الممثلة أنجلينا جولي تزور مخيما للاجئين السوريين في البقاع في لبنان
الممثلة أنجلينا جولي تزور مخيما للاجئين السوريين في البقاع في لبنان

506632 4

د. ابتهال الخطيب/

في قصة قصيرة خلابة الذكاء للعظيم نجيب محفوظ بعنوان "الرجل السعيد"، يتناول محفوظ حكاية رجل يفترض بكل المقاييس أن يكون تعيسا محزونا. يتدهور عمل هذا الرجل، تتوفى عنه زوجته، يهاجر عنه ابنه الوحيد، هو محاط بأخبار الحروب ومصائب الدنيا؛ ومع ذلك، ورغم كل آلامه الشخصية، يصحو ذات يوم من النوم ليجد نفسه في قمة السعادة، في أوج التسامح مع أعدائه، في غاية الرضا تجاه كل نكبات حياته: "إنه سعيد. سعادة جبارة. مستهينة بكل تعاسة، باسمة لأي شقاء، تريد أن تضحك، أن ترقص، أن تغني، وأن توزع ضحكاتها ورقصاتها وأغنياتها على مشكلات العالم" (محفوظ، 110).

وعندما تستمر هذه الحالة من السعادة المنفردة، يبدأ الرجل بالشعور بأنه معزول عن بقية البشر. فحالة السعادة المزمنة عنده نجحت في خلق وحدة قاسية حوله، حيث أنه أصبح غير قادر على التواصل عاطفيا مع الآلام والأحزان، وبالتالي مع البشر الذين هم مكونين أساسا منها. 

كانت مرتعبة وكنت مرتعبة وبدأت كلتينا تنوح على حدة نواحا ممزقا لا معالم لصوته

​​يحاول الرجل استرجاع الذكريات، التملي في كل مصائب حياته، بل في مصائب الدنيا عامة، إلا أن شيئا لا يفلح في إعادة المشاعر التفاعلية لديه. ينتهي الرجل في عيادة طبيب نفسي، ضاحكا باكيا بشكل هستيري على سعادة لا تريد أن تغادره، سعادة سجنته في وحدة عاطفية شديدة البرودة والصلافة، لقد أضحى وحيدا، "وحيد بين يدي سعادته الطاغية" (محفوظ، 113).

كلما عدت إلى هذه القصة القصيرة الخارقة الذكاء تذكرت حالنا في العالم العربي، ترى هل هي إسقاط مباشر على صلفنا الحالي؟ لربما هي إسقاط على الصلف البشري عموما، على هذا التمكن الحديدي من الاستمرار في الحياة وتذوق السعادات رغم كل المصائب والكوارث المحيطة بنا، والتي أحيانا لا تبعد عنا أكثر من بضع كيلومترات قليلة. غريبة هي قدرتنا على الاستمرار، على الشعور بالسعادة، كبشر عموما، وكشرق أوسطيين على وجه الخصوص، حيث نعيش اللامبالاة ونستمر في تذوق حالات من الرضا والسعادة "لا الماضي يفسرها ولا المستقبل يبررها" (محفوظ، 105)، فأي مرض نفسي هذا الغائر في نفس البشر عموما وأي وباء مركز منه أصاب بقعتنا تحديدا من الأرض؟

يقول العلماء إنها القدرة العقلية عند البشر لانتقاء الأحداث والذكريات، لتحييد ما يبدو تناقضا ونفاقا في تصرفاتنا مما له أن يقض مضجع الضمير. قد نتأثر لفترة من الزمان، قد نتوجع، قد نتواصل بالتعاطف والمساعدة، لكننا سرعان ما ننسى، نذهب إلى حيواتنا المنفصلة المختلفة ونعيش سعادات أو لربما اعتيادات مريحة أو لربما لا مبالاة مُرضية كتلك التي أصابت رجل محفوظ السعيد، فننتفض من حول الآلام وأصحابها، ونغرق في رضانا وسعاداتنا، ولا كأن بني جنسنا يتألم أو يعاني. لا بد أننا جنس غريب جدا، غرابة هذا الرجل السعيد الذي ثمل بسعادة هي "عنيفة لدرجة الإنهاك، مشلّة للإرادة" (محفوظ، 110) كتلك التي لا بد أنها تصاحبنا في هذا الشرق الأوسط المسكين، سعادة مَرَضية، تغيب وعينا عما حوله وحواسنا عن مصاب حواس الآخرين.

