خلال إحدى مراحل تصنيع الحشيشة في البقاع اللبناني
خلال إحدى مراحل تصنيع الحشيشة في البقاع اللبناني

خاص بموقع الحرة

تقدمت شركة المحاماة الأميركية "أوسي أل أل سي" بدعوى باسم 400 عائلة أميركية من ذوي جنود أميركيين قتلوا أو جرحوا في العراق بين عامي 2004 و2011 ضد 11 مصرفا لبنانيا مدعية أنها سهلت أعمالا لصالح حزب الله.

ورفعت الدعوى أمام محكمة مدنية في نيويورك في الأول من الشهر الجاري، ولم تحدد المحكمة حتى الآن موعد بدء المحاكمة التي توقع المحامي وليام فريدمان الذي يعمل في الشركة في مقابلة مع "قناة الحرة" أن تستغرق سنوات، لكنه أكد عزم شركة المحاماة التي يعمل لصالحها المضي في القضية إلى النهاية وبأقصى إمكاناتها.

تعرض الحرة في ملف من ثلاثة أجزاء تفاصيل أساسية من هذه الدعوى.

يقدم الجزء الأول عرضا لطبيعة الدعوى والجهات المدعى عليها ولسياق النقاش اللبناني في موضوع علاقة حزب الله بالقطاع المصرفي في لبنان. أما الجزء الثاني، فيعرض تفاصيل ادعاء الجهة المتقدمة بالدعوى بحق كلٍّ من المصارف المدعى عليها. ويتناول الجزء الثالث الخلاصات التي خرجت بها الدعوى فيما يتعلق بآليات عمل حزب الله المالية وارتباطاته بكارتيلات المخدرات.

هكذا يدير حزب الله أمواله... وشبكات المخدرات

تشرح الدعوى المقدمة، آلية استثمار "حزب الله" لأمواله، وعمليات تبييض أموال تجارة المخدرات والاتجار بالسلاح وارتباطاته اللبنانية والدولية، وتستند إلى ما خلصت إليه تحقيقات الأجهزة الأميركية المختلفة، من وزارة الخزانة إلى إدارة مكافحة المخدرات، مثل تحقيقات "مشروع كاساندرا".

وصلت إدارة مكافحة المخدرات إلى خلاصة بأن "حزب الله" يقوم بنقل الأسلحة والمخدرات والمتفجرات وقطع الأسلحة ـ ومن بينها قطع خاصة ببرنامج الأسلحة الباليستية الخاص بإيران ـ إلى جانب البضائع التي تنقلها شركات يملكها حزب الله كواجهة لأعماله وهي تنقل اللحوم المثلجة والمواد الأولية والسيارات المستعملة والتبغ، والمنتجات الإلكترونية.

صورة وزعتها وزارة الداخلية الصربية مطلع العام 2018، تظهر بطاقات بنكية وأموال نقدية مصادرة من مجموعة مؤلفة من لبناني وأستراليين وتابعة لشبكة دولية للاتجار بالكوكايين

​​وتلفت الدعوى إلى أن "حزب الله" لجأ إلى تجارة المخدرات (DEA) عقب حرب تموز/يوليو 2006، بسبب حاجته الطارئة للسيولة المالية لتعويض خسائره وتمويل إعادة إعمار بنيته العسكرية والمدنية. لذلك، انضم الحزب إلى شبكة دولية ـ عابرة للحدود ـ تقوم بالاتجار بالكوكايين. وبحسب نتائج تحقيقات "مشروع كاسندرا" فإن "قسم الأعمال التجاريّة في جهاز الأمن الخارجي التابع لحزب الله (BAC)"، هو الذي يتولى هذه المهمة.

وبعد اغتيال القائد العسكري في حزب الله عماد مغنية، في العام 2008 في دمشق، يُعتقد أن أدهم طباجة (أحد قياديي حزب الله ومطور عقاري في لبنان)، وعبدالله صفي الدين (شقيق رئيس المجلس التنفيذي في الحزب هاشم صفي الدين) توليا إدارة "قسم الأعمال التجاريّة في جهاز الأمن الخارجي التابع لحزب الله (BAC)". كما أن صفي الدين، يُعد الرابط الأساسي في العلاقة بين الحرس الثوري الإيراني وهذا القسم في (BAC).

