مجموعة من أقلية الأويغور المسلمين في الصين
مجموعة من أقلية الأويغور المسلمين في الصين

في مواجهة الانتقادات الدولية الواسعة للسياسات القمعية التي تتعبها الصين في إقليم شينجيانغ، لجأت بكين مؤخرا إلى التنقيب في ماضي المنطقة وسكانها، وأصدرت تقريرا عن تاريخ عقائدهم الدينية.

وتشير تقارير إلى أن الصين تحتجز قسرا نحو مليوني شخص من الأويغور وأقليات أخرى أغلبيتها مسلمون، في معسكرات "لإعادة تأهيلهم".

وجاء في "كتاب أبيض" صدر عن مكتب الإعلام لمجلس الدولة الصينية، أن شينجيانغ الواقع شمال غربي البلاد، إقليم متعدد الأعراق تعايش فيه عديد من الديانات لقرون.

ونشرت وكالة أنباء شينخوا  الرسمية، الأحد، ملخصا للكتاب الذي يحمل عنوان "مسائل تاريخية متعلقة بشينجيانغ"، أكد على أن الإقليم يحترم "حرية مواطنيه" في اتباع أي دين يختارونه أو عدم الإيمان بأي شيء إن كان ذلك خيارهم أيضا.

لكن التقرير يزعم، وفق شبكة "سي أن أن"، أن الإسلام دخل إلى الصين بالقوة خلال الحروب الدينية التي دارت في القرن العاشر، والتي أنهت قرونا من الهيمنة البوذية. وجاء فيه أن "دخول الأويغور الإسلام لم يكن خيارا طوعيا من المواطنين العاديين، بل كان نتيجة حروب دينية وفرض من الطبقة الحاكمة".

ويشير الكتاب إلى أن "الإسلام ليس نظاما أصليا ولا المعتقد الوحيد لشعب الأويغور".

ويعتقد أن الإسلام دخل الصين لأول مرة على يد سعد بن أبي وقاص، الذي وصل البلاد للمرة الثالثة في عام 651م كسفير لثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان.

ولم يشر مخلص الكتاب الذي نشرته شينخوا إلى هذا الجانب من التاريخ. وأورد ملخصها باللغة العربية أن "مجموعة الويغور العرقية في منطقة شيجيانغ الويغورية ذاتية الحكم بشمال غربي الصين، تشكلت عبر عملية طويلة من الهجرة والاندماج، وأن العديد من الأسماء المختلفة استخدمت في السجلات التاريخية للإشارة إلى هذه المجموعة من الناس".

وتابعت أن "الأسلاف الأساسيين للويغور كانوا شعب الأُويجور الذي عاش في هضبة منغوليا خلال أسرتي سوي (581-618) وتانغ (618-907)".

وتشير السجلات التاريخية وفق الملخص، إلى أنه "لمقاومة الاضطهاد والعبودية من قبل الأتراك، اتحد شعب الأُويجور مع بعض قبائل تيلي لتشكيل اتحاد الأُويجور القبلي. وفي عام 788، قام حاكم الأُويجور حينئذ بالكتابة إلى إمبراطور تانغ، مطالبا بتغير اسمهم إلى الأويغور".

وجاء في الملخص أن الأويغور ليسوا أحفاد الأتراك، متابعا أنه "منذ العصور الحديثة، وبدوافع خفية، وصف بعض أنصار القومية التركية جميع الناطقين باللغة التركية بأنهم الأتراك". 

وذكر أيضا أنه "في الصين، تضم المجموعات العرقية الناطقة باللغات التركية، الويغور والقازاق والقرغيز والأوزبيك والتتار واليوغور والسالار، وكلا منهم له تاريخه الخاص وثقافته الفريدة"، مضيفا "لا يمكن الإشارة إلى هؤلاء الناس بأنهم أتراك".

تجدر الإشارة إلى أن الصين دولة ملحدة، على الرغم من أن 18 في المئة من سكانها تقريبا يقولون إنهم بوذيون، وخمسة في المئة مسيحيون وأقل من اثنين في المئة مسلمون، وفق بيانات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.

وأشار الكتاب وفق "سي أن أن" إلى أن المنطقة تعرضت لهجمات قوات أجنبية وانفصاليين ومتشددين دينيين وقوات إرهابية".

وتحت شعار مكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي والنزاعات الانفصالية، شددت السلطات الصينية في الأعوام الماضية إجراءات المراقبة في شينجيانغ وأقامت فيه "مراكز تأهيل مهني" لمن تشتبه بأنهم متطرفون إسلاميون.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية الشهر الماضي إن "بكين تواصل تصوير حملتها القمعية ضد الأويغور وغيرهم من المسلمين على أنها جهود مشروعة لمكافحة الإرهاب".

