سؤال الهوية سؤال وجودي بحت
سؤال الهوية سؤال وجودي بحت

507150 4

رياض عصمت/

ذات مرة، اجتمعت مع عدد من الشخصيات الدبلوماسية والسياسية على مائدة عشاء في منزل أحد السفراء في العاصمة الباكستانية إسلام أباد. لا أذكر كيف وصل بنا الحديث إلى سؤال الهوية، وكيف ينظر كل منا إلى أولوياتها. لوهلة، بدت اللعبة طريفة وفيها تزجية مفيدة للوقت خلال حفل عشاء دبلوماسي.

لم يخطر لي على بال أن النقاش سيحتدم، وأن خلافا حادا سينشب بين المدعوين حول موضوع الهوية. قال نائب في البرلمان الباكستاني ينحدر من عائلة عريقة: "انتمائي الأول أنني مسلم، ثم أنني من بلوسشتان، ثم أنني باكستاني". فغر السفير المصري فمه واحمر وجهه، وعلق قائلا: "أما أنا، فانتمائي الأول هو عروبتي، ثم أنني مصري، ثم أنني مسلم".

استنكر النائب الباكستاني الجواب، فشرح له السفير الصديق مبادئ القومية التي كان يؤمن بها، رغم أنه لم يكن يقطع صلاة ولا صياما، لكنه أوضح أنه يعتز ويفاخر بانتمائه إلى الوطن العربي الكبير، الذي يحلم بوحدته ذات يوم في المستقبل البعيد.

صار بعض الناس مضطرا أن يتنازل عن حريته في الاختيار سعيا إلى تأمين ملاذ آمن لزوجته وأطفاله في بلاد الغربة

​​انتقل الحديث إلى سيدة أعمال لبنانية، فقالت: "بالنسبة لي، انتمائي الأول هو لبنانيتي، والثاني هو سوريتي، والثالث هو إيماني بالله". بدا واضحا أن السيدة المسيحية، التي كانت تضع صليبا على صدرها، تنتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي.

أما السفير التركي، فقال: "أنا أنتمي أولا إلى تركيا، ثم إلى الإسلام، ثم إلى منطقتي ومدينتي". علقت سفيرة أوربية مبتسمة: "منذ زمن بعيد، تم في بلادي فصل الدين عن الدولة، بعد أن كان التداخل قويا بين الكنيسة والعرش. قوانين بلادي مدنية تماما. لذلك، فإن هويتي هي انتمائي لثقافة بلدي وحضارته بالكامل منذ أقدم العصور إلى الآن".

تدخل سفير أوربي آخر في النقاش قائلا: "في بلدي، تتنافس ثقافتان متباينتان. أنا وأولادي مضطرون لأن نتكلم لغتين، فمن أسماء الشوارع ومحطات المترو إلى الدراسة الجامعية يتطلب الأمر استخدام اللغتين معا، رغم أن زوجتي تتكلم لغة ثالثة، لأنها تنحدر من بلد آخر بعيد". تنوعت الآراء، واحتدم النقاش، فكل واحد يبرر تسلسل الأولويات في عناصر ومكونات هويته.

سؤال الهوية سؤال وجودي بحت. لم يكن ذلك السؤال ملحا ومؤرقا وشاغلا للناس قبل بضعة عقود من الزمن، لكن أهميته تزايدت، بل تضاعفت مرات عديدة مع نشوب الأزمات في بعض الدول التي هبت عليها رياح ما يسمى "الربيع العربي"، من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى سوريا إلى اليمن، وصولا إلى الجزائر والسودان، وأتوقع ألا يقتصر الأمر على منطقة الشرق الأوسط فحسب، وإنما يسري عالميا أيضا على "مبدأ الدومينو". لست في معرض الإقناع بأفضلية خيار على آخر حول مسألة الهوية مما سمعته خلال جلسة العشاء التي حضرتها، وإنما أجدها فرصة لأدعو كل إنسان من أي بلد كان إلى التمحيص العميق بالعوامل التي تصنع الهوية.