اقرأ أيضا: تصريحات فريدمان للحرة.. فرنسبنك اللبناني يرد

وتشير الدعوى إلى أن تحقيقات "مشروع كاسندرا"، وتحقيقات أخرى أنجزتها إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، ربطت بين صفي الدين وعدد من شبكات تهريب المخدرات والأموال وتبييض الأموال الدولية، خصوصا باللبناني أيمن جمعة، الذي شغل منصب الرابط الأساسي بين حزب الله وكارتيل المخدرات المكسيكي "لوس زيتاس" (Los Zetas).

وبحسب الدعوى، تقاطعت تحقيقات إدارة مكافحة المخدرات بخصوص صفي الدين وجمعة مع تحقيقات قيادة العمليات الخاصة الأميركية (SOCOM)، التي كانت تحقق في الأموال التي استخدمها عملاء إيران في العراق لاستهداف الآليات العسكرية الأميركية.

وتنقل الدعوى عن DEA وSOCOM، أنه تم ربط هواتف تستخدم من قبل شبكات تابعة للحرس الثوري الإسلامي الإيراني وحزب الله في العراق، بشبكة صفي الدين التي تعمل على الاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال في كولومبيا والمثلث الحدودي بين الباراغواي والبرازيل والأرجنتين.

وتشير الدعوى إلى أن مجتمع الاستخبارات الأميركي حلل آلاف ساعات التسجيلات الهاتفية التي أجريت من كولومبيا، بين مناطق أخرى، وخلصت إلى أن عبد الله صفي الدين شخصية أساسية في عمل حزب الله (والحرس الثوري الإيراني) المالي.

وتضيف الدعوى أن فريق "مشروع كاسندرا"، المسلح بفهم أفضل لطريقة عمل "قسم الأعمال التجاريّة في جهاز الأمن الخارجي التابع لحزب الله (BAC)"، قام بالتحقيق بملف البنك اللبناني الكندي، وجمع أدلة تشير إلى أن شبكة أيمن جمعة للاتجار بالمخدرات، كانت تبيض مبالغ مالية تصل إلى 200 مليون دولار شهريا عبر "اللبناني الكندي" ومؤسسات صيرفة لبنانية أخرى، من ضمنها "إليسا للصيرفة".

وتلفت الدعوى إلى أن كميات كبيرة من هذه المبالغ نقلت من جديد إلى تجار سيارات مستعملة في الولايات المتحدة، لشراء آلاف السيارات وشحنها إلى غرب إفريقيا، حيث يدير (BAC) عشرات المؤسسات؛ وقد زوّد صفي الدين، عبر اللبناني الكندي، حزب الله والحرس الثوري الإيراني بإمكانية الوصول إلى أموال نظيفة بالدولار.

ولاحقا، أدى عمل "مشروع كاسندرا" إلى دعوى قضائية دفع البنك اللبناني بموجبها غرامة لوزارة العدل الأميركية بلغت 102 مليون دولار.

وتقول الدعوى، استنادا إلى DEA إن عماد مغنية هو من أسس "قسم الأعمال التجاريّة في جهاز الأمن الخارجي التابع لحزب الله (BAC)"، وانتقلت قيادته بعد اغتياله إلى أدهم طباجة وعبدالله صفي الدين، وتقول أيضا إن مغنية كان المسؤول عن عمليات شراء الأسلحة وتمويل أعمال حزب الله في لبنان وسوريا والعراق. وتضيف بأن (BAC) يملك علاقات مع كارتيلات تجارة المخدرات في أميركا اللاتينية، مثل "مكتب إنفيدغو"، المسؤول عن تزويد الأسواق الأميركية والأوروبية بكميات كبيرة من الكوكايين.

اقرأ أيضا: نيويورك.. دعوى ضد بنوك لبنانية دعمت حزب الله

وتشير الدعوى إلى أن (BAC) ينفذ أعماله غير الشرعية بالسر، لكنه يملك أعمالا شرعية عبر شركات علنية، مثل شركة "الإنماء للهندسة والمقاولات"، ومؤسسة "فانتازي وورلد" الترفيهية التي يديرها طباجة. وتورد الدعوى، ما تقول إنها معلومات عن تواجد مسؤولين رفيعين من (BAC) في مواقع قيادية في شركات تجارية ومؤسسات خيرية، وأسماء عشرات الأفراد الذين يديرون مؤسسات وهيئات تعمل لصالح (BAC)، بينهم مسيحيون لبنانيون، وآخرون يعملون في قطاع الإعلام في لبنان. 

