الممثلة أنجلينا جولي تزور مخيما للاجئين السوريين في البقاع في لبنان
الممثلة أنجلينا جولي تزور مخيما للاجئين السوريين في البقاع في لبنان

506632 4

د. ابتهال الخطيب/

في قصة قصيرة خلابة الذكاء للعظيم نجيب محفوظ بعنوان "الرجل السعيد"، يتناول محفوظ حكاية رجل يفترض بكل المقاييس أن يكون تعيسا محزونا. يتدهور عمل هذا الرجل، تتوفى عنه زوجته، يهاجر عنه ابنه الوحيد، هو محاط بأخبار الحروب ومصائب الدنيا؛ ومع ذلك، ورغم كل آلامه الشخصية، يصحو ذات يوم من النوم ليجد نفسه في قمة السعادة، في أوج التسامح مع أعدائه، في غاية الرضا تجاه كل نكبات حياته: "إنه سعيد. سعادة جبارة. مستهينة بكل تعاسة، باسمة لأي شقاء، تريد أن تضحك، أن ترقص، أن تغني، وأن توزع ضحكاتها ورقصاتها وأغنياتها على مشكلات العالم" (محفوظ، 110).

وعندما تستمر هذه الحالة من السعادة المنفردة، يبدأ الرجل بالشعور بأنه معزول عن بقية البشر. فحالة السعادة المزمنة عنده نجحت في خلق وحدة قاسية حوله، حيث أنه أصبح غير قادر على التواصل عاطفيا مع الآلام والأحزان، وبالتالي مع البشر الذين هم مكونين أساسا منها. 

كانت مرتعبة وكنت مرتعبة وبدأت كلتينا تنوح على حدة نواحا ممزقا لا معالم لصوته

​​يحاول الرجل استرجاع الذكريات، التملي في كل مصائب حياته، بل في مصائب الدنيا عامة، إلا أن شيئا لا يفلح في إعادة المشاعر التفاعلية لديه. ينتهي الرجل في عيادة طبيب نفسي، ضاحكا باكيا بشكل هستيري على سعادة لا تريد أن تغادره، سعادة سجنته في وحدة عاطفية شديدة البرودة والصلافة، لقد أضحى وحيدا، "وحيد بين يدي سعادته الطاغية" (محفوظ، 113).

كلما عدت إلى هذه القصة القصيرة الخارقة الذكاء تذكرت حالنا في العالم العربي، ترى هل هي إسقاط مباشر على صلفنا الحالي؟ لربما هي إسقاط على الصلف البشري عموما، على هذا التمكن الحديدي من الاستمرار في الحياة وتذوق السعادات رغم كل المصائب والكوارث المحيطة بنا، والتي أحيانا لا تبعد عنا أكثر من بضع كيلومترات قليلة. غريبة هي قدرتنا على الاستمرار، على الشعور بالسعادة، كبشر عموما، وكشرق أوسطيين على وجه الخصوص، حيث نعيش اللامبالاة ونستمر في تذوق حالات من الرضا والسعادة "لا الماضي يفسرها ولا المستقبل يبررها" (محفوظ، 105)، فأي مرض نفسي هذا الغائر في نفس البشر عموما وأي وباء مركز منه أصاب بقعتنا تحديدا من الأرض؟

يقول العلماء إنها القدرة العقلية عند البشر لانتقاء الأحداث والذكريات، لتحييد ما يبدو تناقضا ونفاقا في تصرفاتنا مما له أن يقض مضجع الضمير. قد نتأثر لفترة من الزمان، قد نتوجع، قد نتواصل بالتعاطف والمساعدة، لكننا سرعان ما ننسى، نذهب إلى حيواتنا المنفصلة المختلفة ونعيش سعادات أو لربما اعتيادات مريحة أو لربما لا مبالاة مُرضية كتلك التي أصابت رجل محفوظ السعيد، فننتفض من حول الآلام وأصحابها، ونغرق في رضانا وسعاداتنا، ولا كأن بني جنسنا يتألم أو يعاني. لا بد أننا جنس غريب جدا، غرابة هذا الرجل السعيد الذي ثمل بسعادة هي "عنيفة لدرجة الإنهاك، مشلّة للإرادة" (محفوظ، 110) كتلك التي لا بد أنها تصاحبنا في هذا الشرق الأوسط المسكين، سعادة مَرَضية، تغيب وعينا عما حوله وحواسنا عن مصاب حواس الآخرين.

