السوق الكبير في طهران
أحد الأسواق التجارية في طهران

توقع صندوق النقد الدولي انكماش اقتصاد إيران للعام الثاني على التوالي وأن يصل معدل التضخم إلى 40 بالمئة.

حذر صندوق النقد الدولي الاثنين من أن العقوبات الأميركية على إيران والاضطرابات السياسية والعسكرية في المنطقة المترافقة مع عدم استقرار أسعار النفط، تتسبب في تباطؤ النمو الاقليمي.

وقال الصندوق في تقرير حول آفاق الاقتصاد الاقليمي في المنطقة التي تضم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان وأفغانستان إن التوقعات بالنسبة للدول الواقعة في هذه المنطقة تظللها درجات عالية من عدم اليقين، مدفوعة بالاضطرابات والنمو الاقتصادي المحدود.

وأوضح أن عدم اليقين هذا قد يزيد مخاوف المستثمرين بشأن وجود مخاطر في المنطقة برمتها، مما قد يؤدي إلى خروج هروب أموال ووضع أسعار الصرف تحت الضغوط.

ويتوقع صندوق النقد أن ينكمش الاقتصاد في إيران، ثالث أكبر منتجي منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، بنسبة 6 بالمئة هذا العام مقارنة بـ3.9 في المئة سنة 2018.

وأوضح جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى أن نسبة الـ6 بالمئة تم تحديدها قبل أن تشدد الولايات المتحدة العقوبات على إيران وتلغي الإعفاءات التي منحتها لدول لاستيراد النفط الإيراني بدءا من الشهر المقبل.

وقال إن "النمو السلبي بنسبة 6 بالمئة يعني أن إيران ستواجه انكماشا للسنة الثانية على التوالي"، مشيرا إلى أن العقوبات رفعت التضخم إلى نحو 50 بالمئة.

توترات اجتماعية

ويتوقع صندوق النقد أن تنمو اقتصادات الدول المصدرة للنفط وبينها دول مجلس التعاون الخليجي الست، بنسبة 0.4 بالمئة فقط في 2019، بعدما بلغت 0.6 العام الماضي، وذلك نتيجة التطورات في إيران صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في المنطقة بعد السعودية.

في المقابل، يتوقع أن تنمو اقتصادات الدول المستوردة للنفط بنحو 3.6 بالمئة هذا العام، مقارنة بـ4.2 في 2018.

 

وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، السعودية والإمارات وعمان والبحرين وقطر والكويت، فمن المتوقع أن تحقق نموا بنسبة 2.1 بالمئة بعدما بلغ النمو فيها 2 بالمئة العام الماضي.

وتوقع الصندوق أن تتراجع اقتصادات الدول المصدرة للنفط خارج مجلس التعاون الخليجي بنسبة 1.7 بالمئة بعدما انكمشت بنسبة 1.1 بالمئة في 2018، بسبب التطورات في إيران، وفقا لتقرير الصندوق.

وأوضح أن "هذا الأمر سببه التطورات في إيران حيث من المتوقع أن يتعمق الركود الاقتصادي، مما يخفض توقعات النمو بنحو 10 نقاط مئوية خلال الفترة بين 2018 و2020".

وبشكل عام، توقع الصندوق أن يبلغ النمو في المنطقة كلها 1.3 بالمئة هذا العام مقارنة بـ1.4 السنة الماضية، على أن يعود ليقفز إلى 3.2 في 2020.

ومن الأسباب الأخرى لتباطؤ النمو في المنطقة المشمولة بالتقرير الاضطرابات السياسية والعسكرية، والفساد، والإصلاحات البطيئة، والمستويات العالية من الديون، والتقلبات المستمرة في أسعار النفط.

وقال التقرير إن "التوترات الاجتماعية تزداد" مع ضعف النمو والإصلاحات، مما يهدد استقرار الاقتصاد الكلي، معتبرا أن هذه التوترات "قد تعطل الإصلاحات اللازمة، وقد تقود نحو صراع وعدم يقين إقليمي أكبر".

ترامب سوريا

يتيح قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رفع العقوبات عن سوريا، فتح صفحة جديدة، ليس في تاريخ هذا البلد الذي حطمته الأزمات والحروب فحسب، بل في تاريخ المنطقة برمتها.