ويرى الأويغور في حملة الدولة ضدهم أنها شكل من "الإبادة الثقافية"، فيما يتحدث محتجزون سابقون عن تلقي دروس حول بروبغاندا الحزب الشيوعي، وفرض حظر على كثير من جوانب ثقافة الأقلية وعاداتها.

ويعتبر التقرير، وفق سي أن أن، أي انتقاد لجهود الصين لمواجهة التشدد في أراضيها يمثل "ازدواجية في المعايير". وجاء فيه أن "هذا النوع من الانتقاد يخون الضمير والعدالة الإنسانية وسيتم نبذه من قبل جميع المدافعين الحقيقيين عن العدالة والتقدم".

ويعيش في شينجيانغ حوالي 22 مليون شخص في الصين التي تعداد سكانها حوالي 1.4 مليار.

هروب السينما الإيرانية

في ربيع عام 2024، انتشر مقطع فيديو على نطاق عالمي، يظهر فيه المخرج الإيراني المعروف، محمد رسولوف، وهو يسير، على قدميه، في مناطق وعرة. 

يرصد المقطع رسولوف أثناء هروبه من إيران إلى تركيا بعد أن أصدرت السلطات الإيرانية بحقه حكما بالجلد والسجن ثماني سنوات بسبب أعماله السينمائية. 

بعد أيام من هروبه وحصوله على اللجوء في السويد، أطل رسولوف في مهرجان "كان" السينمائي، في حضور حمل رسالة قوية إلى النظام الحاكم في إيران. 

صفق المشاركون في المهرجان طويلا، وبحرارة، للمخرج الإيراني، بعد فوزه بجائزة "لجنة التحكيم" الخاصة، عن فيلمه "بذرة التين المقدس".

واكتسبت تلك اللحظة زخما إضافيا لحقيقة أن رسولوف كان قد صور وأنتج فيلمه الفائز في "كان" داخل إيران قبل هروبه، تحت رقابة مشددة، وملاحقة أمنية، وتهديد دائم بالاعتقال.

يقول كافيه عباسيان، وهو مخرج وخبير سينمائي إيراني لـ"الحرة" إن رسولوف أنجز فيلمه رغم كل العراقيل والضغوط التي تعرض لها داخل بلده. لكن الضغوط أجبرت عددا كبيرا من السينمائيين الإيرانيين على العزوف عن الإنتاج السينمائي.

إضافة إلى مزاياها  الفنية، تثير الأفلام الإيرانية في الخارج اهتماما كبيرا داخل المهرجانات وخارجها بسبب موضوعاتها التي غالبا ما تثير أسئلة حول الحرية والديمقراطية والاعتقال، ودور الدين في الحياة العامة.

القائمة لا تنتهي

يعتقد  عباسيان أن هروب غالبية العاملين الإيرانيين في قطاع السينما ساهم في جذب الاهتمام بالأفلام الإيرانية في الخارج. 

"برويس سياد، أحد أعظم صانعي الأفلام لدينا هرب من إيران. وعاد غلام علي عرفان إلى البلاد وأنتج بعض الأفلام، مُنعت جميعها. وكذلك رضا لاميزاده، لم يتمكن أيضا من مواصلة مسيرته المهنية فهرب من إيران. وكذلك نصرات حكيمي، وسوزان تسليمي وهي ممثلة إيرانية أيضا، وكثيرون غيرهم. أعني القائمة لا تنتهي".

فريدون جورك، مثل كثير من هؤلاء السينمائيين، اضطر إلى المغادرة عام 2002، بعدما لاحقته السلطات الإيرانية طوال سنوات عمله في السينما داخل إيران. 

يقول جورك لـ"الحرة" إنه قضى أكثر من أربعين عاما يعمل في مختلف المجالات السينمائية في إيران. أخرج حوالي 25 فيلما، لكن أجبرته الاعتقالات والملاحقة المستمرة  له ولزوجته على الهروب من طهران.

"فررنا خوفا من أن نُعتقل مرة أخرى، ولجأنا إلى الولايات المتحدة، نعيش اليوم في لوس أنجلوس ونحاول إظهار بعض جرائم هذا النظام للناس، وشرحها لهم من خلال الصورة. فالصورة دائما تساعد أكثر على إبراز الحقيقة".

