مبنى البنتاغون
مبنى البنتاغون

جددت المتحدثة باسم البنتاغون لشؤون القيادة الوسطى الأميركية ريبيكا ريباريتش بأن تنفيذ صفقة بيع الأسلحة مع المملكة العربية السعودية البالغة 110 مليارات دولار والموقعة عام 2017، لا تغيير فيه ومستمر وفقا للبرنامج الزمني المتفق عليه.

وذكرت مصادر عسكرية أميركية لمراسل "الحرة" في البنتاغون أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تتجه إلى تنفيذ المرحلة المقبلة من هذه الصفقة قبل منتصف 2019، وهي المرحلة الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية.

وتقضي هذه المرحلة بتسليم القوات المسلحة السعودية أنظمة ومعدات تصنّعها شركة "لوكهيد مارتن" الأميركية، والتي تتعدى قيمتها 20 مليار دولار أميركي.

وأوضحت المصادر العسكرية أن المرحلة المقبلة تقضي بتسليم سلاحي البحرية والجو السعوديين سفنا حربية مقاتلة من طراز "أل سي أس"، إضافة إلى البرنامج الأولي من نظام الدفاع الجوي الصاروخي المعروف بـ"ثاد"، والذي تبلغ قيمته وحده 15 مليار دولار أميركي. 

ويأتي الإعلان غداة تأكيد الرئيس ترامب في تصريحاتها لـUSA Today أنه سيعارض أي جهود لوقف بيع الأسلحة للرياض كرد على مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي.

واعتبر ترامب أن هناك "الكثير من الإجراءات العقابية المحتملة"، وقال إنه سيتشاور مع أعضاء الكونغرس البارزين من أجل تحديد الرد المناسب.

وقال إن مليارات الدولارات من مبيعات الأسلحة الأميركية تشكل نعمة اقتصادية للأميركيين وصفقة ستكون شركات روسية وصينية سعيدة لعقدها إذا ألغتها الولايات المتحدة. وتابع "لدينا صورة أكبر يبغي أن تظل في ذهننا"، مشيرا من جهة أخرى إلى دور السعودية في مواجهة نفوذ إيران في الشرق الأوسط.

قتل خاشقجي "مؤامرة فاشلة" و"عمل غبي وأحمق"

وتطرق الرئيس الأميركي إلى وفاة الصحافي جمال خاشقجي التي وصفها بأنها "مؤامرة باءت بالفشل".

وأوضح ترامب في تصريحاته لـUSA Today خلال توجهه إلى تكساس مساء الاثنين للمشاركة في الحملة الانتخابية للسناتور تيد كوز، أنه لا يعتقد أن خاشقجي استدرج إلى القنصلية السعودية في اسطنبول من أجل اغتياله.

وأعلنت السعودية السبت أن خاشقجي قتل فعلا داخل مقر قنصليتها في اسطنبول "إثر شجار وتشابك بالأيدي"، مشيرة إلى اعتقال 18 شخصا في إطار القضية.

وقال ترامب إنه تحدث مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول القضية، مشيرا إلى أن مزيدا من التفاصيل حول القضية ستظهر في اليومين القادمين.

وقال إن ولي العهد السعودي أبلغه بأن لا علاقة له أو لوالده الملك سلمان بمقتل خاشقجي. ورفض ترامب الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان يصدق نفي الأمير، لكنه قال إنه في حال ثبوت تورطهم "سأكون منزعجا للغاية. سوف نرى"، معتبرا أن قتل الصحافي الذي كان يقيم في الولايات المتحدة عمل "غبي وأحمق".

وكشف الرئيس التركي الثلاثاء تفاصيل حول مقتل خاشقجي، وكشف معلومات عن الأحداث التي سبقت وتلت اغتياله.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