507145 4

مصطفى فحص/

على مدى قرون لم تتغير طبيعة الحكم الاستبدادي في روسيا. ابتداء من حكم القياصرة مرورا بالسوفيات وصولا إلى الدولة الروسية الفيدرالية الحالية، حيث اختصر التغيير على الطاقم الحاكم وليس في طبيعة الحكم.

تاريخيا روّج عرّاب عقيدة السلطة السوفياتية ميخائيل سوسلوف حول طبيعة النظام الاسبتدادي الشيوعي، بأن روسيا كإمبراطورية عظمى تحتاج دائما لثنائية "القيصر والفقر".

يحاول ورثة الطبيعة الاستبدادية التاريخية لنظام السلطة في روسيا تطبيق معادلة سوسلوف في هذه المرحلة، التي يدخل فيها نظام القيصر فلاديمير بوتين مرحلة ركود شبيهة بالمرحلة البريجنفية (نسبة إلى السكرتير الرابع للحزب الشيوعي السوفياتي ليونيد بريجنيف الذي حكم من 1964 إلى 1982). وهي المرحلة التي استطاعت خلالها موسكو السوفياتية من السيطرة على نصف الكرة الأرضية وهددت صواريخها العابرة للقارات مدينة مثل نيويورك بالتدمير الشامل، لكنها لم تستطع حل المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والقومية التي تحولت إلى مسامير سامة انغرس تدريجيا في نعش الإمبراطورية السوفياتية.

المعارضة المناهضة للفساد والاستبداد السياسي لم تعد وحيدة

​​خُدعت الإمبراطورية السوفياتية بقوتها، فاستدرجت نفسها إلى المستنقع الأفغاني، كما خدع الكرملين نفسه اليوم بعدما أغرته القوة وحضوره الدولي فانزلق في أكثر من مستنقع من أوكرانيا والقرم إلى فنزولا وسوريا، إضافة إلى سباق تسلح جديد يثقل كاهل الاقتصاد الروسي المتعثر وغير القادر على الخروج من أزماته المتعددة.

وأسباب الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الروسي متعددة؛ من الفساد وسوء إدارة الدولة إلى اعتماده المطلق على قطاعي النفط والغاز، حيث باتت الخزينة الروسية رهينة معضلتين: تراجع الطلب العالمي على الطاقة وأزمة ممرات الطاقة التي تواجها موسكو منذ الأزمة الأوكرانية وتعثر مشروع يامال.

فمنذ أكثر من سنة تقريبا تراجع اهتمام النخب السياسية والثقافية الروسية في القضايا الخارجية ولم تعد أخبار الانتصارات في القرم وسوريا وأوكرانيا تلقى اهتماما لدى الرأي العام الروسي الذي عاد اهتمامه إلى القضايا الداخلية وفي مقدمتها المعيشية والحريات العامة.

فانكشف الداخل الروسي على أزمة حكم تواجه صناع القرار في الكرملين "الأوليغارشيا ـ حيتان المال، والسيلافيك ـ قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية" بعدما فشل مشروع حزب روسيا الموحدة الذي يتزعمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أن يلعب دور الحزب الحاكم وتحول إلى حزب السلطة الذي استخدمه الكرملين للسيطرة على مفاصل الدولة الاقتصادية والعسكرية وفي تدجين المعارضة ولكنه فشل في تحسين الأوضاع المعيشية للروس الذين يعانون نتيجة فشل مشاريع الدولة الاقتصادية وفسادها ومن ضريبة العقوبات المالية والاقتصادية التي فرضها المجتمع الدولي نتيجة مغامرات الكرملين الخارجية.