من سيئ إلى أسوأ

بدأت معاناة السينمائيين الإيرانيين تتعمق مع انتقال الحكم من الشاه محمد رضا بهلوي إلى روح الله الخميني.

قبل الثورة الإسلامية في إيران، كانت السينما الإيرانية تحت إشراف وزارة الثقافة والفنون، وكانت مهمتها الأولى، الإشراف والتدقيق في كل ما ينتجه السينمائيون، يقول جورك.

مع تربع الخميني على سدة الحكم، أصبحت الأمور أكثر سوءا. "فعندما جاء الخميني، كان أول تعليق له عن السينما بمثابة إهانة حقيقية للمجتمع الفني. قال الخميني 'نحن لسنا ضد السينما لكنه ضد الرذيلة'. أهان العاملين في مجال السينما علنا.

بعد هذا التصريح شرع أنصاره بإحراق دور السينما في جميع أنحاء البلاد.

أثناء تحقق فريق "الحرة" من معلومات جورك بشأن تصريح الخميني، وجدنا أنه يعود إلى فترة وجود الخميني في المنفى في فرنسا وقتها، ووجدنا تقريرا نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية عام 1978.

 يبين التقرير أن أول حادث عنف ضد العاملين في السينما  داخل إيران حريق أضرم في دار سينما مزدحمة في مدينة عبادان الإيرانية، وأسفر عن مقتل 377 شخصا على الأقل في واحدة من أسوأ الكوارث من نوعها في تاريخ إيران، بحسب وصف الصحيفة.

قُتل رواد السينما دهسا أو اختناقا أو أُحرقوا أحياء. ويكشف التقرير أن زعماء دينيين متطرفين ألقوا كلمات في تجمعات حاشدة في جميع أنحاء إيران، حثوا فيها الإيرانيين على أداء الصلاة في المساجد بدلا من مشاهدة الأفلام في السينما أو التلفزيون. 

يؤكد فريدون جورك، الذي عايش تلك الأحداث في إيران، أن المحكمة كشفت أن الخميني كان مسؤولا عن الحريق. 

"هذا العمل الشنيع كان من عمل الجمهورية الإسلامية"، يقول. 

الحديث عن الإبداع "سخف"

"منذ الثورة تصاعد العنف ضد العاملين في قطاع السينما،" يقول علي المقدم، وهو مخرج إيراني هرب أيضا من إيران في  أواخر عام 2027، بعد اعتقاله وسجنه عدة مرات. 

يشير المقدم إلى أن الحديث عن الإبداع تحت حكم الجمهورية الإسلامية يصبح سخيفا، لأن السلطات لا تسمح لأحد بالاجتهاد والإبداع. "الحكومة تريد فقط فرض رأيها على كل شيء، وهذا لا يتعلق بالسينما فقط، إنما يتعداه إلى الموسيقى، الكتابة والشعر والنحت".

حتى عام 2023، تجاوز عدد السينمائيين المعتقلين في إيران 150 شخصا، أودت السلطات معظمهم في سجن إيفين، سيء الصيت، الذي أصبح معروفا باسم "سجن الفنانين".

رغم تضييق السلطات على السينمائيين، يعد قطاع السينما داخل إيران من أكثر الصناعات نشاطا، بإنتاج يقارب مئة فيلم سنويا، لكن الغالبية العظمى من ذلك الإنتاج تقع ضمن دائرة البروباغندا الإعلامية. 

يقول المخرج الإيراني كافيه عباسيان لـ"الحرة" إن الحرس الثوري الإسلامي يملك شركة إنتاج تُسمى "المعهد الثقافي"، وهي تنتج، إضافة إلى الأفلام، مسرحيات ومسلسلات تلفزيونية.

 "لدينا هنا ميليشيا إسلامية للإنتاج الإعلامي، تُوازي الجيش الإيراني، وهم يتفوقون على أي شركة إنتاج خاصة أخرى في إيران" يقول عباسيان، "يدفعون أجورا أعلى بكثير لمحترفي السينما والممثلين لإنتاج أفلامهم، ونتيجة لذلك تبدو أفلامهم رائعة، لكن السينما الإيرانية لها تاريخ طويل".

رغم القمع، واضطرار رسولوف وجورك، وعشرات السينمائيين إلى الهروب من إيران، معهم إبداعاتهم، تتواصل في القرى والمدن الإيرانية إنتاجات السينما المستقلة، و"هذا هو الأهم، هذا هو مستقبل إيران، هذا هو المستقبل الذي يهمنا"، يقول المخرج الإيران كافيه عباسيان لـ"الحرة" من منفاه البريطاني.