الناشطة السودانية إيثار جبارة أمام جدارية لمحمد مطر الذي قتل خلال اقتحام اعتصام المعارضة السودانية أمام مقر الجيش في الخرطوم في 3 يونيو
الناشطة السودانية إيثار جبارة أمام جدارية لمحمد مطر الذي قتل خلال اقتحام اعتصام المعارضة السودانية أمام مقر الجيش في الخرطوم في 3 يونيو

506793 4

بابكر فيصل/

رفعت الثورة السودانية المستمرة منذ شهر ديسمبر 2018 عدة شعارات تطالب ببسط الحرية وتحقيق السلام والعدالة، وكذلك تبنت الجماهير العديد من الشعارات التي تنادي باحترام حقوق وكرامة الإنسان السوداني، غير أن أبرز الشعارات التي ظهرت في هذه الثورة العظيمة تمثل في المطالبة باستعادة "مدنية الدولة" بعد ثلاثة عقود من حكم العسكر المتلفحين برداء الدين.

وعندما نشب الخلاف بين المجلس العسكري الحاكم وقوى الحرية والتغيير التي تقود الثورة سعى الطرف الأول لتوظيف أجهزة الإعلام الرسمية للتشكيك في شعار مدنية الدولة بالقول إن الثوار لا يدركون ماذا يعني مفهوم المدنية، وأنهم يعتقدون أنها تعني فقط عدم وجود شخص عسكري في قمة هرم السلطة، وهو ما تطلب ضرورة الغوص عميقا في تحديد ماهية المدنية التي يطلبها الثوار.

يعتقد كاتب هذه السطور أن مفهوم المدنية يتضمن بعدا جوهريا وآخر خارجيا بالإضافة إلى أبعاد أخرى تميزه عن أنماط الحكم العسكري أو الديني. أما الجانب الجوهري فيرتبط ارتباطا وثيقا بوعي البشر بضرورة العيش المشترك، مع وجوب أن ينضبط هذا العيش بقانون يتوافقون عليه، وأن يكون ذلك التعايش محكوما بشرعية الحق وليس القوة.

يجب الحفاظ على جذوة الثورة متقدة حتى يتم إكمال مهمة الانتقال والتأسيس للحكم الديمقراطي

​​الدولة ـ كما يقول على مبروك ـ مدنية بطبيعتها لأنها نشأت كأداة لاستيعاب تحول الإنسان من حال الوجود الطبيعي حيث ينشغل الفرد فقط بإشباع غرائزه الطبيعية إلى حال الاجتماع المدني حيث ينشغل بما ينظم حاجته للاجتماع الضروري مع الآخرين.

وإذ تتسِّم الحالة الطبيعية بسيادة الفوضى وطغيان الأقوى، وتتحكم فيها مشاعر الغضب والسيطرة، فإن الحالة المدنية يسود فيها التسامح والتعاون، وتمنع البشر من الاعتداء على بعضهم البعض وتنظم الحياة العامة من خلال إقامة الأجهزة التي يُعهد إليها تطبيق القانون بشكل محايد ومستقل عن تأثير الأفراد والجماعات.

وعليه فإنه إذا كان "القانون الحاكم لحال الوجود الطبيعي للبشر هو قانون "سيادة الأقوى" الغالب في الطبيعة، فإن القانون الذي ينبني عليه الاجتماع المدني هو قانون "الحق" الذي تصوغه الجماعة ـ على قول جون لوك ـ "شاملا ووافيا لحاجة الجميع"، مما يعني أن الدولة المدنية هي دولة الحق وليست دولة القوة أو الإكراه والقمع".

والحال هكذا، فإن الثورة السودانية اندلعت من أجل الخلاص من حكم شمولي استبد بالسلطة بمنطق القوة وليس القانون المتوافق عليه، وبالتالي فإن الهدف الجوهري الذي يجب أن يتحقق من أجل تطبيق شعار المدنية الذي رفعته الجماهير هو ضرورة الانتقال لدولة القانون التي تتراضى عليها مختلف مكونات الشعب السوداني.

من ناحية أخرى، فإن المدنية تستبطن بعدا خارجيا قد يراه البعض أقل أهمية من بعدها الجوهري ولكنه ضروري، ويتمثل في ألا يكون رأس الدولة عسكريا عاملا "يعتمر قبعة" أو رجل دين بحكم موقعه "يرتدي عمامة"، بل يكون شخصا مدنيا، وهذا بالضرورة لا يعني استبعاد هؤلاء إذا تخلوا عن مواقعهم في الجيش أو المؤسسة الدينية، ونذكر في هذا الإطار مثال الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، والرئيس الفرنسي شارل ديغول وغيرها من الأمثلة.

