رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي
رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي- أرشيف

قبل أربعة أيام من التصويت الحاسم في البرلمان البريطاني وثلاثة أسابيع من الموعد المتوقع للطلاق، أظهر القادة الأوروبيون والبريطانيون الجمعة عدم قدرتهم على كسر الجمود في محادثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

واتفاق بريكست عالق على مسألة حلّ "شبكة الأمان" الذي توصلت إليه لندن وبروكسل لإبقاء الحدود بين جمهورية إيرلندا ومقاطعة إيرلندا الشمالية التابعة للمملكة المتحدة، ذات الماضي الحافل بالعنف المذهبي، مفتوحة. 

ويخشى بعض النواب من حزب ماي المحافظ أن تبقي تلك التسوية بريطانيا عالقة في اتحاد جمركي لوقت طويل مع الاتحاد الأوروبي. 

وحددت ماي سلسلة عمليات تصويت محتملة الأسبوع المقبل، إحداها الخميس، يعطي فيها النواب رأيهم بشأن إرجاء بريكست.

لكن ماي قالت إن إرجاء مماثلاً سيؤدي إلى "حالة من عدم اليقين المستمر" الذي يزعزع مناخ الأعمال وقد يؤدي إلى عدم الخروج على الإطلاق من الاتحاد الأوروبي.

 وتابعت أن الإرجاء سيقود إلى "أشهر وسنوات إضافية من الجدل. إذا سلكنا هذا الطريق، فقد لا نغادر الاتحاد الأوروبي أبداً". 

ورأت أن ذلك يعني "إخفاقاً سياسياً. وسيخذل أكثر من 17 مليون شخص صوتوا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي وسيضر بإيمانهم في ديمقراطيتنا بشكل عميق". 

ومن المقرر أن يصوّت البرلمان البريطاني الثلاثاء على الاتفاق الحالي للخروج الذي توصلت إليه ماي وبروكسل بعد رفضه بغالبية تاريخية الشهر الماضي. 

وقالت ماي لجمهور من عمال مصنع في بلدة غريمسبي في شمال شرق إنكلترا إن بريطانيا قد لا تنفصل أبداً عن 27 دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي إذا لم تقدّم لها بروكسل المساعدة الآن. 

وأكدت ماي في خطاب معدّ مسبقاً أن الاتفاق يحتاج "إلى دفعة أخيرة صغيرة لتبديد المخاوف الأخيرة والمحددة لبرلماننا". 

وأضافت "علينا ألّا نتراجع، فلنقم بما هو ضروري للحصول على دعم النواب للاتفاق الثلاثاء". وإذا رفض النواب الاتفاق، "فلا شيء سيكون مضمونا"، بحسب ماي التي أضافت أن ذلك سيثير "أزمة". 

عرض أوروبي

من جانبه، عرض كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشال بارنييه الجمعة على المملكة المتحدة إمكانية العودة إلى صيغة سابقة "لشبكة الأمان"، لتصبح غير مقتصرة على إيرلندا الشمالية فقط.

وكتب بارنييه في تغريدة إثر اجتماع مع سفراء الدول الـ27 في بروكسل "يتعهد الاتحاد الاوروبي بإعطاء المملكة المتحدة إمكانية مغادرة المنطقة الجمركية الموحدة بشكل أحادي".

وعاد متحدث باسم الاتحاد الأوروبي وأوضح أنه كان يقصد الكلام عن "بريطانيا وليس المملكة المتحدة".

وإذا كان بإمكان بريطانيا الخروج بشكل أحادي، حسب عرض بارنييه، "فإن العناصر الأخرى في (شبكة الأمان) (باكستوب بالانكليزية) يجب أن تبقى لتجنب حدود مشددة".

وهذا التوضيح من قبل بارنييه يعني أنه لن يكون بإمكان إيرلندا الشمالية الانسحاب من الاتحاد الجمركي الذي يشكله الـ"باكستوب" في حال قررت لندن تفعيل هذا "الخيار الجدي" الذي اقترحه الأوروبيون.

وهذا يعني أن امكانية "الخروج بشكل أحادي" التي يقدمها الاتحاد الأوروبي ليست تلك التي تطالب بها لندن التي تريد خروجا لكل أراضي المملكة المتحدة من دون استثناء.

و"شبكة الأمان" هذه تحولت إلى نقطة التعثر الأساسية في المفاوضات ما دام قسم من الطبقة السياسية البريطانية يرى فيها "فخا" لإبقاء البلاد مرتبطة إلى ما لا نهاية بالاتحاد الأوروبي.

وقال دبلوماسي أوروبي إن اقتراح بارنييه "يهدف إلى مواجهة حجة البريطانيين الذين يقولون إنه يراد إيقاعهم في فخ وحدة جمركية".

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