بنك في العاصمة طهران
بنك في العاصمة طهران

يدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة جديدة من العزلة.

وبعد ستة أشهر من انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، يبدأ الاثنين فرض الحزمة الثانية من العقوبات التي كانت أميركا قد رفعتها عن إيران في 2015.

وأعادت واشنطن فرض الحزمة الأولى من العقوبات على إيران في آب/ أغسطس الماضي.

الضغوط الاقتصادية على إيران ليست جديدة، ورغم تمكنها من الاستمرار بدعم من حلفائها الإقليميين منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، إلا أن حدة الآثار الاقتصادية هذه المرة ستكون مختلفة عما سبق.

الاتفاق النووي الإيراني 2015

​​​ما هي حزمة العقوبات الأولى؟

في مطلع آب/أغسطس الماضي، أعادت واشنطن بشكل أحادي تفعيل الحزمة الأولى من العقوبات الاقتصادية القاسية على إيران.

اقرأ أيضا: نفط إيران.. هل تسد السعودية فجوة الإنتاج بعد تشديد العقوبات؟

وتشمل العقوبات تعطيل معاملات مالية، وواردات المواد الأولية، إضافة إلى إجراءات عقابية في مجالي صناعة السيارات والطيران المدني.

ما هي حزمة العقوبات الثانية؟

الحزمة الثانية من العقوبات ستضرب قطاعين مهمين في إيران، وهما النفط، والمصارف.

وتحظر العقوبات على الدول أو الكيانات أو الشركات الأجنبية دخول الأسواق الأميركية في حال قررت المضي قدما بشراء النفط الإيراني.

وتفرض الأمر ذاته على من يرغب بمواصلة التعامل مع المصارف الإيرانية.

إلا أن واشنطن أعطت استثناء مؤقتا لثماني دول يتيح لها شراء النفط الإيراني بشرط ألا يتم الدفع لهم بالدولار الأميركي.

النفط الإيراني

​​​​وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن 700 شخص أو كيان سيضافون إلى اللائحة الأميركية السوداء، أي أكثر بـ 300 اسم من تلك التي كانت سحبت بعد 2015.

ما المطلوب من إيران؟

وكررت واشنطن مرارا استعدادها للتفاوض مع طهران حول اتفاق شامل على أساس تلبية 12 شرطا أميركيا.

وأبرز الشروط الأميركية فرض قيود أكثر تشددا على القدرات النووية الإيرانية مما هو وارد في اتفاق 2015.

اقرأ أيضا: لماذا تطفئ السفن الإيرانية أجهزة الإرسال؟

وتشترط الولايات المتحدة فرض قيود على انتشار الصواريخ البالستية الإيرانية، وعلى ما يعتبر "نشاطات إيرانية مزعزعة للاستقرار" في العديد من دول الشرق الاوسط مثل سوريا واليمن ولبنان.

ماذا تستهدف واشنطن من العقوبات؟

وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قال في تصريحات صحافية إن "الهدف من هذه العقوبات هو حرمان النظام الإيراني من عائدات يستخدمها لزرع الموت والدمار عبر العالم".

وأكد وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين أن الولايات المتحدة تود قطع المؤسسات المالية الإيرانية الخاضعة لعقوبات عن نظام "سويفت" الدولي للتحويلات المالية، مع استثناء "التحويلات الإنسانية".

شركات كبرى تنسحب من إيران

الاقتصاد الإيراني

​​منذ إعلان واشنطن عن إعادة فرض العقوبات على إيران بدأت العديد من الشركات متعددة الجنسيات انسحابها من إيران.

وكانت شركة "ديملر" الألمانية لصناعة السيارات أولى الشركات في مجال السيارات التي أعلنت وقف أنشطتها في إيران "حتى إشعار آخر".

تلاها إعلان شركة فولكسفاغن في 20 أيلول/سبتمبر لحد من أنشطتها في إيران.

وأعلنت شركة "توتال" في 20 آب/أغسطس أنها ستنسحب من إيران.

وكانت شركة "سيمنز" قد أكدت أنها "ستتخذ تدابير مناسبة لإنهاء أعمالها بموجب تطور الإطار المتعدد الأطراف المتعلق بإيران".

ولن تتمكن المصارف الأجنبية التي تجري معاملات مع نظيرتها الإيرانية من الوصول إلى النظام المصرفي الأميركي. ولم ينتظر عدد كبير من المصارف كثيرا ليعلن تقيده بالعقوبات الأميركية.

وقال المدير العام للفرع الألماني من المصرف الإيراني الألماني "ميلي" في هامبورغ إنه "منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر فإن 80 إلى 85 في المئة من كل المدفوعات إلى المؤسسات الألمانية رفضت".

وأوقفت شركتا الطيران البريطانية "بريتيش ايروايز" والفرنسية "إير فرانس" رحلاتهما إلى إيران في أيلول/سبتمبر.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