لذلك، يصبح من غير المنطقي رمي الثوار بتهمة التعنت لأنهم يُصرون على أن يكون للمدنيين الأغلبية في عضوية مجلس السيادة المرتقب، حيث أن هذا المجلس سيمثل رأس الدولة وسيعكس معنى ودلالة الانتقال من الدولة الدينية الأوتوقراطية للدولة المدنية وهى الغاية التي خرج من أجلها الملايين للشوارع واستشهد في سبيلها الآلاف فضلا عن التضحيات الجسيمة الأخرى التي قدمتها الجماهير الثائرة.

تتعارض المدنية مع الأسس التي تنبني عليها الدولة الدينية

​​بالإضافة للبعدين المذكورين أعلاه فإن هناك أبعادا أخرى ترتبط بالمدنية، ومنها البُعد المتمثل في المواطنة، التي تعتبر إحدى الركائز الأساسية التي تنبني عليها الدولة المدنية، وهي إذ ترتبط بتعريف الفرد الذي يعيش على أرض تلك الدولة تعريفا قانونيا لا يتعلق بدينه أو أصله العرقي أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها أو غير ذلك من التصنيفات، فإنها تعتبر ذلك الفرد عضوا كاملا في المجتمع "كمواطن" وبالتالي فإنها تشكل الأساس الذي تستند عليه حقوقه وواجباته، وتعتبر الأرضية التي تعكس قيمة المساواة في الدولة.

وبما أن البعد الجوهري في المدنية يرتبط بوعي الأفراد بحتمية العيش المشترك القائم على التوافق والمستند إلى القانون، فقد أثبتت التجربة البشرية أن الديمقراطية هي أكثر النظم السياسية قدرة على الحفاظ على ذلك التوافق وذلك بسبب ما تتضمنه من وسائل لتداول وانتقال السلطة بالطرق القانونية، وإدارة الاختلاف والتنوع بالأدوات السلمية، فضلا عن إتاحة الفرصة للتنافس الحر بين الأفكار السياسية المختلفة وبما يضمن الارتقاء الدائم بالمجتمع والحفاظ على العيش المشترك بين أفراده.

الثورة السودانية اندلعت من أجل الخلاص من حكم شمولي استبد بالسلطة

​​وإذ تتعارض المدنية مع الأسس التي تنبني عليها الدولة الدينية، وتستند إلى علاقات تقوم على التسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد المجتمع، فإنها لا تقبل باستخدام الدين من أجل تحقيق مكاسب سياسية، وتنادي بأن ينحصر دور الدين في الارتقاء بالأخلاق والسلوك، وأن يشكل طاقة إيمانية تدفع الأفراد في المجتمع وتحضهم على التمسك بقيم العمل والتعاون والعيش المشترك.

في هذا الإطار تبدو مطالبة الثورة السودانية بالمدنية أمرا بديهيا، ذلك لأنها قامت للخلاص من نظام أساء استخدام الدين لمدة ثلاثين عاما من أجل تحقيق مكاسب سياسية ضيقة للمنتمين للحركة الإسلامية (فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان) وهو الأمر الذي وضع البلاد على شفير الانهيار الاقتصادي وأشعل الحروب الأهلية التي أزهقت فيها آلاف الأرواح وأدى لاستشراء الفساد بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث.

لا شك أن الطريق لن تكون سالكة لتحقيق حلم إقامة الدولة المدنية، ذلك لأن قوى الثورة المضادة ما تزال موجودة وتمسك بمفاصل الاقتصاد والمال، فضلا عن سيطرتها على الخدمة العامة وأجهزة الدولة، وهو الأمر الذي يستوجب الحفاظ على جذوة الثورة متقدة حتى يتم إكمال مهمة الانتقال والتأسيس للحكم الديمقراطي المستدام، والوفاء بمتطلباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

اقرأ للكاتب أيضا: حزب التحرير يطالب بإقامة دولة الخلافة في السودان

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ثورة السودان: ما المدنية؟ 08C1F83F-84AD-48D0-AAE4-105B0D0C7F5C.jpg AFP ثورة-السودان-ما-المدنية الناشطة السودانية إيثار جبارة أمام جدارية لمحمد مطر الذي قتل خلال اقتحام اعتصام المعارضة السودانية أمام مقر الجيش في الخرطوم في 3 يونيو 2019-07-31 13:08:30 1 2019-07-31 13:17:31 0

مطار بيروت

لأعوام طويلة، حول حزب الله مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت إلى معبر تهريب لحقائب العملة الصعبة والذهب والسلاح، في تجاوز صارخ لسلطة الدولة اللبنانية. 