إضافة إلى فشل هذا الحزب في إنتاج كوادر سياسية تضمن له استمرارا طبيعيا في السلطة يجنبه الاحتاك الخشن مع الشارع خصوصا أن مؤشرات الاستياء العام بدأت تطفو على السطح، ومن أبرز علاماتها التراجع في شعبية بوتين والحديث العلني عن خروجه من السلطة 2024 والخوف من قدرة المعارضة غير المدجنة من تنظيم صفوفها والاستفادة من أخطاء السلطة الحاكمة وفرض نفسها في الحياة السياسية الروسية.

دق المدون المعارض أليكسي نافالني ورفاقه، يوم السبت الفائت، ناقوص الخطر ونجحوا في حشد أكثر من 20 ألف متظاهر وسط العاصمة الروسية موسكو في أوسع مشاركة منذ أحداث 2011 وذلك ضد قرار السلطة حرمان أكثر من 60 مرشحا من المعارضة المستقلة، التي يصفها الكرملين بالمعارضة المناهضة للمؤسسات، من الترشح لانتخابات مجلس محافظة العاصمة موسكو.

وجاءت هذه التظاهرات على وقع تذمر شعبي بعد قرار الحكومة رفع سن التقاعد من 60 إلى 65 للرجال بحلول عام 2028، ومن 55 إلى 63 للنساء بحلول عام 2034، وهي محاولة لجعل المعاشات التقاعدية تتماشى مع الاتجاه الديموغرافي للسكان المسنين، حيث تعاني روسيا من أزمة شيخوخة بسبب التراجع الحاد في معدل الولادات، كما أن القرار يكشف عن أزمة مالية تعاني منها روسيا وعن محاولات الحكومة توفير السيولة في خزينة الدولة.

انكشف الداخل الروسي على أزمة حكم تواجه صناع القرار في الكرملين

​​مما لا شك فيه أن المعارضة الروسية غير المدجنة تراكم أرباحها، ولو البسيطة، من أخطاء السلطة، التي قامت قبل عقد تقريبا بإلغاء انتخابات رؤساء الأقاليم وفرض تعيينهم من الكرملين مباشرة تحت ذريعة مركزية الحكم العمودي وتعزيز علاقة الأقاليم مع المركز، إلا أن تراجع معدلات النمو في السنوات الأخيرة دفع بوتين إلى إلغاء ميزانية تطوير الأقاليم ما تسبب باستياء شعبي نتيجة الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها سكان هذه المناطق وضعف الخدمات العامة. وأدى الأمر إلى بروز رأي عام يطالب بالحد الأدنى من المشاركة في الحكم ولو على مستوى الأقاليم، وتخفيف قبضة الحكومة المركزية عليها.

كذلك، فإن المعارضة المناهضة للفساد والاستبداد السياسي لم تعد وحيدة وستستفيد من حشد الاحتجاجات الشعبية ضد قرار الحكومة المثير للجدل برفع سن التقاعد والإحراج الذي سببه هذا القرار لاتحاد النقابات العمالية المستقلة في روسيا، التي تسيطر عليها الدولة لكنه مضطر إلى مسايرة الشارع بسبب خطوة الحكومة التي لا تحظى بشعبية.

وعليه، من الممكن أن يخسر بعض مرشح الكرملين الانتخابات المحلية في شهر سبتمبر، وتنجح المعارضة غير النظامية جزئيا بتحقيق انتصار في النقاط. ففي مثل هذه الظروف لن تؤدي الملاحقة الجنائية لشخصيات المعارضة إلا إلى المزيد من الاحتجاجات وتضخيم صفوف المحتجين وذلك ليس في موسكو فقط... يتبع

اقرأ للكاتب أيضا: الأحوال الشخصية الجعفرية بين المدني والشرعي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

روسيا.. أزمة حكم أم أزمة نظام؟ 93B3CA5D-B8ED-4D74-A32E-71C16C034667.jpg Reuters روسيا-أزمة-حكم-أم-أزمة-نظام الشرطة الروسية تعتقل أحد المشاركين بالتظاهرة 2019-08-03 01:42:55 1 2019-08-02 18:14:55 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