البريطاني ماثيو هيدجز وزوجته دانييلا
البريطاني ماثيو هيدجز وزوجته دانييلا

قضت محكمة إماراتية الأربعاء بالسجن المؤبد على طالب دكتوراه بريطاني بعد إدانته بالتجسس، وهو حكم أثار صدمة لندن ودعوات بإعادة النظر فيه وتحذيرات من تداعياته. 

وأنزلت محكمة في أبو ظبي العقوبة على ماثيو هيدجز رغم نفيه التهم الموجهة إليه، فيما قالت عائلته إن الحكم صدر استنادا إلى اعتراف "كاذب".

"كابوسنا أصبح أسوأ"

وقالت دانييلا تجادا زوجة هيدجر التي حضرت الجلسة التي قالت إنها استغرقت خمس دقائق، إنها في "صدمة تامة". وأكدت أن زوجها بريء وأن "وزارة الخارجية على علم بالأمر وأنها أبلغت سلطات الإمارات أن ماثيو ليس جاسوسا لصالحها".

وتابعت: "أنا خائفة جدا على ماثيو. لا أدري إلى أين سيأخذونه أو ما سيحصل. كابوسنا أصبح أسوأ" مما كان عليه، مشيرة إلى أن زوجها كان يرتجف لحظة صدور الحكم.

ودعت الزوجة الحكومة البريطانية إلى "اتخاذ موقف الآن".

​​

​​صدمة في بريطانيا

رئيسة الوزراء تيريزا ماي قالت إنها تشعر "بخيبة شديدة وبالقلق" إزاء القضية وأكدت أنها ستثيرها مع أرفع المسؤولين في الإمارات، مشيرة إلى أن لندن تسعى لمحادثات طارئة مع الحكومة الإماراتية.

وأوضحت أمام مجلس العموم أن وزارة الخارجية ستبقى على اتصال مع هيدجز وعائلته ومحاميه، وأضافت: "سنقوم بكل ما نستطيع من أجل دعمهم في وقت ينظرون إلى الخطوات التالية وسنواصل الضغط على أعلى المستويات مع الإماراتيين".

وتابعت ماي أن وزير الخارجية جيريمي هانت يرغب في التحدث هاتفيا بشكل عاجل مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد.

وأعرب هانت فور انتشار نبأ الحكم عن صدمته العميقة وخيبة أمله، محذرا من تداعياته على العلاقة بين البلدين.

وقال الوزير إن "حكم اليوم ليس ما كنا نتوقعه من صديق وشريك موثوق لبريطانيا ويتناقض مع التطمينات السابقة" التي تلقتها لندن. ودعا الإمارات إلى إعادة النظر في الحكم.

وتقول عائلة هيدجر  وهو طالب في جامعة درم (Durham)، إنه خضع للاستجواب خلال الأسابيع الستة الأولى من احتجازه من دون حضور محام. وخلال تلك الفترة أجبر على توقيع وثيقة باللغة العربية تبين أنها "اعترافه"، بحسب عائلة الشاب البالغ 31 عاما والذي قالت إنه لا يتكلم أو يقرأ اللغة العربية.

وأمضى الرجل حتى الآن أكثر من ستة أشهر في السجن خمسة أشهر منها في الحجز الانفرادي، وفق وسائل إعلام بريطانية.

وأعرب بن برادشو البرلماني البريطاني الذي يمثل منطقة هيدجز، عن صدمته إزاء الحكم وطالب عبر حسابه في تويتر "بتوضيحات طارئة".

​​

وخلال طرح الأسئلة على رئيسة الوزراء في البرلمان، قال النائب في مجلس العموم كريسبن بلانت إن على ماي أن تبين للإمارات أنها "إن لم يطلق سراح هيدجز، لا أرى سببا لالتزامنا إزاء الدفاع عنهم".

وبحسب صحيفة "ذي ناشيونال" وموقعها أبو ظبي، فإن السجن المؤبد في الإمارات عقوبة أقصاها 25 عاما وسيتم بعد انتهائها ترحيل هيدجز الذي أمامه 30 يوما لاستئناف الحكم.

وذكرت الصحيفة أيضا أن المواطن البريطاني سيبقى في السجن إلى حين الاستئناف فيما ستصادر السلطات جميع معداته وأجهزته وبحثه.

وكان هيدجز قد اعتقل في الخامس من أيار/مايو في مطار دبي. وكان يجري بحثا عن سياسات الإمارات الخارجية والأمن الداخلي بعد الاحتجاجات في العالم العربي.

وأكدت الإمارات الشهر الماضي أن البريطاني يحاكم في أبوظبي بتهمة "التخابر لمصلحة دولة أجنبية ما من شأنه الإضرار بمركز الدولة العسكري والسياسي والاقتصادي".

وبحسب النائب العام حمد سيف الشامسي فإن البريطاني قدم إلى الإمارات "تحت غطاء باحث أكاديمي، وثبت من التحقيقات تطابق اعترافاته مع المعلومات التي أسفر عنها فحص الأجهزة الإلكترونية الخاصة به".

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