تتشكل عديد من مجتمعات البلدان العربية من أقليات أثنية، سواء كانت قوميات أم أديانا أم طوائف

​​أصر بعضهم على أهمية الدين في توحيد الشعوب، وعلى تأكيد قوة الإيمان التي قهرت الاستعمار وقادت بعض ثورات الاستقلال الوطنية. وصل الأمر ببعض هؤلاء المتحمسين لقيادة الدين للمجتمع إلى حد المناداة بتطبيق حكم الشريعة. بالمقابل، كان هناك مسلمون معتدلون، ممن يؤمنون بالمبدأ القائل: "الدين لله، والوطن للجميع"، وهذا ما نال إعجاب الغربيين واستحسانهم. تسرع شخص ينتمي إلى دولة اشتراكية سابقة وصاح: "الدين أفيون الشعوب"، ثم ما لبث أن اعتذر من الباقين عن زلة لسانه عندما رأى إمارات الاستنكار، إن لم أقل الغضب، ترتسم على وجوه الورعين، مصحوبة بابتسامات شماتة على وجوه العلمانيين.

في الواقع، تتشكل عديد من مجتمعات البلدان العربية من أقليات أثنية، سواء كانت قوميات أم أديانا أم طوائف. قد تبدو هذه مشكلة تعقد أولوية الخيارات بالنسبة لكثير من الشباب، إذ أن الصراع في هذه الحالات يتجاوز الصراع بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، ليصبح صراعا في الانتماء الثقافي والقومي والديني والطائفي، خاصة وأن كثيرا من الناس هاجر من بلدان أخرى وزرع جذور عائلته في أرض كانت غريبة، فأضحت قريبة، وذلك عبر انتماء جيل الأولاد والأحفاد إليها، ونسيانهم لأصولهم وثقافاتهم القديمة والمعروفة من قبل الأجداد.

ترى، هل بادت نظرية القوميات مع ظهور خلافات بين دول متجاورة تحمل جذور ثقافة واحدة؟ هل فرقت السياسة الآنية الراهنة تجمعات كانت توحي بالقوة، كمجلس التعاون الخليجي مثلا، أو كمجموعة دول شمال أفريقيا؟ هل تعتبر الحدود الجغرافية التي ظهرت عقب الحرب العالمية الثانية حدودا في الانتماء القومي حقا، أم أنها تقسيم قسري مفتعل فرضته قوى استعمارية أجنبية؟ هل الوحدة حلم ممكن أم مجرد وهم زينه بعض القادة ليحكموا تحت شعاره بشكل مستبد ويبثوا الآمال في الشعوب التي منيت بهزائم وانكسارات تدفع العقل إلى حافة الجنون؟

سؤال الهوية سؤال وجودي بحت

​​تضم سوريا، على سبيل المثال، أقليات يخشى المرء لكثرتها أن ينسى بعضا منها، ففيها الأرمن والشركس، الأكراد والتركمان والآشوريون، السنة والشيعة والعلويون، الإسماعيليون والدروز والأيزيديون، المسيحيون الكاثوليك والروم أرثوذوكس والبروتستانت وسواهم من طوائف، فضلا عمن تبقى ولم يهاجر من الجالية اليهودية.

هل ينتمي كل من أفراد هذه القوميات والأديان والطوائف إلى الفروع الخارجية التي انحدر أجدادهم منها، وهل ما زالوا بعد عشرات السنين يحملون هوية الأقلية التي يمثلونها، أم أنهم يجدون في انتمائهم الجديد نسبيا قوة، ويحلمون باستمرار التآلف والتعايش مع بقية مكونات الوطن الكبير، لتشكل وحدة الصف المصيرية منعة وحصانة أمام تهديدات الغريب الأجنبي؟

كنا نتمازح في شبابنا، في زمن منع التجول ودوريات العسس التي توقف المارة في أوقات العتمة شائلة عن هوياتهم، مبدلين كلمات أغنية أم كلثوم الشهيرة لتصبح "أعطني هويتي، أطلق يديَّ،" ونردف قائلين: "آه إن قيدك أدمى معصمي". ما لبثت أن تحولت الأغنية إلى ما يردده الأزواج تذمرا من رقابة زوجاتهم. للأسف، صار بعض الناس مضطرا أن يتنازل عن حريته في الاختيار، ويقبل بهوية ليست من هويته الثقافية والقومية، بل فرضتها عليه الظروف بحكم الهجرة الإجبارية سعيا إلى تأمين ملاذ آمن لزوجته وأطفاله في بلاد الغربة، رغم أنه يردد كلمات أغنية وردة الجزائرية "مليت من الغربة/ وتعبت من الترحال".

اقرأ للكاتب أيضا: رحلة إلى ليبيا

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

ما هي هويتي؟ A6A89839-C46F-4D33-B099-F818FA8C86B8.jpg Shutterstock ما-هي-هويتي سؤال الهوية سؤال وجودي بحت 2019-08-04 00:24:42 1 2019-08-02 19:09:06 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