قاسم تاج الدين

من بين الأسماء التي ترد في نص الدعوى، اسم رجل الأعمال اللبناني قاسم تاج الدين. وتنص الدعوى على أن الأخير، وهو الأكبر بين أشقائه، بنى شبكة دولية لتجارة مواد الطعام والشركات العاملة في التطوير العقاري في لبنان وإفريقيا. وتذكر أنه أوقف في بلجيكا عام ٢٠٠٣، بتهم تتعلق بالتزوير وتبييض الأموال وتهريب الألماس. وتنقل الدعوى عن وزارة الخزانة الأميركية أن تاج الدين نقل عبر أخيه القيادي في حزب الله، عشرات ملايين الدولارات لصالح الحزب، وأنه وأشقاءه يديرون شركات ـ واجهة لصالح حزب الله، ومن بينها Ovals للتجارة. 

وفي مطلع كانون الأول/ديسمبر 2018، قالت وزارة العدل الأميركية إن قاسم تاج الدين (63 عاما)، اعترف بالذنب في تهم تتعلق بغسيل الأموال وانتهاك العقوبات الأميركية على حزب الله.وذكرت وزارة العدل في بيان أن تاج الدين، الذي يدير شبكة من الشركات في لبنان وإفريقيا صنفتها وزارة الخزانة الأميركية بأنها داعم مالي مهم لمنظمة حزب الله، اعترف بأنه مذنب في اتهامات مرتبطة بالتهرب من العقوبات الأميركية، ونص الاتفاق على سجن تاج الدين لمدة 60شهرا ودفعه غرامة بقيمة 50 مليون دولار بتهمة تورطه وخمسة من شركائه بتحويل مبلغ مليار دولار عبر النظام المالي الأميركي لخارج أميركا، وأن اعتراف تاج الدين جاء بعد تحقيقات نفذتها وكالة مكافحة المخدرات الأميركية لمدة ثلاث سنوات تحت "مشروع كاسندرا" الذي يستهدف شبكة تمويل حزب الله العالمية.

تجارة السلاح

يشير نص الدعوى إلى أن حزب الله يملك علاقات وثيقة مع شبكة اتجار بالسلاح في نيجريا، إلى جانب شبكات في أماكن أخرى. ويلفت (نقلا عن وزارة الخزانة الأميركية) إلى أن اللبناني مصطفى رضا درويش فواز (يملك شبكة من المتاجر في أبوجا في نيجيريا)، والمصنف على لوائح الإرهاب الأميركية منذ عام 2015، يعمل منذ العام 1990 لصالح حزب الله في مجال التواصل والمراقبة في نيجيريا، وأنه استخدم كاميرات مراقبة مثبتة في متاجره المنتشرة لمراقبة تحركات عدد من الأجانب في أبوجا. وتلفت إلى أن السلطات النيجيرية اعتقلته وشخصين آخرين معه، في منتصف أيار/مايو 2013، بعد مداهمتها مخزن أسلحة في منزل في مدينة كانو شمال نيجيريا، وقد عرضت السلطات النيجيرية المخزن على وسائل الإعلام بعد أيام على ضبطه، وظهرت في الصور كميات كبيرة من الأسلحة. وتنقل الدعوى عن مسؤول نيجيري يدعى باساي إيتانغ، أن المخزن تابع لحزب الله. وأفرج عن فواز في وقت لاحق، لأن حزب الله ليس مصنفا كمنظمة إرهابية في نيجيريا.

الاتجار بالمخدرات

تنص الدعوى على أن حزب الله استفاد من سيطرته على وادي البقاع في لبنان لزراعة الحشيش، وأنه أنشأ شبكة واسعة من المختبرات لتصنيع الهيرويين والحشيش المهرب من أفغانستان وباكستان. وتشير الدعوى إلى أن البقاع يلعب أيضا دور نقطة ترانزيت للكوكايين المنتج في كولومبيا.

