الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس دونالد ترامب. أرشيفية
الرئيس الإيراني حسن روحاني والرئيس دونالد ترامب. أرشيفية

خاص "موقع الحرة"

​​

 

بعد أسبوع من تهديد إيران بالتخلي عن التزاماتها في الملف النووي وفق الاتفاق المبرم عام 2015 مع الغرب، عاد الرئيس الإيراني حسن روحاني الأحد إلى استخدام "لغة التهدئة"، معربا عن استعداد طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة في حال رفعت العقوبات الاقتصادية وعاودت واشنطن الالتزام باتفاق 2015.

ويرى محللون أن حديث طهران عن رغبتها في العودة للتفاوض ما هي إلا "مناورة سياسية" هدفها الحد من آثار العقوبات الأميركية التي أثبتت فعاليتها.

ورجحوا أن تماطل إيران في التفاوض بانتظار نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2020، والتي تأمل طهران من خلالها عدم إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا لأميركا.

​​وقال روحاني "إذا رفعوا العقوبات وأنهوا الضغوط الاقتصادية المفروضة وعادوا إلى الاتفاق، فنحن مستعدون لإجراء محادثات مع أميركا اليوم والآن وفي أي مكان".

وكانت إيران قد هددت الأحد الماضي بالتخلي عن التزامات أخرى في المجال النووي "خلال ستين يوما" في حال لم يتم إيجاد "حل" مع شركائها ضمن الاتفاق النووي لتلبية مطالبها.

 

هل تثق الإدارة الأميركية بنوايا إيران تجاه الملف النووي؟

​​

 

 

يرى مدير مؤسسة بدائل الشرق الأوسط الكاتب حسن منيمنة "أن إيران ستعود إلى طاولة التفاوض مع الولايات المتحدة حول الملف النووي، لكنها لا تزال تبحث عن كيفية إتمامها لذلك بحيث تحفظ ماء وجهها أمام المجتمع الدولي من جهة، وأمام مجتمعها الداخلي من جهة أخرى".

ويذهب منيمنة إلى أن التصريحات الإيرانية التي تعبر عن الاستعداد للتفاوض "ما هي إلا دليل على أن العقوبات الأميركية تؤدي الغرض منها".

ويشير منيمنة في حديث مع "موقع الحرة" إلى أن إيران تقوم بمناورة سياسية من أجل العودة لطاولة التفاوض، ولكن الولايات المتحدة لا تزال ترى في التصريحات الإيرانية عدم جدية في الوقت الحالي، رغم أن موقف واشنطن على ما يبدو لا يعارض ممارسات إيران بالضغط على أصدقاء غربيين مثل لندن وبرلين وباريس من أجل حث الأطراف المختلفة على تهدئة التصعيد".

​​ويتوقع "أن يبقى الموقف الأميركي ثابتا بفرض العقوبات على إيران وعدم تقديم التنازلات أو الانسياق وراء التصريحات الإيرانية"، خاصة وأن التجارب السابقة أثبتت أن الماكينة الإعلامية الإيرانية ستستخدم هذه التنازلات لتظهر وكأنها المنتصر خاصة في ظل وجود اختلافات في الداخل الإيراني.

ويقول منيمنة إن إيران على ما يبدوا تأمل في عدم التجديد لولاية الرئيس دونالد ترامب، وهي تبحث سيناريوهات ما بعد عام 2020، ولكنها ترغب في المماطلة من أجل رفع العقوبات، مشيرا إلى أن "رغبتهم بالتفاوض من المؤكد أنها حقيقية ومن يصرح بها من إيران ليس بكاذب"، ولكن مسألة هي ثقة الإدارة الأميركية في نوايا إيران تجاه المفاوضات.

 

واشنطن – طهران.. ورحلة إنضاج شروط المفاوضات

​​

 

 

الكاتب الأردني عريب الرنتاوي يقول من ناحيته لـ "موقع الحرة" "إنه بات واضحا أن كل الأطراف المعنية بالملف النووي الإيراني ترغب بالعودة للتفاوض بعيدا عن أي توطئة لحرب بين الولايات المتحدة وإيران".

ويتفق الرنتاوي مع منيمنة في أن إيران تريد المماطلة في التفاوض على أمل عدم عودة الرئيس ترامب لولاية أخرى.

وذكر أن تأرجح أيران بين لغتي التهديد والتهدئة ما هو إلا مناورة سياسية دبلوماسية من أجل تحسين شروط الاتفاق، إذ لا تزال أميركا وإيران في "رحلة إنضاج شروط المفاوضات" والتي ربما لن تكون نتائجها قريبة أو سريعة، إنما ستحتاج إلى وقت من أجل الوصول لها.

ويرى الرنتاوي أن إيران لن تتخلى عن برنامجها النووي بسهولة خاصة في الشق المدني منه، إذ " تعود جذور هذا البرنامج إلى أربعة عقوة ماضية، والإيرانيون مفاوضون عنيدون جدا".

​​وكانت فرنسا وألمانيا وبريطانيا، الدول الاوروبية الثلاث الموقعة على الاتفاق النووي الايراني العام 2015، قد دعت في بيان مشترك الأحد إلى "وقف تصعيد التوتر واستئناف الحوار" في هذا الملف.

وقالت الدول الثلاث في بيان أصدرته الرئاسة الفرنسية "نحن قلقون لخطر تقويض الاتفاق تحت ضغط العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وبعد قرار إيران عدم تنفيذ العديد من البنود المحورية في الاتفاق".

وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران منذ انسحاب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي العام الماضي وإعادة فرضه عقوبات كانت مفروضة على طهران قبل إبرام الاتفاق.

وردا على العقوبات الأميركية، التي استهدفت على نحو ملحوظ مصدر تدفق العائد الأجنبي الرئيسي لإيران المتمثل في صادرات النفط الخام، أعلنت طهران في مايو عزمها تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق.

​​وفي تحد للأطراف الأوروبية الموقعة على الاتفاق، والتي حثت إيران على مواصلة الالتزام الكامل به، رفعت طهران نسبة تخصيب اليورانيوم لأعلى من مستوى 3.67 في المئة الذي يجيزه هذا الاتفاق.

ووقعت بريطانيا وألمانيا وفرنسا والاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وإيران والصين وروسيا اتفاق 2015.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