صخرة جبل طارق
صخرة جبل طارق

أكدت الخارجية البريطانية الخميس استدعاء سفيرها لدى طهران بسبب احتجاز ناقلة نفط إيرانية قرب جبل طارق يشتبه بنقلها نفطا خاما إلى سوريا​.

وقال متحدث باسم الخارجية إن السفير سيؤكد دعم بريطانيا لاحتجاز جبل طارق الناقلة المتورطة في نقل نفط إلى سوريا في انتهاك لعقوبات الاتحاد الأوروبي.

وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عباس موسوي في بيان رسمي "تم استدعاء سفير بريطانيا إلى وزارة الخارجية  للتنديد بالاعتراض غير القانوني لناقلة نفط إيرانية".

وأعلن رئيس حكومة منطقة جبل طارق البريطانية فابيان بيكاردو في وقت سابق الخميس اعتراض ناقلة النفط من دون تحديد مصدره. 

وذكرت النشرة المتخصصة في النقل البحري "لويد ليست"، أن ناقلة النفط ترفع علم بنما وتنقل نفطا إيرانيا.

وتم إيقاف الناقلة "غريس 1" التي يبلغ طولها 330 مترا، بينما كانت على بعد أربعة كيلومترات جنوب جبل طارق في مياه تعتبر بريطانية.

واعترضت سلطات جبل طارق بمساعدة وحدة من البحرية الملكية البريطانية ناقلة النفط فجر الخميس قبالة "الصخرة".

وتم الصعود إلى الناقلة عندما تباطأت في منطقة مخصصة لوكالات الشحن لنقل البضائع إلى سفن عادية. 

وقال بيكاردو في بيان "لدينا كل الأسباب التي تدعو إلى الاعتقاد أن 'غريس 1' كانت تنقل شحنتها من النفط الخام إلى مصفاة بانياس (...) التي يملكها كيان يخضع لعقوبات الاتحاد الأوروبي المفروضة على سوريا". وأضاف "لقد احتجزنا الناقلة وحمولتها". 

إبلاغ الاتحاد الأوروبي 

وقال بيكاردو إنه بعث رسالة "صباح اليوم إلى رئيسي المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي توضح تفاصيل العقوبات التي طبقناها". 

وقالت الخارجية البريطانية في بيان "نرحب بهذا العمل الحاسم من قبل سلطات جبل طارق التي عملت على تطبيق نظام عقوبات الاتحاد الأوروبي على سوريا". 

ويفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على سوريا منذ 2011، تشمل 227 مسؤولا سوريا بينهم وزراء في الحكومة بسبب دورهم في "القمع العنيف" للمدنيين. 

وتم تمديد العقوبات في مايو الماضي حتى الأول من يونيو 2020، وتشمل حظرا نفطيا وتجميد موجودات يملكها المصرف المركزي السوري في الاتحاد الأوروبي. 

إسبانيا: التحفظ على الناقلة كان بناء على طلب أميركي 

وقال القائم بأعمال وزير الخارجية الإسباني جوسيب بوريل إن حكومة جبل طارق احتجزت الناقلة "غريس 1" بناء على طلب من الولايات المتحدة لبريطانيا.

وأضاف أن إسبانيا كانت تتطلع للتحفظ على الناقلة للاشتباه في نقلها نفطا خاما إلى سوريا وكيف أن ذلك يمكن أن يمس السيادة الإسبانية لأن الأمر حدث على ما يبدو في مياه إقليمية إسبانية.

ولا تعترف إسبانيا بسيادة بريطانيا على المياه المحيطة بجبل طارق.

وبحسب نشرة "لويد ليست" فالناقلة التي شيدت في 1997 هي أول ناقلة محملة بالنفط الإيراني تتوجه إلى أوروبا منذ أواخر 2018. 

وذكرت أنه تم تحميل الناقلة بالنفط قبالة إيران في أبريل وأبحرت حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. 

ويأتي احتجاز الناقلة، بعد أيام من إعلان طهران تجاوزها سقف اليورانيوم المخصب المحدد في اتفاق 2015 الذي يهدف إلى الحيلولة دون وصول إيران إلى مستوى التخصيب الكافي لإنتاج رأس حربية نووية. 