شحنة كوكايين (100 كيلوغرام) صادرتها الأجهزة الأمنية اللبنانية عام 2010 قادمة من أحد بلدان أميركا اللاتينية

​​وتذكر الدعوى أيضا أن الحزب استفاد من المغتربين الشيعة المنتشرين حول العالم، خصوصا في إفريقيا وأميركا اللاتينية (خصوصا المثلث الحدودي بين الباراغواي والبرازيل والأرجنتين)، واستخدم صلاته بهم كشبكة دولية لتبييض الأموال والاتجار بالمخدرات عبر النظام المالي العالمي.

اقرأ أيضا: فريدمان لـ'الحرة': أدلة دامغة ضد مصارف دعمت حزب الله

وبحسب الدعوى، استخدمت شبكات الاتجار بالمخدرات المرتبطة بحزب الله بلدانا في غرب إفريقيا، كمحطات شحن للمخدرات خصوصا من أميركا اللاتينية إلى وروبا وإفريقيا. كما استخدم الحزب طائرات خاصة في فنزويلا وكولومبيا لنقل مئات الأطنان من المخدرات (تساوي مليارات الدولارات)، إلى بلدان في غرب إفريقيا مثل بنين وسيراليون وتوغو.

وتنقل الدعوى عن تقرير لمركز أبحاث خاص بالكونغرس الأميركي صادر عام 2010، أن السلطات الأمنية (لم تحدد هوية هذه السلطات)، صادرت 46 طنا متري من الكوكايين على الأقل، كانت تنقل من غرب إفريقيا إلى أوروبا بين عامي 2005 و2008.

وتقول الدعوى إن نحو 300 طن متري، من الكوكايين، تساوي نحو 13.5 مليار دولار، تهرب سنويا من غرب إفريقيا إلى أوروبا. وأن الأرباح الصافية من تجارة المخدرات هذه تصل إلى 3.5 مليار دولار سنويا.

ويقول نص الدعوى إن أحد أبرز تجار المخدرات المرتبطين بحزب الله، اتهم رسميا عام 2011 بمؤامرة توزيع المخدرات وتبييض الأموال، وأن التهم التي وجهت إليه، تشير إلى أنه ساهم بشحن آلاف الكيلوغرامات من المخدرات (على الأقل 85 ألف كيلوغرام)، لصالح كارتيل المخدرات المكسيكي "لوس زيتوس" (Los Zetos)، بين عامي 2005 و2007، وأنه بيّض مئات ملايين الدولارات الناتجة عن بيع المخدرات من غرب إفريقيا وأوروبا والمكسيك والولايات المتحدة لصالح مزودي الكوكايين في كولومبيا وفنزويلا، الذين دفعوا لمنظمة جمعة رسوما بنسبة 8 إلى 14 في المئة من الأموال المبيضة.

وتقول الدعوى إن السلطات الأميركية وجدت أن جمعة ومنظمته تعمل في لبنان وغرب إفريقيا وبنما وكولومبيا لتبييض الأموال عبر وسائط متعددة منها تهريب كميات كبيرة من الأموال أو عبر مؤسسات صيرفة لبنانية، وأنه يدفع رسوما لحزب الله مقابل مساعدته في تنفيذ أعماله هذه؛ وتقدم الدعوى مثالا على ادعائها هذا: يرسل جمعة الأموال النقدية بكمية كبيرة إلى مطار بيروت الدولي؛ ثم يتولى حزب الله أمن هذه الشحنة ويتولى نقلها إلى المتلقين.

دور حزب الله في العراق

لا يخفي حزب الله دوره في العراق، وهذا ما تشير إليه الدعوى عندما تنقل تصريحات إعلامية لقادة ميليشيات عراقيين يتحدثون عن تدريب ودعم حزب الله ومسؤولين فيه ـ خصوصا عماد مغنية ومصطفى بدر الدين ـ لمقاتلي هذه الميليشيات لقتال القوات الأميركية. وتورد الدعوى تفاصيل عسكرية تقنية عن علاقة حزب الله بالأعمال العسكرية والتفجيرات في العراق. كما تفصل أدوار الميلشيات التي تدور في فلك حزب الله والحرس الثوري الإيراني مثل، فيلق بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله العراق وجيش المهدي في قتال القوات الأميركية.