وتتهيأ أطراف إقليمية ودولية كثيرة لاغتنام القرار، الذي يحمل وعودا بالازدهار للشعب السوري، في التنافس من أجل ترسيخ نفوذها في سوريا.

"من سيحظى بماذا من الكعكة السورية؟" سؤال يتردد في أروقة التكهنات. لكن "أعتقد أننا لا نزال بحاجة إلى مراقبة التطورات،" كما يقول  كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، سنان سيدي لـ"الحرة".

وفي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات الداعية إلى الاستثمار والتعاون الدولي وعودة سوريا إلى "الحضن العربي"، تظهر في المقابل تحذيرات من مخاطر تدخلات خارجية ومحاولات لاستغلال الوضع السوري الهش. 

"النفوذ الروسي في الساحة السورية قد تراجع، لكن هذا لا يعني أن هذه القوى قد اختفت تماما. بل يعني أنه مع رفع العقوبات، سيسعى الروس والإيرانيون للاستفادة من هذه الفرص، نظرا لوجود مصالح تجارية ومالية داخل سوريا تحظى بدعمهم،" يقول سيدي.

لكن، "المملكة العربية السعودية وتركيا،" يستدرك سيدي، "ستجدان نفسيهما في وضع يمكنهما من ممارسة نفوذ كبير داخل سوريا، حيث ستتدفق الفرص الاستثمارية والأموال إليها، وهو ما طالما تمنته دول الخليج".

ما بعد العقوبات

لن تكون مرحلة ما بعد العقوبات لسوريا طريقا مفروشا بالورود. يحتاج السوريون إلى إعادة بناء بلد ببنية تحتية متهالكة، واقتصاد منهار، ومجتمع ممزق. وكما كانت مسرحا لتنافس وتنازع مسلح، إقليمي ودولي، قد تصبح في مرحلة ما بعد العقوبات مسرحا لتنافس اقتصادي سلمي على الأرجح.

 يشير رئيس مركز القرن للدراسات، سعد بن عمر، خلال حديثه مع قناة "الحرة"، إلى أن "الرئيس ترامب يعتقد أن المنطقة يجب أن تسير نحو السلام من خلال الخطوات التي اتخذتها الإدارة الأميركية في لبنان وسوريا وتركيا".

لطالما اعتمدت واشنطن على العقوبات كوسيلة لعزل نظام بشار الأسد. ومع ذلك، فإن قرار رفع هذه العقوبات يدل على تغيير في الاستراتيجية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز دور حلفائها الإقليميين، مثل تركيا والسعودية، في عملية إعادة إعمار سوريا، مع تقليل النفوذ الإيراني والروسي. 

وتتوافق السياسة الأميركية هذه مع توجهات دول إقليمية عديدة.

"المملكة العربية السعودية تدعم الشعب السوري، لأنها لا ترغب في أن يكون خاضعًا أو تحت سيطرة أي دولة،" يقول بن عمر.

ويضيف: "كانت التجربة الإيرانية تجربة مؤلمة للغاية. لا نرغب في أن يستبدل الشعب السوري القيادة الإيرانية أو السيطرة الإيرانية بسيطرة دول أخرى. أعتقد أن الحكومة السورية الجديدة تدرك أن سوريا يجب أن تبقى بعيدة عن المحاور والتحالفات الضيقة".

تعزيز النفوذ الإقليمي

تسعى تركيا، التي كانت داعما رئيسيا للمعارضة السورية، إلى تعزيز نفوذها في سوريا من خلال التعاون مع الحكومة الجديدة بما يتيح لأنقرة توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة ككل. 

وتظهر السعودية اهتماما متزايدا بإعادة دمج سوريا في المحيط العربي لتعزيز الاستقرار الإقليمي والمشاركة في جهود إعادة الإعمار، بما يتماشى مع رؤيتها الاستراتيجية.

ولا يقتصر على تركيا والسعودية، السعي لضمان النفوذ والمصالح في سوريا ما بعد العقوبات. رغم ذلك، تعد الخطوة التاريخية التي مثلها قرار ترامب، بتنافس محسوب على إيقاع مرحلة إقليمية جديدة عنوانها الاستثمار والنمو الاقتصادي والمصلحة المشروعة لجميع الدول.