الأقرب إلى عهد رئيس الجمهورية ميشال عون المتحالف مع حزب الله؛ في المقابل فإن فرع المعلومات يعتبر أقرب إلى تيار المستقبل.

بدوره، قال رياض عيتاني، شقيق زياد عيتاني، لموقع الحرة، إن العائلة واثقة من براءة ابنها ولم تتلق بعد أي موقف رسمي لجهة توقيت إطلاق سراحه.

وأشار المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير – مركز الدفاع عن الحريات جاد شحرور، إلى أن المؤسسة تطالب بإجراء تحقيق مفصل وعلني بسبب التضارب في المعلومات. وسأل شحرور: "من يعوض زياد عيتاني مهنيا ومعنويا، ومن يعوض الصحافيين الذين سربت أسماؤهم للإعلام؟".

وكانت تقارير إعلامية تحدثت عن تعرض عيتاني لتعذيب لدى جهاز أمن الدولة، وهو ما جعل اللبنانيين يستعيدون مرحلة الوجود العسكري السوري في لبنان، الذي امتد من عام 1976 إلى عام 2005.

لكن السؤال الأبرز يبقى، لماذا فبرك ملف اتهام عيتاني؟

يجيب الصحافي فداء عيتاني، الذي نشر منذ أسابيع سلسلة من التحقيقات الصحفية حول فبركة التهمة وتفاصيل الملف، عن السؤال في أحد هذه التحقيقات بالقول: "البعد الآخر هو تهافت النظام السياسي القائم في لبنان، الذي باتت قصة زياد عيتاني تمثل ملخصا له، اعتقال، تعذيب، انتزاع اعترافات بالقوة والتهديد والضرب، تحويل إلى التوقيف الاحتياطي، توقيف بانتظار المحاكمة، إجراءات إدارية بطيئة لدى القضاء نظرا لضغط العمل على الجسم القضائي، كل ذلك بسبب وشاية، أو ربما شكوى من جهة فضلت أن تبقى خلف الأضواء، ومع الكثير من بيانات فارغة من مديرية أراد رئيس الجمهورية الجديد تكريسها كجهاز أمني قوي يحمي عهده، بينما ينهار البلد تحت وابل من المصائب التي لا قبل ولا إرادة للقوى الحاكمة على حل أي منها".

​​

​​

وسبق أن قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها العالمي 2018 إن القيود على حرية التعبير اشتدت العام الماضي في لبنان في ظل مماطلة في الإصلاحات الحقوقية. ووثقت هيومن رايتس ووتش بلاغات جديدة عن التعرض للتعذيب على يد القوى الأمنية اللبنانية في 2017، بما فيها الأمن الداخلي والجيش.

ويشكو الصحافيون والعاملون في مجال الحريات العامة في لبنان، من تراجع سقف الحريات منذ انتخاب عون رئيسا للجمهورية، إذ تشهد البلاد بشكل متواتر توقيف صحافيين ومدونين على خلفية مقالات أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا إذا كانوا معارضين لعون وحزب الله.

وفي الأسابيع الماضية أصدر القضاء العسكري اللبناني حكما بالسجن على الصحافية اللبنانية حنين غدار لقولها: "السنة مقموعون من قبل حزب الله والجيش اللبناني فيما لا يمكن المساس بميليشيا حزب الله".

 

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