Israeli left-wing activists hold placards during a 'Peace Now' march calling on Israelis to choose ''another way'' and end the…
تظاهرة لليسار الإسرائيلي للدعوة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين

دفع الفشل العربي المزمن في إقامة دول عادلة ذات مؤسسات فاعلة أنظمة القمع العربي لاستخدام العداء ضد إسرائيل كورقة تين لستر عوراتهم. بدأت حفلة التطرف العربي في مؤتمر الخرطوم ـ الذي تلا هزيمة رئيس مصر جمال عبدالناصر في حرب 1967 أمام إسرائيل ـ والمعروف بمؤتمر اللاءات الثلاثة: "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل".

ثم يوم أعلن الفلسطينيون موافقتهم إقامة دولة لهم على أي جزء من أرض فلسطين، حرّضت أنظمة القمع العربي أزلامها ضد الراحل ياسر عرفات، فتشكلت "جبهة الرفض" من الفصائل الفلسطينية المعارضة لأي سلام مع إسرائيل. أما الدول الراعية لهذه الفصائل فشكّلت بدورها "جبهة الصمود والتصدي"، والتي كان في عضويتها أنظمة القمع من أمثال سوريا الأسد وعراق صدام حسين وليبيا القذافي.

ثم ورث "محور الممانعة"، الذي تقوده إيران الإسلامية، الخطاب الخشبي المتطرف نفسه عن معاداة السلام مع إسرائيل بكل أشكاله، وورث الممانعون العبارات المتهالكة نفسها التي تعكس سبب الفشل العربي، في الحكم كما في التعامل مع موضوع إسرائيل، منها عبارة كتبها القيادي الفلسطيني الراحل، الذي كان مقرّبا من عرفات، صلاح خلف المعروف بأبي أياد، في كتابه "فلسطيني بلا هوية"، وقال فيها: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر".

وحتى نفكك عبارة أبي أياد، علينا أولا أن نبحث في معنى "خيانة"، وهي تعني في الغالب "إخلال في العهد أو الأمانة". مثلا، عبدالناصر والضباط الأحرار أقسموا الولاء لمصر وملكها، لكنهم خانوا قسمهم وخلعوه في 1952. عبدالناصر كان خائنا للملك، لكن مؤيديه لا يعتبرونها خيانة لأنهم يبررون انقلاب الضباط بأسباب كثيرة، منها ظلم الملك، أو فساد حكمه، أو تهاوي اقتصاده، وغيرها. إذن، خيانة عبدالناصر وجهة نظر، إذ يحبذها مؤيدوه، الذين لا يشككون في وطنيته، ولكنها فعليا إخلال بالأمانة التي كانت موكلة إليه وصحبه.

الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع

أما "الخيانة" التي تحدث عنها أبو أياد فتعني مخالفة رأي جبهات الرفض والتصدي والممانعة القائل بوجوب العداء التام والدائم لإسرائيل، ورفض أي سلام أو تطبيع معها. هنا "الخيانة" تفترض أن كل عربي أو مسلم عليه تبني العداء المطلق لإسرائيل، فقط لأنه عربي أو مسلم المولد، فالقبائل على رأي واحد، ومن خرج عن الإجماع، خان. ما يفوت أبي أياد (وهو لم يكن فيلسوفا سياسيا) أن الشعب ليس قبيلة ذات رأي واحد، بل مواطنين يختلفون في آرائهم وخياراتهم وأذواقهم ومصالحهم.

هكذا، برر أبو أياد قمع الرأي المخالف وتخوينه بوضع السلام مع إسرائيل خارج حيّز النقاش، أي أن موضوع العداء لإسرائيل يصبح من "الثوابت"، حسب تعبير الرافضين والمتصدين والممانعين. والثوابت ثابتة، ولا نقاش فيها، بل عقاب لمن يناقشها ويتوصل لنتيجة مخالفة تدعو لسلام مع إسرائيل.

هي فعلا مشكلة أن يطلب المتطرفون من "الرافضين" و"الممانعين" تبني وجهة نظرهم حول العداء الأبدي لإسرائيل بدون نقاش، تحت طائلة التخوين. حتى كتاب المسلمين يقول "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، لكن الممانعين يعتقدون أن معاداة إسرائيل ثابتة أكثر من الإيمان بالله، القابل للنقاش.