اليوم، ومع تصاعد الضغوط الداخلية والدولية، تعمل السلطات اللبنانية على إعادة فرض هيبتها على هذا المرفق الحيوي، في مسعى لضبط الوضع الأمني وفرض السيادة على أحد أبرز منافذ البلاد.

وفي هذا السياق، أطلقت الحكومة اللبنانية سلسلة إجراءات أمنية وإدارية، شملت منع هبوط شركات الطيران الإيرانية، وإجراء تغييرات أمنية داخل المطار، إضافة إلى فصل عشرات الموظفين للاشتباه بانتمائهم إلى حزب الله، وفقا لتقارير. 

وكثّفت السلطات عمليات التفتيش ووسّعت دائرة المراقبة على الشحنات الواردة والصادرة، سعيا لكبح أي نشاطات مشبوهة.

وترافق ذلك مع حملة دبلوماسية قادها لبنان لطمأنة المجتمع الدولي بالتزامه بمكافحة التهريب وتجفيف منابع التمويل غير المشروع، في مسعى لاستعادة الثقة الدولية بلبنان.

إجراءات صارمة؟

وأسفرت سلسلة عمليات أمنية في المطار عن إحباط تهريب أموال وذهب في الآونة الأخيرة، يشتبه في ارتباطها بحزب الله، وكان أحدثها قبل أيام عندما ضبطت السلطات شحنة ذهب، نفى النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله حسن فضل الله، أن تكون مرتبطة بالحزب.

وفي فبراير الماضي، أعلنت وزارة المالية اللبنانية عن ضبط مليونين ونصف مليون دولار مع أحد المسافرين القادمين من تركيا.

وفي هذا السياق، أجرى رئيس الحكومة نواف سلام في 13 مايو جولة تفقدية في المطار برفقة وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، واجتمع مع قائد جهاز أمن المطار العميد فادي كفوري وعدد من المسؤولين. 

واطلع سلام على سبل تعزيز الأمن وتسهيل حركة المسافرين.

"الإجراءات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مطار بيروت الدولي ماثلة للعيان ويلاحظها جميع رواده من لبنانيين وأجانب، مغادرين أو واصلين"، يقول المحلل السياسي الياس الزغبي.

ويضيف أن تلك الإجراءات "أمنيّة وإدارية وتنظيمية وسياحية مشددة، ولكنها خاضعة لمزيد من الاختبار والمتابعة لئلّا تكون ظرفية أو طارئة تعود بعدها الفوضى ويستشري الفلتان كما كانت عليه الأمور سابقا".

ولاقت الإجراءات المتخذة في المطار "ارتياحا خارجيا وداخليا"، وفق ما يقوله الزغبي لموقع "الحرة"، "وهذا ما شجع بعض الدول الخليجية على السماح لمواطنيها بالمجيء إلى لبنان بعد احتجاب سنوات، ما يؤدي إلى صيف سياحي واعد في حال استمرار الهدوء في الربوع اللبنانية".

ويرجح الزغبي انزعاج حزب من هذه التدابير "لأنها أقفلت في وجهه باباً أساسياً من أبواب تهريب الأموال والمخدرات وحتى الأسلحة، خصوصاً بسبب منع الطائرات الإيرانية من الهبوط".

ورغم الضغوط التي يمارسها حزب الله على الدولة وأجهزتها لوقف هذه الإجراءات "تتابع السلطات السياسية والأمنية مهمتها لأن المسألة بالغة الجدية للعرب والعالم ولا تستطيع هذه السلطات التهاون فيها".

تحديات قائمة

تواجه مطار بيروت ثلاث مشكلات رئيسية، وفقا للخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب، وهي تتراوح بين التحديات الأمنية والثغرات اللوجستية والإدارية، قد تنعكس على الأمن العمليات وسيرها.

يشير ملاعب في حديث لموقع "الحرة" إلى أن الموقع الجغرافي للمطار يشكل تهديداً أمنياً بالغ الأهمية.

"يقع المطار في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهي منطقة ذات نفوذ شيعي، مما يجعل السيطرة الأمنية خاضعة لتأثير مباشر من قوى الثنائي الشيعي".

ويضيف "رغم إزالة الإعلانات التابعة لحزب الله على الطرق المؤدية إلى المطار، فإن ذلك لا يعني خروج المنطقة من نطاق السيطرة الفعلية".