وجاء ذلك على خلفية توتر متزايد بين الولايات المتحدة وإيران، وصل إلى ذروته في 20 يونيو حين أسقطت الأخيرة طائرة أميركية من دون طيار قالت إنها انتهكت مجالها الجوي وهو ما نفته واشنطن. 

وكانت طهران قد تعهدت بموجب اتفاق فيينا عدم السعي لامتلاك السلاح الذري والحد من أنشطتها النووية مقابل رفع قسم من العقوبات الدولية التي تخنق اقتصادها.

لكن الاتفاق بات مهددا بعدما انسحبت منه الولايات المتحدة بشكل أحادي في مايو 2018، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية ومالية على الجمهورية الإسلامية ما حرم إيران من الفوائد التي كانت تتوقعها من الاتفاق. 

 

إيران

لم يُسمح لأم بيجمان فاتحي برؤية ابنها قبل إعدامه، العام الماضي، إلا لعشر دقائق، يروي شقيقها عباس مولود لموقع "الحرة".

"لم نتسلم جثته حتى الآن"، يقول.

قصة فاتحي ليست فردية. 

منذ تأسيس نظام "ولاية الفقيه" عام 1979، امتنعت السلطات الإيرانية عن تسليم جثث النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين أعدمتهم أو ماتوا تحت التعذيب، ولا توفر لأسرهم معلومات عن أماكن دفنهم.

ولم تحظ الأسر بلحظة وداع، ولا تزال، منذ سنين، تبحث عن إجابة.

يحظر القانون الإيراني الدفن في المقابر الرسمية دون تصريح خطي من "الجهات المختصة". ويواجه من يقوم بدفن ذويه بشكل غير قانوني تهما قد تؤدي إلى السجن أو الغرامة أو كليهما، خاصة إذا كان المتوفى قد أعدم نتيجة تهمة سياسية أو أمنية.

منذ سنين طويلة، تحاول عائلات السجناء السياسيين استعادة جثامين أحبائها المعدومين، من دون طائل.

في يناير 2024، أعدمت السلطات الإيرانية بيجمان فاتحي وثلاثة نشطاء آخرين هم وفاء آذربار، ومحسن مظلوم، ومحمد فرامرزي، بتهمة التعاون مع جهاز الموساد الإسرائيلي.

تقول عائلاتهم، إن التهم ملفقة، والاعترافات التي بثها التلفزيون الرسمي، انتُزعت تحت التعذيب.

وتؤكد العائلات أن أبناءها لم يُعتقلوا في محافظة أصفهان كما زعمت السلطات، بل في مدينة أورمية شمال غربي إيران. ولم يعلموا باعتقالهم إلا بعد عامين من اختفائهم، من خلال تقرير تلفزيوني بث اعترافاتهم القسرية.

"حاولنا خلال الفترة الماضية بشتى الطرق لاسترداد جثة بيجمان ورفاقه أو حتى معرفة مكان دفنهم، لكن السلطات لا تسلم جثث المعدومين السياسيين لذويهم بأي شكل من الأشكال"، يقول مولود عباس.

ولا يقتصر الأمر على النشطاء السياسيين، بل يشمل مقاتلي البيشمركة من الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، الذين يُقتلون خلال اشتباكات مع القوات الإيرانية.

وتشير تقارير نشطاء معارضين إلى أن السلطات الإيرانية دأبت، منذ أكثر من 46 عاما، على دفن السجناء السياسيين، وضحايا التعذيب، والمعارضين، في مقابر جماعية متوزعة في محافظات إيرانية مختلفة، بما في ذلك العاصمة طهران التي تضم "مقبرة خاوران" الشهيرة.

وبحسب تقارير صادرة عن منظمة العفو الدولية، جرّفت السلطات مقبرة خاوران عدة مرات خلال العقود الماضية لطمس معالم شاهد مادي على جرائم النظام.

وتشير المنظمة إلى أن السلطات لا تزال تُخفي مصير العديد من الضحايا أو أماكن دفنهم، حتى اليوم.