في لبنان، حاول مجلس النواب إقرار قانون عفو يسمح بعودة اللبنانيين المقيمين في إسرائيل، وهم من مقاتلي "جيش لبنان الجنوبي" المندثر وعائلاتهم. تنطحت أحزاب الممانعة لرفض عودة من أسمتهم "عملاء" و"خونة".

أن تحاكم السلطات اللبنانية من يقوم بإفشاء أسرار الدولة، المدنية أو العسكرية، إلى دول أجنبية، أمر مفهوم، وهكذا فعلت الولايات المتحدة مع إدوارد سنودن، المختبئ من العدالة في روسيا. لكن من غير المفهوم محاكمة مواطنين عاديين من أفراد عائلات مقاتلي "لبنان الجنوبي". ومن غير المفهوم أيضا لما لا يشمل "العفو العام" لمقاتلي كل الميليشيات اللبنانية المنحلة بعد الحرب الأهلية مقاتلي "الجنوبي". ولا بأس أن تضع دولة لبنان بعض العائدين من إسرائيل تحت رقابة أمنية لمكافحة التجسس. ولكن أن تعامل بيروت مواطنيها كـ "خونة" لأنهم لا يوافقون على معاداة إسرائيل، فهو ما يحول المواطنية إلى قبلية ويقوض أسس العدالة والمساواة بين المواطنين بغض النظر عن آرائهم.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت

في الولايات المتحدة حزب نازي موالي لطاغية ألمانيا الراحل أدولف هتلر، الذي قاتلته أميركا وهزمته. لم تحظر القوانين الأميركية النازية لأن الحظر يتنافى وحرية الرأي والمعتقد. وفي ذروة الحرب الباردة والمواجهة مع الاتحاد السوفياتي والحروب السرية الجاسوسية، لم تمنع أميركا يوما مواطنيها من زيارة روسيا، كما لم تمنع أميركا الروس من زيارتها. حتى أن السناتور بيرني ساندرز أمضى شهر العسل في موسكو في ذروة الحرب بين البلدين، واليوم، ما يزال مواطنون أميركيون يزورون إيران، والعكس، على الرغم من انقطاع العلاقات الديبلوماسية والعداء بين واشنطن وطهران. وفي أميركا جحافل من المؤيدين علنا لنظام إيران الاسلامي، وللتوصل لسلام أميركي معه، بلا شروط.

وفي إسرائيل نفسها إسرائيليون ينحازون ضد إسرائيل علنا، من أمثال الكتّاب جدعون ليفي واميرا هاس، وأعضاء الكنيست من أمثال حنين الزعبي، وهو ما يطرح السؤال: من هم العرب الذين يخالفون إجماع "الرفض" و"الممانعة" ويدعون لسلام مع إسرائيل، كما تخالف هاس الغالبية الإسرائيلية؟ وما هي المنظمة العربية الموازية لحركة "السلام الآن" الإسرائيلية؟ وأين هو اليسار العربي، الموازي لليسار الإسرائيلي، الأكثر ميلا للحوار؟ وكيف يوفّق الشيوعيون العرب بين انخراطهم في صراع قومي قبلي ضد إسرائيل مع عقيدتهم الأممية التي تعتبر الصراع الطبقي عابرا للقوميات؟

قد لا يفهم "الرافضون" و"الممانعون"، كما بعض "الصينيين" و"الإيرانيين" و"الروس" ومؤيدي الاستبداد، أن تفوق الولايات المتحدة في العالم، وتفوق إسرائيل في الشرق الأوسط، ليس تفوقا ماديا، بل هو تفوق مبني على حرية الرأي والاختيار والمعتقد. الحرية تسمح بالتنوع، والتنوع يسمح بتغيير السياسات وتجربة ما ينفع مها وما لا ينفع، وتقدم ثقافة للمواطنين لاختيار السياسات التي يرونها في مصلحتهم، واختيار السياسيين ممن يعتقدونهم قادرين على تنفيذ هذه السياسات.

أما في دنيا العرب، فطواطم وأصنام وأنصاف آلهة، وثوابت ومقدسات، ورأي واحد وتخوين، وجمود، وموت.