نوع من الأسى العميق والاستسلام الداكن اللذين لم أرهما على وجه إنسان من قبل

​​في بداية الكارثة السورية زرت طرابلس، كأحد أماكن اللجوء الرئيسية للسوريين النازحين، مع مجموعة ليان الخيرية. كانت مهمتنا تسليط الضوء الإعلامي على الكارثة، وأتت التعليمات بأن نحرص على فصل أنفسنا عن العائلات وعن ظروفهم: لن تتمكنوا من مساعدة الجميع، احرصوا على أداء دوركم ثم المغادرة. كنت أعلم بصعوبة المهمة لكنني أبدا ما علمت أنني سأذهب إليها بكينونة وأعود بكينونة أخرى. في بيت أم حمزة (إحدى اللاجئات الأفضل حظا) والذي هو غرفة في الواقع، توقف فريقنا للغداء والراحة، حيث أكرمتنا أم حمزة بوجبة سورية لم أتذوق لحلاوتها مثيلا (وفرت ليان كل المطلوب للوجبة بالطبع). وقفت أساعد أم حمزة في المطبخ إبان تحضيرها للوجبة، كانت تترنم بترنيمة سورية وكنت أحاول متابعتها غناء وتمايلا على صوتها الشجي. فجأة توقفت أم حمزة ونظرت في عيني مباشرة وقالت: "اعلمي يا دكتورة أنني كنت في يوم إنسانة محترمة مثلك، لي بيت وعمل وأسرة مكتملة". غاص قلبي بشعور لم أستطع تحديده، شيء أشبه بتيار كهرباء يتغلغل في الأطراف، بادرتها محملة بعار الفرق بين الأقدار أن ليتني أرقى أنا لمكانتها وعظيم نضالها.

وفي بيت أسرة مكونة من أم وأب معلولين وأربعة أطفال يعيشون في عشة مفتوحة الجوانب في مزرعة دواجن تعمل فيها الأم المريضة لتعيل الجميع، جلست وصحبتي نداعب الصغار، ونناظر وجهي الكبيرين، شيء غريب بدا على وجهيهما، ليس ألما ولا غضبا ولا معاناة، نوع من الأسى العميق والاستسلام الداكن اللذين لم أرهما على وجه إنسان من قبل.

وفي منطقة معزولة أخرى، زرنا عائلة تسكن بيتا قيد البناء، يعيشون على التراب وبين جدران لم تبن بعد ليلفحهم الهواء البارد من كل حدب وصوب ولتمتلئ رئاتهم، المنهكة أصلا، بالأتربة الممرضة، وحين أتى وقت مغادرتنا، لحقت بي طفلتين من أطفال العائلة: "خالتو لا تنسينا، تعالي السنة الجاية". رنة صوت باب السيارة وهو يغلق، جبهتيهما البيضاوتين الملوثتين بالأتربة عند طرف شباك السيارة، طبعات كفوفهما على الزجاج، عيون ملونة، أصوات مبعثرة فيها من الضحكات أكثر من البكاء. استدارت السيارات ورحلنا. ما عدت أنا السنة التالية، ولا يعلم أي منا إن كانت الأسرة قد تمكنت من البقاء على قيد الحياة خلال شتاء طرابلس القارس.

آخر أسرة زرناها كانت تسكن مع أسر أخرى كثيرة، كذلك في بيت قيد الإنشاء، إلا أن حالة هذا البيت كانت أفضل بعض الشيء من حيث اكتماله. أخذت نفسا عميقا ونزلت من السيارة مغلقة الباب خلفي. جاءنا أحد المرافقين طالبا منا ألا نصدر أصواتا مرتفعة أو نغلق أبواب السيارات بقوة، ففي الأسرة طفلة عمياء، ترتعب تماما عند إصدار أي صوت عالي حيث تعتقدها تفجيرات كتلك التي رزحت تحتها لأسابيع عدة. اقتربت من الفتاة، حاولت ألمسها، قلت شيئا، قفزت تبحث عن حضن أمها، رعب ومرار وأسى لم أكن أعرف إمكانية ارتسامهم على وجه بنت السابعة. اعتذرت منا الأم وحاولت تهدئة الطفلة، واعتذرت أنا وحاولت تقبيل جبينها، هوشت بيديها، كانت مرتعبة وكنت مرتعبة وبدأت كلتينا تنوح على حدة نواحا ممزقا لا معالم لصوته. كانت تلك اللحظة الأخيرة، علمت أنني تغيرت، أن شيئا داخلي توحش، رأى أكثر مما يجب وسمع أكثر مما يجب (رغم هوان تجربتي مقارنة بغيرها)، سأبقى غاضبة وقاسية وكارهة لكل ما يمت لبني البشر بصلة من الآن فصاعدا.