نوع من الأسى العميق والاستسلام الداكن اللذين لم أرهما على وجه إنسان من قبل

​​في بداية الكارثة السورية زرت طرابلس، كأحد أماكن اللجوء الرئيسية للسوريين النازحين، مع مجموعة ليان الخيرية. كانت مهمتنا تسليط الضوء الإعلامي على الكارثة، وأتت التعليمات بأن نحرص على فصل أنفسنا عن العائلات وعن ظروفهم: لن تتمكنوا من مساعدة الجميع، احرصوا على أداء دوركم ثم المغادرة. كنت أعلم بصعوبة المهمة لكنني أبدا ما علمت أنني سأذهب إليها بكينونة وأعود بكينونة أخرى. في بيت أم حمزة (إحدى اللاجئات الأفضل حظا) والذي هو غرفة في الواقع، توقف فريقنا للغداء والراحة، حيث أكرمتنا أم حمزة بوجبة سورية لم أتذوق لحلاوتها مثيلا (وفرت ليان كل المطلوب للوجبة بالطبع). وقفت أساعد أم حمزة في المطبخ إبان تحضيرها للوجبة، كانت تترنم بترنيمة سورية وكنت أحاول متابعتها غناء وتمايلا على صوتها الشجي. فجأة توقفت أم حمزة ونظرت في عيني مباشرة وقالت: "اعلمي يا دكتورة أنني كنت في يوم إنسانة محترمة مثلك، لي بيت وعمل وأسرة مكتملة". غاص قلبي بشعور لم أستطع تحديده، شيء أشبه بتيار كهرباء يتغلغل في الأطراف، بادرتها محملة بعار الفرق بين الأقدار أن ليتني أرقى أنا لمكانتها وعظيم نضالها.

وفي بيت أسرة مكونة من أم وأب معلولين وأربعة أطفال يعيشون في عشة مفتوحة الجوانب في مزرعة دواجن تعمل فيها الأم المريضة لتعيل الجميع، جلست وصحبتي نداعب الصغار، ونناظر وجهي الكبيرين، شيء غريب بدا على وجهيهما، ليس ألما ولا غضبا ولا معاناة، نوع من الأسى العميق والاستسلام الداكن اللذين لم أرهما على وجه إنسان من قبل.

وفي منطقة معزولة أخرى، زرنا عائلة تسكن بيتا قيد البناء، يعيشون على التراب وبين جدران لم تبن بعد ليلفحهم الهواء البارد من كل حدب وصوب ولتمتلئ رئاتهم، المنهكة أصلا، بالأتربة الممرضة، وحين أتى وقت مغادرتنا، لحقت بي طفلتين من أطفال العائلة: "خالتو لا تنسينا، تعالي السنة الجاية". رنة صوت باب السيارة وهو يغلق، جبهتيهما البيضاوتين الملوثتين بالأتربة عند طرف شباك السيارة، طبعات كفوفهما على الزجاج، عيون ملونة، أصوات مبعثرة فيها من الضحكات أكثر من البكاء. استدارت السيارات ورحلنا. ما عدت أنا السنة التالية، ولا يعلم أي منا إن كانت الأسرة قد تمكنت من البقاء على قيد الحياة خلال شتاء طرابلس القارس.

آخر أسرة زرناها كانت تسكن مع أسر أخرى كثيرة، كذلك في بيت قيد الإنشاء، إلا أن حالة هذا البيت كانت أفضل بعض الشيء من حيث اكتماله. أخذت نفسا عميقا ونزلت من السيارة مغلقة الباب خلفي. جاءنا أحد المرافقين طالبا منا ألا نصدر أصواتا مرتفعة أو نغلق أبواب السيارات بقوة، ففي الأسرة طفلة عمياء، ترتعب تماما عند إصدار أي صوت عالي حيث تعتقدها تفجيرات كتلك التي رزحت تحتها لأسابيع عدة. اقتربت من الفتاة، حاولت ألمسها، قلت شيئا، قفزت تبحث عن حضن أمها، رعب ومرار وأسى لم أكن أعرف إمكانية ارتسامهم على وجه بنت السابعة. اعتذرت منا الأم وحاولت تهدئة الطفلة، واعتذرت أنا وحاولت تقبيل جبينها، هوشت بيديها، كانت مرتعبة وكنت مرتعبة وبدأت كلتينا تنوح على حدة نواحا ممزقا لا معالم لصوته. كانت تلك اللحظة الأخيرة، علمت أنني تغيرت، أن شيئا داخلي توحش، رأى أكثر مما يجب وسمع أكثر مما يجب (رغم هوان تجربتي مقارنة بغيرها)، سأبقى غاضبة وقاسية وكارهة لكل ما يمت لبني البشر بصلة من الآن فصاعدا.

