لحسن حداد (أرشيف)
لحسن حداد (أرشيف)

دعا وزير السياحة المغربي السابق والنائب البرلماني الحالي عن حزب الاستقلال المعارض، لحسن حداد، الحكومة المغربية إلى مراجعة اتفاق التبادل الحر مع تركيا، متهما الأتراك بـ"التحايل لإغراق الأسواق المغربية بالبضائع والإجهاز على التجار الصغار".

ونفى حداد ما اعتبره البعض محاولة منه لإحراج إسلاميي حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي يعتقد البعض أنه تربطه علاقات أيديولوجية مع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أيضا.

نص المقابلة:

خلال مداخلة  سابقة لك أمام البرلمان، نقلتْ وسائل إعلام محلية دعوتَك إلى إلغاء اتفاق التبادل الحر بين المغرب وتركيا. لماذا؟

لا، أنا لم أدعُ إلى إلغاء الاتفاق بالمرة، وإنما إعادة النظر فيه. الاتفاقية الحالية غير متكافئة بالنسبة للمغرب. هناك عجز يضرّ بالمغرب وصل إلى 12 مليار درهم تقريبا.

بالإضافة إلى ذلك، فتركيا منخرطة في ممارسات غير لائقة تضر بالتبادل الحر، منها سياسة إغراق الأسواق ببضائع كثيرة وبأسعار بخسة جدا، من أجل محاربة البضائع المحلية وأخذ مكانها، خصوصا في قطاعات مثل النسيج والمواد الغذائية.

تركيا منخرطة في ممارسات غير لائقة تضر بالتبادل الحر

​​بالنسبة لقطاع النسيج، كانت ردة فعل المغرب هي وضع حواجز جمركية وصلت إلى 90 في المئة، ولكن رغم ذلك فالأتراك لجأوا إلى دول أخرى منها الأردن ومصر- التي تربطهما بالمغرب اتفاقية أكادير للتبادل الحر- من أجل الوصول إلى السوق المغربية.

إذن أظن أن هذه الاتفاقية غير متكافئة وفيها ممارسات لا تخدم مصالح المغرب، مثلا هناك اليوم محلات تجارية تركية في سائر التراب المغربي تُجهِز على التجار الصغار، لهذا أقول إنه يجب وضع النقاط على الحروف مع الأتراك، وإذا كان الأمر يتطلب الذهاب إلى منظمة التجارة العالمية فليكن.

تركيا احتجت أيضا أمام منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الجمركية التي فرضها المغرب على منتجاتها مؤخرا، لماذا تعتقد أن تحكيم هذه المنظمة، التي ترفض في الأصل الحمائية، سيأتي في صالح المغرب؟

أظن أن على المغرب أن يهيأ ملفا مهما يسلّط الضوء على التحايل التركي، مثل عدم التكافؤ الموجود في الاتفاقية، والممارسات غير المقبولة مثل إغراق الأسواق وغيرها.

من أهم قواعد التجارة الحرة هي فتح الأسواق المحلية وإلغاء الرسوم الجمركية، فكيف يمكن أن يقنع المغرب منظمة التجارة العالمية بأن الاتفاقية المبرمة مع تركيا حالة خاصة؟

التجارة الحرة تقتضي عدم الإغراق وعدم التحايل. وتتمتع الدول بالحق في تطبيق التعريفات الجمركية بالنسبة للبضائع التي تُسوق بثمن أرخص من ثمنها من أجل الإضرار بالبضائع المنافسة.

الجانب التركي يضع عراقيل غير جمركية بالنسبة للبضائع المغربية، منها العراقيل الإدارية التي تحول دون دخول البضائع المغربية إلى الأسواق التركية. هذا أيضا لا يدخل في إطار التجارة الحرة.

الجانب التركي يضع عراقيل غير جمركية بالنسبة للبضائع المغربية

​​كل هذه الممارسات تعطي الصلاحيات للدول بأن تحافظ على منتوجاتها الوطنية وأن تكون هناك تنافسية شريفة فيما بين الشركاء.

قلتَ إن المنتوجات التركية تُجهز على التجار الصغار، هل هناك أرقام في هذه الصدد؟

ليست هناك بعد دراسات فيما يخص التأثير على التجار المحليين من طرف المحلات التركية. ولكن ما يبدو وما استقصيناه هو شكوى هؤلاء التجار الصغار من المنافسة الشرسة للبضائع التركية المنخفضة الأسعار بشكل كبير.

البعض يعتقد أنك تحاول إحراج الإسلاميين في الحكم بالدعوة إلى إعادة النظر في الاتفاقات التجارية مع تركيا، بماذا ترد؟

لا أظن أن هذا له علاقة بالإسلاميين أو الأيديولوجيا. أنا لا أعرف هل توجد علاقة بين إسلاميي المغرب وإسلاميي تركيا، وإذا كانت هناك علاقة فلا أظن أن إسلاميي المغرب سيشعرون بالإحراج من مسألة تهم المصلحة الوطنية.  

شهد العالم مؤخرا التراجع على مجموعة من الاتفاقات التجارية، هل تندرج مطالب في هذا الإطار، بمعنى رجوع الحمائية إلى الاقتصاد العالمي؟

لا بالعكس، أنا أكثر المدافعين عن العولمة وعلى التبادل الحر. أنا نائب رئيس المنظمة العالمية للتنمية وكتبنا ورقة في هذا الإطار نؤكد فيها ضرورة إعادة النظر في العولمة حتى تكون أكثر عدلا.

العولمة أعطت ثمارا كبيرة جدا ولا بد أن نستمر في التبادل الحر ورفع الحواجز، ولكن يجب كذلك أن ننظر إلى المتضررين من العولمة بشكل عام.

 

المصدر: أصوات مغاربية

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