في أبريل الماضي، ذكرت المنظمة، في تقرير، أن عدد الإعدامات في إيران ارتفع من 853 في عام 2023 إلى 972 في عام 2024، بزيادة قدرها 119 حالة، معظمها طالت أشخاصا شاركوا في الاحتجاجات المناهضة للنظام مثل حركة "المرأة، الحياة، الحرية".

في عام 2018، أُعدمت السلطات الإيرانية رامين بناهي، شقيق الناشط الكردي رفيق حسين بناهي.

رغم محاولاتها، لم تتمكن أسرة رامين حتى اليوم من الوصول إلى قبره.

"نعتقد أن السبب في إخفاء الجثث هو آثار التعذيب على أجسادهم. النظام يخشى من توثيق الجرائم من خلال العائلات والمنظمات الحقوقية"، يقول رفيق بناهي.

وتخشى السلطات من تحول الجنازات إلى تظاهرات احتجاجية ضد النظام، أو تصبح قبور المعدومين مواقع رمزية للمقاومة، يعتقد رفيق.

امتناع السلطات من تسليم جثة المعدوم لأسرته تعمق معاناتها، وتجعلها عرضة لعذاب نفسي مرير بسبب حالة عدام اليقين: هل أعدموه أم ما زال حيا؟!

توجه السلطات الإيرانية إلى المعتقلين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان تهما فضفاضة مثل "محاربة الله" المعروفة أيضا بـ"المحاربة" أو "الفساد في الأرض" أو التعاون مع إسرائيل والولايات المتحدة، قبل إصدار أحكام الإعدام عبر المحاكم الثورية التي لا توفر الحد الأدنى من شروط العدالة.

في كردستان الإيرانية، تعتبر منظمة "هانا" الحقوقية هذه الممارسات من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان وأكثرها منهجية.

يقول رئيس المنظمة، حميد بهرامي، إن "هذا السلوك لا يمثل فقط انتهاكًا واضحًا للحقوق، بل هو شكل من أشكال التعذيب النفسي الممنهج لعائلات الضحايا وللمجتمع بأسره".

ويشير بهرامي إلى المجازر الجماعية التي وقعت في عام 1988 كأبرز مثال على هذه السياسة. حينها، أعدمت السلطات آلافا من السجناء السياسيين في مختلف السجون، ودفنتهم في مقابر جماعية سرية.

حتى اليوم، لا تعرف عائلاتهم أماكن دفنهم.

وأشار إلى قضية المصارع الإيراني نافيد أفكاري، الذي أُعدم في 2020 بعد اتهامات مشكوك في صحتها، ودُفن ليلا في مكان سري.

ولفت بهرامي إلى أن قوات الأمن دفنت العديد من المتظاهرين الذين قُتلوا خلال احتجاجات 2019 و2022 بشكل سري، ومنعت عائلاتهم من إقامة مراسم تشييع أو دفن علنية.

وفي نوفمبر الماضي، كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن السلطات الإيرانية نفذت حزمة من أحكام الإعدام استهدفت سجناء سياسيين، ومواطنين من الأقليات العرقية، وأجانب.

وقالت ناهد نقشبندي، الباحثة في شؤون إيران في المنظمة إن "السلطات الإيرانية تستخدم عقوبة الإعدام كأداة للترهيب، خصوصا ضد الأقليات والمعارضين السياسيين بعد محاكمات غير عادلة".

واعتبرت نقشبندي أن المحاكم الثورية تمثل "أداة قمع ممنهج" تنتهك أبسط الحقوق وتصدر أحكام الإعدام دون ضمانات قانونية حقيقية.

ودعت المجتمع الدولي إلى إدانة هذا النهج بوضوح، وممارسة الضغوط لوقف الإعدامات في إيران.

أما بالنسبة لعائلات مثل عائلة عباس وبناهي، فإن الإدانة الدولية لم تعد مطلبا حقوقيا فحسب، بل حاجة إنسانية ملحّة، بحثا عن الحقيقة، أي عن قبر ابن أو بنت، أب أو أم، في أصقاع إيران الواسعة.