ثم عدت للكويت. عدت للبيت الذي بدا غريبا، ولزوجي الذي بدت راحة احتضانه خطيئة. عدت للأولاد، يعيشون حيواتهم اليومية، يخرجون ويعودون ويستعملون أدوات الحياة حولهم كأنها تحصيل حاصل. هذه الموزة التي تقضمها ابنتي، هذا الحذاء الذي ما عاد يريده ابني، وآخر العنقود، تنام في غرفة وردية، في حضنها دبدوب، وفي قلبها غصة لأن كمبيوترها قديم وبعد لم نجدده لها.

غاص قلبي بشعور لم أستطع تحديده، شيء أشبه بتيار كهرباء يتغلغل في الأطراف

​​كيف لعقلي أن يستوعب بعد المسافة؟ شعرت بالغربة رغم انغماس زوجي والأولاد في قصة المأساة واستعدادهم للمساعدة والمساندة بكل صورة. كنت كمن هي في حلم، لم يتقبل عقلي الفرق، ولم يستطع جسدي تحمل التغيير، سقطت مريضة لأيام، هجست وحلمت وصرخت ليلا، انقطعت عن الطعام وعن الخروج، أصبحت قاتمة قاسية مريرة الأحاديث. ثم شيئا فشيئا، هدأت روحي، وعدت لروتيني، عادت لي شهية الأكل، ورجعت لي رغبتي في التسوق، وتمكنت من إطلاق الضحكات مجددا مع الصديقات، وهجعت نفسي إلى كل اعتياداتها من جديد.

حين أفكر في هذه التجربة وما تلاها أتساءل، هل أنا في حالة من "سعادة غامرة، عجيبة، منهكة" (محفوظ، 114) سقطت في نفسي وباء مكنني من الاستمرار في الحياة رغم كل ما رأيت وما سمعت؟ هل هي "سعادة جبارة. مستهينة بكل تعاسة، باسمة لأي شقاء" (محفوظ، 110) تلك التي غيبتني عن الألم، عن الحرقة، عن ذاك التوجع الحارق الذي أصابني طوال مدة الرحلة؟ إلى اللحظة أتذكر كل شيء: أم حمزة ودورانها الناعم في مطبخها؛ الصغيرات الشقراوات وجباههن المطلة من طرف شباك السيارة؛ نواح الصغيرة العمياء؛ نواحي أنا. أتذكر كل شيء، لكنني مثل "الرجل السعيد" أستمر في الحياة، أعيشها بكل زواياها وأنا أعلم ما في الشمال من أسى لا يوصف، أعرف التغيير الشاسع الذي تفعله بضعة كيلومترات في الحيوات والأقدار. بكل تأكيد أنا لست ذات المرأة التي ذهبت، لن أعودها في يوم، فهل حالة استمرار الحياة باعتياداتها التي أعيشها الآن هي تمثيلية، هو عارض مرضي؟ هل أنا إنسان سعيد؟

المصدر: المجموعة القصصية خمارة القط الأسود لنجيب محفوظ، قصة الرجل السعيد، الناشر مكتبة مصر.

اقرأ للكاتبة أيضا: تكذبون داروين؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السعادة المزمنة EA5B6495-03A6-4E04-BEB5-B4F071A482B3.jpg Reuters السعادة-المزمنة الممثلة أنجلينا جولي تزور مخيما للاجئين السوريين في البقاع في لبنان 2019-07-30 12:22:12 1 2019-07-30 12:22:47 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.