506945 4

حازم الأمين/

ليست قضية ترحيل سوريين من تركيا إلى إدلب "إجراء قانونيا" بحق غير الحائزين على الإقامة (الكملك) من اللاجئين، على ما حاولت السلطات التركية القول. فمن الواضح أن قضية السوريين في تركيا صارت جزءا من النقاش الداخلي في تركيا، وأن الحكومة بدأت تدفع ثمنا شعبيا جراء تسهيلها في السنوات الفائتة استقبال اللاجئين.

ورجب طيب أردوغان الذي تعرض لخسائر على أكثر من صعيد في المرحلة الأخيرة، استجاب بخطواته الجديدة لضغوط يتعرض لها. فزعيم العدالة والتنمية خسر المدن الكبرى في الانتخابات المحلية، وتعرض حزبه لانشقاقات في متنه، وانهارت الليرة التركية، وتعرض الاقتصاد لانتكاسات غير مسبوقة.

على العالم أن يقتنع أن النظام هو مأزقه أيضا، وليس مأزق السوريين لوحدهم

​​لكن في مقابل هذا المشهد التراجيدي الذي يعيشه الرجل، هناك حقائق أكثر تراجيدية. ثمة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري في تركيا. أي توجه لإعادة هؤلاء إلى بلادهم سيكون غير منطقي وغير واقعي طالما أن لا تسوية سياسية تتيح عودتهم.

سنشهد طبعا مزيدا من الوقائع التي تكشف قيام الشرطة التركية بترحيل شبان سوريين، على ما شهدنا في الأسابيع الفائتة، لكن ذلك سيقتصر على المئات، وربما الآلاف، في وقت أن حجم الأزمة يبلغ ما يزيد عن ثلاثة ملايين لاجئ!

الدرس في تركيا كما هو الدرس في لبنان وفي الأردن، هو أن لا حل لقضية اللاجئين السوريين في هذه البلدان، سوى بتسوية تضمن عودة آمنة لهؤلاء اللاجئين. تركيا تقترح إعادتهم إلى إدلب في وقت تشهد فيه تلك المحافظة مجازر هائلة يتسبب بها القصف الروسي لمدن هذه المحافظة. لبنان، يتحدث سياسيوه عن مناطق سورية آمنة، وكلامهم لا يجد ترحيبا من قبل النظام السوري، ناهيك عن اللاجئين أنفسهم وعن تجارب عودة انتهت بأحكام إعدام.

الدول التي استقبلت اللاجئين كانت جزءا من الحرب في سوريا

​​ربما نكون قد استنفدنا نقاش أنظمتنا بما يتعلق بالبعد الإنساني لموضوع اللاجئين، والأرجح أن أنظمة الدول المُستقبلة نجحت في بناء رأي عام إلى جانبها على هذا الصعيد (لبنان)، أو وجدت نفسها منقادة وراء تحول في أمزجة مجتمعاتها (تركيا). لكن للقضية بعد واقعي، ذاك أن توهم ترحيل قصري لملايين البشر إلى مناطق يشعرون أنهم سيموتون فيها، أمر مستحيل. لن يقبل هؤلاء بأن يُحشروا في بؤر الموت التي نعرضها عليهم. يمكن للأنظمة أن تعيد قصرا المئات وربما الآلاف، لكن إعادة ملايين اللاجئين لن يكون واقعيا ولا ممكنا.

يعيدنا هذا إلى حقيقة أن العالم يبحث في قضية اللاجئين عبر بحثه في نتائجها لا في أسبابها، وهذا يبدو عقيما. أنقرة تدفع بلاجئين إلى إدلب وتتحالف مع موسكو التي تقصف طائراتها المحافظة. لبنان يريد إعادة اللاجئين إلى مناطق النظام الذي سيقتلهم، وهو على علاقة متينة مع هذا النظام. إذا ما نعرضه على اللاجئين هو الموت، ولا شيء آخر. وهم لن يقبلوا بهذا العرض طبعا.

أي بحث عن حل لموضوع اللاجئين السوريين سواء في الدول المجاورة لسوريا، أو في الدول الأوروبية، لا تكون قاعدته تسوية سياسية وضمانات دولية حقيقية، لن يكتب له النجاح. والقول بأن النظام بصيغته الراهنة لا يمكن أن يبعث على الثقة في حال أعطى ضمانات هو قول صحيح ومُجرب ومُثبت.

لا حل لقضية اللاجئين السوريين، سوى بتسوية تضمن عودة آمنة لهؤلاء اللاجئين

​​الدول التي استقبلت اللاجئين كانت جزءا من المعضلة ومن الحرب في سوريا. لبنان حارب إلى جانب النظام عبر حزب الله، وتركيا حاربت إلى جانب المعارضة عبر الفصائل الموالية لها. فاتورة اللجوء بهذا المعنى منطقية وعادلة، ورفضها على نحو ما يجري اليوم في بيروت وفي أنقرة ينطوي على قدر من الحمق والظلم، سيوازيه من دون شك أثمان ودماء.

باشر اليوم مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في تركيا وفي لبنان بالبحث عن وجهة لجوء بديلة. استحالة العودة أمر مفروغ منه. ما يتعرضون له من إهانات وتضييق وحصار تضاعف في السنة الأخيرة. الأجهزة الأمنية مزودة بتعليمات تقضي بإشعارهم بأنهم مهددين في أمنهم وعيشهم وبقائهم. الشعور المنطقي والعادي هو أن يجري البحث عن وجهة لجوء جديدة. أوروبا تغيرت ولم تعد مرحبة. إذا لا بد للعالم من أن يبحث عن مخرج. لا مخرج سوى بتسوية سياسية تأخذ باعتبارها أن النظام لا يمكن أن يكون جزءا من ضمانات العودة.

على العالم أن يقتنع أن النظام هو مأزقه أيضا، وليس مأزق السوريين لوحدهم.

اقرأ للكاتب أيضا: تيمور

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

وهم "الكملك" 0EA44CDD-79F7-4D98-BB59-E72B1579437B.jpg Reuters وهم-الكملك الشرطة التركية تعتقل متاظرا تركيا خلال تظاهرة تعترض على إجراءات الحكومة الأخيرة بحق اللاجئين السوريين 2019-08-01 12:06:37 1 2019-08-01 12:13:37 0

سوريا

"وما زال الليل سكوت وبعدك بتحنّ/ إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام"، تقول السيدة فيروز في حوار غنائي مع نصري شمس الدين في إحدى مسرحيات الأخوين رحباني. 

تحمل هذه العبارة، إلى القرب الجغرافي بين بيروت ودمشق، إشارات إلى التقارب الثقافي بين المدينتين، لجهة الليل والسهر والغناء.

مايا عمّار، الناشطة النسوية اللبنانية شعرت بهذا التقارب الثقافي، حينما زارت الشام بعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد، وسهرت مع أصدقائها في مطاعم دمشق حيث الغناء والموسيقى. بدا كل شيء مبشرا، كما تتذكر عمّار، وشعرت، حتى مع تواجد المسلحين في الشوارع، بالأمان والأمل. 

كان الناس، على ما تصف عمار، يعبّرون عن فرحهم بسقوط الطاغية كلّ بأسلوبه، وكان الفرح يوحدهم، ولم يكن هناك خوف بعد أن سقط مصدر الخوف الأساسي، وهو نظام الأسد.

اليوم تتابع مايا ما يحدث في دمشق من قيام مسلحين بمداهمة نوادٍ ليلية وأماكن سهر، وإقدامهم على ضرب الناس بالسياط. وتشعر بقلق كبير. 

تقول لموقع "الحرة": "شعرت بأنني كنت محظوظة بأنني حظيتُ بفرصة عيش هذه المقولة (إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام)، كانت التجربة لذيذة وشعرت أنني يجب أن ألتقط هذه اللحظة من الفرح قبل أن تسلب منا ونعود إلى زمن الخسارات. وبالفعل حدث ما كنت أخشاه".

تشهد العاصمة دمشق منذ فترة حوادث متفرقة، تقلق ناشطي حقوق الإنسان. بعض هذه الحوادث يتخذ طابعاً فردياً، وبعضها يبدو ممنهجاً لجهة تورط جماعات مسلحة فيه.

قبل أيام، جرى توقيف ناشط برفقة خطيبته، لأنه لم يكن يحمل أوراقاً تثبت ارتباطه بها. وهي حادثة تضاف إلى حوادث أخرى يعتبرها كثيرون استهدافاً للحريات الفردية، وتثير تساؤلات عن احترام حقوق الانسان.

