507114 4

سايمون هندرسون/

بعد التهنئة التي تلقتها البحرين على استضافتها مؤتمرا مهما للبحث في الشؤون الاقتصادية والسلام في الشهر الماضي، أصبحت المملكة، التي هي القاعدة الرئيسية للقوات البحرية الأميركية والبريطانية التي تتصدى للتهديدات الإيرانية، موضع انتقاد لإقدامها على إعدام نشطاء شيعة أدينوا بارتكاب جرائم إرهابية.

ففي يونيو، انصب تركيز اهتمام العالم على المنامة حيث اجتمع مسؤولين بارزين في إطار ورشة عمل بعنوان "السلام من أجل الازدهار" التي نظمتها الولايات المتحدة للاستماع إلى أفكار بشأن تنمية الاقتصاد الفلسطيني. وكان من بين الأمور البارزة العرضية فيديو انتشر على نطاق واسع يُظهر المبعوث الأميركي جيسون غرينبلات وهو يشارك في صلاة في الكنيس الوحيد الموجود في الجزيرة إلى جانب صحفيين إسرائيليين زائرين.

وبعد ذلك، في منتصف يوليو، شارك وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خلفية في مؤتمر للأديان في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، حيث التُقطت صورة له مع نظيره الإسرائيلي يسرائيل كاتز.

يضيف توقيت الإعدامات عنصرا غير متوقّع إلى التوترات التي تشهدها المنطقة

​​وتعزّزت مكانة البحرين الموالية للغرب أيضا مع زيادة التوترات البحرية مع إيران في الأسابيع الأخيرة. فالجزيرة تحتضن مقر "القيادة المركزية لقوات البحرية الأميركية" والأسطول الخامس، وكذلك فرقة دائمة مؤلفة من أربع كاسحات ألغام وبارجة بريطانية. وتتمتع القوات البحرية من البلدين بالضيافة الحارة التي تقدمها البحرين، كما أن وجودها لم يكن مثار جدل سياسي.

لكن في 26 يوليو، خرجت تظاهرة أمام السفارة البحرينية في لندن للاحتجاج على الإعدام الوشيك لمواطنين شيعيَيْن إثنين سبق أن أدينا بقتل ضباط شرطة وارتكاب جرائم إرهابية أخرى في يناير 2018. وتسلّق أحد المتظاهرين على سطح السفارة من مبنى قريب وبدأ يصرخ شعارات. وحين تمّ رصد موظفين دبلوماسيين بحرينيين أثناء قيامهم بمهاجمته، تدخلت الشرطة البريطانية لاعتقال الرجل، مقتحمة باب السفارة خلال هذه العملية.

وفي اليوم التالي، أعدم المدانين الشيعة بالرصاص. (وفي الوقت نفسه، أُعدم رجل ثالث لم يتم الإفصاح عن هويته بعد أن أدين بقتل واعظ سني في عمل غير إرهابي على ما يبدو). وتقول جماعات حقوق الإنسان إنه تم تعذيبهما وإرغامهما على توقيع اعترافات. غير أن البحرين تنفي ذلك.

وقد أجّجت هذه الحادثة حربا كلامية حيث أصدرت السفارة البحرينية في واشنطن بيانا في 26 يوليو حاولت بموجبه تبرير الإعدام من خلال الإشارة إلى أن عقوبة الإعدام مشرّعة في الولايات المتحدة ـ ربما في إشارة إلى قرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفع الحظر الأميركي على الإعدامات الفدرالية في اليوم السابق.

وفي لندن، رفض الوزير البريطاني لشؤون حقوق الإنسان طارق أحمد هذه التبريرات عبر بيان نُشر على موقع وزارة الخارجية البريطانية جاء فيه: "لا تزال المملكة المتحدة تعترض بشدة على عقوبة الإعدام. نعرب عن قلقنا وأسفنا البالغين بسبب تنفيذ هذه الإعدامات. وتدرك السلطات البحرينية تمام الإدراك موقف المملكة المتحدة. سنستمر في التواصل مع البحرين حول هذه القضية على المستوى الثنائي وفي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة".

من جهته، أدان متحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عملية الإعدام ـ ولا يُعتبر ذلك مفاجئا بالنظر إلى دعم طهران المثبت للقتال المسلّح في أوساط معتنقي المذهب الشيعي ذاته في أرجاء الخليج العربي.

تعزّزت مكانة البحرين مع زيادة التوترات البحرية مع إيران في الأسابيع الأخيرة

​​وفي غضون ذلك، حذّرت سفارة لندن في البحرين المواطنين البريطانيين من "وجود دعوات لتنظيم احتجاجات غير مرخصة في 28 يوليو مع احتمال تنظيم المزيد في الأيام المقبلة"، ناصحة إياهم "بتوخي الحذر واتباع نصيحة السلطات المحلية". وفي إحدى هذه التظاهرات توفي رجل نتيجة استنشاقه الغاز المسيل للدموع على ما يبدو. وقد حصلت تلك التظاهرة في منطقة "البلاد القديم" في العاصمة، بالقرب من السفارة الأميركية، على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين لم يرفعوا مستوى تحذيرهم بشأن السفر. وتم الإبلاغ عن تظاهرات أخرى وحرق إطارات ووقوع اشتباكات مع قوات الأمن في أماكن أخرى من المملكة.

ويضيف توقيت الإعدامات عنصرا غير متوقّع إلى التوترات التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن، والمتنامية أساسا من خلال الإجراءات الإيرانية ضد حركة الشحن البحري، والمؤشرات على أن الولايات المتحدة قد لا تعد راغبة في تأدية دور الضامن الأساسي لأمن الخليج. وعلى الرغم من رغبة البحرين في تبوء مكانة دولية أعلى، إلا أن كثيرين يخشون من فشلها المتواصل في دمج المواطنين الشيعة في المجتمع البحريني بصورة تامة، مما يؤدي بدلا من ذلك إلى قيام بعض الشباب المحبطين في الانخراط في القتال المسلّح التي تدعمه إيران.

سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
مشكلة البحرين في تصوّر الآخرين لها 76674FEC-96F2-4550-BC24-F6DED03D31E6.jpg AFP مشكلة-البحرين-في-تصوّر-الآخرين-لها وزير الخارجية البحريني خالد بن أحمد آل خلفية 2019-08-02 15:25:09 1 2019-08-02 15:34:21 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