ثم عدت للكويت. عدت للبيت الذي بدا غريبا، ولزوجي الذي بدت راحة احتضانه خطيئة. عدت للأولاد، يعيشون حيواتهم اليومية، يخرجون ويعودون ويستعملون أدوات الحياة حولهم كأنها تحصيل حاصل. هذه الموزة التي تقضمها ابنتي، هذا الحذاء الذي ما عاد يريده ابني، وآخر العنقود، تنام في غرفة وردية، في حضنها دبدوب، وفي قلبها غصة لأن كمبيوترها قديم وبعد لم نجدده لها.

غاص قلبي بشعور لم أستطع تحديده، شيء أشبه بتيار كهرباء يتغلغل في الأطراف

​​كيف لعقلي أن يستوعب بعد المسافة؟ شعرت بالغربة رغم انغماس زوجي والأولاد في قصة المأساة واستعدادهم للمساعدة والمساندة بكل صورة. كنت كمن هي في حلم، لم يتقبل عقلي الفرق، ولم يستطع جسدي تحمل التغيير، سقطت مريضة لأيام، هجست وحلمت وصرخت ليلا، انقطعت عن الطعام وعن الخروج، أصبحت قاتمة قاسية مريرة الأحاديث. ثم شيئا فشيئا، هدأت روحي، وعدت لروتيني، عادت لي شهية الأكل، ورجعت لي رغبتي في التسوق، وتمكنت من إطلاق الضحكات مجددا مع الصديقات، وهجعت نفسي إلى كل اعتياداتها من جديد.

حين أفكر في هذه التجربة وما تلاها أتساءل، هل أنا في حالة من "سعادة غامرة، عجيبة، منهكة" (محفوظ، 114) سقطت في نفسي وباء مكنني من الاستمرار في الحياة رغم كل ما رأيت وما سمعت؟ هل هي "سعادة جبارة. مستهينة بكل تعاسة، باسمة لأي شقاء" (محفوظ، 110) تلك التي غيبتني عن الألم، عن الحرقة، عن ذاك التوجع الحارق الذي أصابني طوال مدة الرحلة؟ إلى اللحظة أتذكر كل شيء: أم حمزة ودورانها الناعم في مطبخها؛ الصغيرات الشقراوات وجباههن المطلة من طرف شباك السيارة؛ نواح الصغيرة العمياء؛ نواحي أنا. أتذكر كل شيء، لكنني مثل "الرجل السعيد" أستمر في الحياة، أعيشها بكل زواياها وأنا أعلم ما في الشمال من أسى لا يوصف، أعرف التغيير الشاسع الذي تفعله بضعة كيلومترات في الحيوات والأقدار. بكل تأكيد أنا لست ذات المرأة التي ذهبت، لن أعودها في يوم، فهل حالة استمرار الحياة باعتياداتها التي أعيشها الآن هي تمثيلية، هو عارض مرضي؟ هل أنا إنسان سعيد؟

المصدر: المجموعة القصصية خمارة القط الأسود لنجيب محفوظ، قصة الرجل السعيد، الناشر مكتبة مصر.

اقرأ للكاتبة أيضا: تكذبون داروين؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السعادة المزمنة EA5B6495-03A6-4E04-BEB5-B4F071A482B3.jpg Reuters السعادة-المزمنة الممثلة أنجلينا جولي تزور مخيما للاجئين السوريين في البقاع في لبنان 2019-07-30 12:22:12 1 2019-07-30 12:22:47 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".