ويشير ملاعب إلى أن "الجيش اللبناني اضطر في فترة معينة إلى فتح مسار بديل عبر منطقة الشويفات لتسهيل دخول الموظفين، بعد تعذّر استخدام الطريق الرئيسي نتيجة إغلاقها على أيدي مسلحين، وتم تمرير الموظفين بمحاذاة المدرج تحت حماية عسكرية لضمان وصولهم".

وأشار ملاعب إلى أن "الإرث الذي خلفه التعاون بين الرئيس السابق ميشال عون وحزب الله أتاح للأخير نفوذا في المطار، تجلى في التعيينات وآلية سير العمل".

في ما يتعلق بالثغرات اللوجستية، انتقد ملاعب ضعف تقنيات المراقبة في المطار، مشيرا إلى أن "تطوير الأنظمة الأمنية يمكن أن يحد بشكل كبير من عمليات التهريب".

واتهم "بعض الموظفين الذين يعطلون الأجهزة بالتواطؤ لتسهيل مرور البضائع المهربة".

وعن التحديات الإدارية،يشدد على أن جهاز الجمارك يمثل "نقطة ضعف خطيرة"لأن "أي خلل في إدارة الجمارك يفتح الباب أمام عمليات التهريب، خاصة في ظل ضعف الإجراءات التقنية واللوجستية".

ويرى ملاعب أن هناك فجوة مالية صادمة في إيرادات المطار  إذ أن "قيمة الواردات اللبنانية في عام 2024 بلغت نحو 17 مليار دولار، بينما لم تتجاوز إيرادات الضرائب والجمارك 500 مليون دولار، رغم أنه كان من المفترض أن تصل إلى ملياري دولار".

يعتقد ملاعب أن "هذه الفجوة تكشف عن مافيات منظمة تستفيد من التهرب الضريبي بشكل ممنهج".

وفي سياق آخر، يشير ملاعب إلى أن إضرابات مراقبي الملاحة الجوية باتت تشكل تهديدا مباشرا لحركة الطيران وسلامة العمليات.

تحذير من التخريب

في تصريحات أدلى بها لقناة "الحرة" في مارس الماضي، شدد وزير الأشغال العامة والنقل في الحكومة اللبنانية، فايز رسامني، على أن حماية مطار رفيق الحريري الدولي تتصدر أولويات الحكومة، خاصة في ظل التحديات الأمنية الراهنة.

وأكد رسامني أن الحكومة اتخذت "كل الإجراءات الصارمة لضمان أمن المطار وسلامة المسافرين"، وأشار إلى أن الجهود الحالية تركز على تعزيز البنية التحتية الأمنية "بكل الإمكانيات المطلوبة".

وكشف الوزير عن خطة لاستبدال المعدات اليدوية في المطار بتقنيات حديثة لتعزيز الأمن، وقال إن المرافئ اللبنانية، بما فيها مرفأ بيروت، ستُزود قريباً بأجهزة ماسح ضوئي متقدمة. ولفت إلى أن هذه الأجهزة "لن تقتصر مهمتها على مكافحة التهريب، بل ستسهم أيضاً في زيادة إيرادات الدولة".

ومن المتوقع، وفقا للزغبي، "أن ينسحب النجاح في ضبط المطار على سائر المرافق البحرية والبرية ولاسيما مرفأ بيروت. كما أن الحدود مع سوريا هي موضع عناية مشتركة بين بيروت ودمشق تحت الرعاية الدولية، لكنها تحتاج إلى إجراءات أكثر صعوبة بسبب اتساعها والخروق المتعددة والمنتشرة عليها شرقاً وشمالاً. وتنتظر استكمال الاتفاقات المشتركة برعاية مباشرة من المملكة العربية السعودية التي جمعت الطرفين اللبناني والسوري في لقاءات تنسيقية مباشرة".

ويحذر الزغبي من أن حزب الله "قد يلجأ إلى محاولة تخريب هذه الإجراءات الجوية والبحرية والبرية كي يعيد إحياء مسالك التهريب التي كانت تدرّ عليه أموالاً هائلة، لكنه في الحقيقة بات مكشوفاً أمام الداخل والخارج وتراجعت قدرته كثيراً عسكرياً ولوجستياً، مع أنه لا يزال يسعى إلى تأمين سكك للتهريب عبر البر والبحر". 

ومع استمرار الرقابة المتشددة سيتكبد حزب الله مزيدا من الضعف والانكشاف. لكن العلاج التام للتهريب يتطلب كثيرا من الجهود الإضافية، لأن هذا التهريب قديم ومتجذر ولا يتم استئصاله بين ليلة وضحاها، يقول الزغبي.