ما حدث في دمشق بعضه موثق بمقاطع فيديو مأخوذة من كاميرات المراقبة، تظهر مسلحين وهم يطردون بالسياط مواطنين في ملهى ليلي في العاصمة السورية.

وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان الحادثتين، وأشار إلى أن ملهى "الكروان" الشهير، شهد هجوماً مسلحاً، بعد اقتحامه من مسلحين أطلقوا النار بشكل عشوائي من أسلحة رشاشة، ما أدى إلى مقتل راقصة وإصابة عدد من الأشخاص.

وقد شهدت العاصمة السورية هجومين مسلحين من هذا النوع على ملهيين ليليين خلال أسبوع واحد، ما أثار مخاوف من تزايد القيود على الحريات الشخصية في ظل الإدارة الانتقالية الجديدة.

وأعلنت وزارة الداخلية أنها حددت هوية المسلحين المتورطين في الحادث وألقت القبض عليهم.

وتمكنت رويترز من التأكد من موقع اللقطات من اللافتات والأرضيات والمحلات التجارية، والتي تطابقت مع صور الأرشيف.

وبحسب الوكالة، منذ الإطاحة ببشار الأسد على يد المتمردين الإسلاميين، استمرت العديد من الحانات في دمشق في العمل، على الرغم من توقف بعضها عن تقديم الكحول.

أثارت هذه الهجمات قلقًا من احتمال فرض قيود متزايدة على الحريات الفردية من قبل السلطة الانتقالية، خصوصاً بعد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في اشتباكات وهجمات مسلحة على مناطق الأقليات أدت إلى سقوط مئات الضحايا في الساحل السوري حيث الأقلية العلوية، وفي مناطق جرمانا وصحنايا حيث تتواجد أقلية درزية جنوبي العاصمة دمشق.

وقد دعت السفيرة الأميركية المؤقتة لدى الأمم المتحدة، دوروثي شيا، إلى "محاسبة جميع مرتكبي أعمال العنف الأخيرة في سوريا ولا سيما من يتولون مناصب قيادية أو يتمتعون بصفة بارزة".

وعلى الرغم من استمرار بعض الفعاليات الليلية في مناطق أخرى من دمشق، جعف تكرار الهجمات ارتياد أماكن السهر مصدر قلق للسكان.

الصحفية السورية مناهل السهوي تشرح لموقع "الحرة" أن هناك "مؤشرات تدفع إلى الاعتقاد بأن السلطة إما غير قادرة على ضبط عناصرها أو أنها متواطئة معهم. فمن غير المنطقي أن تتجول مجموعة مسلحة في وسط العاصمة، قرب مبنى المحافظة، بأسلحتها وبهذه الحرية، من دون أن يعترضها أحد. يُفترض أن السلاح الخارج عن سيطرة الدولة قد تم جمعه، لا سيما في دمشق".

من الصعب، بحسب السهوي، تجاهل التوجهات العقائدية لبعض القادة في الحكومة الحالية، "فكثير منهم مصنفون على قوائم الإرهاب أو خاضعون لعقوبات أميركية". 

وتضيف السهوي: "تاريخ هؤلاء يشير بوضوح إلى عدائهم للحريات الفردية. وحتى إن كان الرئيس المؤقت أحمد الشرع، يبدو منفتحاً، فلا ضمانة بأن جميع المسؤولين المحيطين به يتبنون التوجه نفسه".

بالنسبة إلى السهوي، فإن العنف قد يفرض وقائع على الأرض، "لكن في الوقت نفسه هناك رفض واسع للتشدد داخل المجتمع في الشام". 

من الناحية الثقافية والاجتماعية، تعتقد السهوي أنه من الصعب أن ينجح هذا التوجه، "فدمشق تحديداً مدينة ذات تاريخ طويل من التنوع والانفتاح، وتحتضن شرائح مجتمعية متباينة في المعتقدات وأنماط الحياة". 

"المجتمع الدمشقي عموماً يملك حساسية عالية تجاه فرض أنماط متشددة. حتى إن سُكِت عن التشدد بفعل الخوف أو العنف، فلن يكون ذلك قبولاً فعلياً، بل مجرد تعايش مؤقت مع واقع مفروض"، تضيف.