مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي في العام 2004 ورئيسه حتى عام 2014
مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي في العام 2004 ورئيسه حتى عام 2014

507699 4

بابكر فيصل/

أورد موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين خبرا يقول إن عضو مجلس أمناء الاتحاد، محمد الحسن ولد الددو، قدم محاضرة بعنوان "التكوين المنهجي للعلماء" ضمن فعاليات الملتقى العلمي الدولي الأول للشباب في مدينة يلوفا التركية، قال فيها إن "العلماء هم المؤهلون في الحقيقة لمعرفة مراد الله أكثر من غيرهم"، مستشهدا بالآية القرآنية "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون".

الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو مؤسسة تتبع للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وقد قام بتأسيسه الشيخ يوسف القرضاوي في عام 2004 وظل يترأسه حتى عام 2014 حيث تم استبداله بالمغربي أحمد الريسوني.

قد ظلت قضية معرفة المراد أو القصد الإلهي تمثل أحد الإشكالات الكبيرة في الفكر الإسلامي، وكذلك في تاريخ المسلمين، حيث تم استخدامها كذريعة للسيطرة وادعاء الحديث باسم الله، ذلك لأن من يملك الحق الحصري في معرفة المراد الإلهي سيكون هو الجهة الوحيدة التي تحتكر الحقيقة، ومن ثم القدرة على التوسط بين الله والخلق.

إن محاولة معرفة مراد الله من خلال تفسير النص الديني "القرآن" عبر إعمال أدوات اللغة بعد انقطاع الوحي يعتبر أمرا غير ممكن، ذلك لأن المفسر، "الإنسان" الذي يقوم بذلك الدور، يخضع لمنظومة واسعة ومعقدة من التحيزات والسياقات تشمل الثقافة والمصالح السياسية والاجتماعية والأيدولوجية (العقائدية) وغيرها، وبالتالي فإن ادعاء تطابق تفسير أو تأويل ما للقصد الإلهي يصبح أمرا مستحيلا.

ادعاء إمكانية معرفة العلماء لمراد الله ليس سوى محاولة لتكريس نوع من الخطاب يجعل منهم الوسيط الأوحد بين الله والمؤمنين

​​في هذا الإطار يقول المفكر المصري الراحل خليل عبد الكريم إن "معرفة حكم الله في أي قضية أو نازلة أو مشكل متعذر، بل هو مستحيل، لأن المرجع وهي "النصوص المقدسة" يختلف البشر فيها، لاختلاف مداركهم ومشاربهم ونزعاتهم ومصالحهم ومكانتهم في المجتمع أي مواقعهم الطبقية، يختلفون في تفسيرها ومن يدعي منهم أن تأويله هو الأصح المطابق لإرادة الرب الذي أنزل النص، أو الرسول الذي قال "الحديث" فإنه يكون متعسفا".

إن التصور القائم على فرضية أن نزول القرآن باللغة العربية وحده كاف لإثبات إمكانية الوصول إلى القصد الإلهي يعتبر تصورا قاصرا وغير علمي، ذلك لأن اللغة نفسها تنمو وتتراجع في إطار أشمل منها يتضمن مستوى ثقافة الناس وحدود معرفتهم وقدرتهم على إنتاج دلالات اللغة عبر الشرح والتفسير والتأويل.

ومن ناحية أخرى، فإن اللغة ـ كما يقول علي مبروك ـ ليست فضاء محايدا وشفافا يكون الناس فيه أحرارا، بحيث يسلكون في رحابه على النحو الذي يشاؤون، بل إنها وسيطا يفيض بالانحيازات والتحديدات المعتمة التي تفرض نفسها على مستخدميها بصرف النظر عن نواياهم ومقاصدهم.

لا يستطيع أحدٌ معرفة مراد الله بشكل نهائي، ذلك لأن المعرفة ـ بحسب إبراهيم غرايبة ـ "تتشكل وفقا لما تدركه الحواس وما ينشئه العقل على هذه المدركات بما يعني ذلك من خبرات وتجارب وتقدم وتخلف وأهواء ومصالح ورغبات وغرائز واتجاهات أخلاقية، ويكاد يشمل ذلك كل شيء، فنحن نرى الضوء المنعكس عن الأشياء، ولذلك فإننا لسنا متأكدين إن كنّا نرى الأشياء بالفعل كما هي في الحقيقة، أو إن كنا نراها أساسا".

إن معرفة المقصد الإلهي كانت متاحة فقط للرسول الكريم محمد لأنه ـ بحسب عبد الكريم ـ "كان مؤيدا بالوحي يدله على حكم الله في كل واقعة، ويهديه إلى الصواب في كل مشكلة، ويمده بالجواب الصحيح عندما كان يُسأل سواء من أتباعه أو خصومه، ويصحح له كل ما يفعله، ويرشده إلى الحق والعدل والصواب إلخ".

إن الفرضية القائلة بإمكانية معرفة مراد الله تستبطن تناقضا واضحا يتمثل في محاولة إيجاد نوع من التطابق المستحيل بين النسبي والمطلق، ذلك لأن البشر "العلماء في حالتنا هذه" أصحاب قدرة نسبية محدودة، بينما يمتلك الله القدرة المطلقة، وقد أخبرنا النص القرآني بوضوح أن البشر لا يستطيعون الإحاطة علما بالله "ولا يحيطون به علما"، وهو ما يعني بالضرورة استحالة الإحاطة الكاملة بالمقصود الإلهي في النص.

وإذ تستبين عدم إمكانية معرفة مراد الله من واقع طبيعة اللغة والتحيزات الحتمية ونسبية القدرة البشرية، فإن زعم محمد الحسن ولد الددو بأن "العلماء" هم المؤهلون لمعرفة مراد الله، يمهد الطريق أمام تكوين طبقة من رجال الدين "الكهنوت" الذين يسيطرون على عقول العامة بحسبان أنهم الفئة الوحيدة التي تمتلك المعرفة الكاملة بمراد الله والتفسير الحقيقي للنصوص الدينية وأن ما عدا ذلك ليس سوى محاولات غير صحيحة.

بطبيعة الحال لا يمتلك الددو تعريفا محددا للعلماء الذين يعنيهم في كلامه، ولكنه بالضرورة يتحدث عن علماء المذهب السني، ذلك لأنه توجد خلافات كبيرة بين المذاهب الإسلامية تصل في مداها الأقصى إلى تكفير بعضها للبعض الآخر، ولكل مذهب بالطبع طبقة من رجال الدين يسمون أنفسهم بالعلماء (مثال علماء الحوزات العلمية الشيعية)، وهنا يطرأ السؤال التالي: إذا كان العلماء السنة/الشيعة يعرفون مراد الله فلماذا يختلفون كل هذا الاختلاف؟

من الجلي أن الخلافات المذهبية كانت نتيجة مباشرة للتجربة التاريخية الإسلامية منذ وقوع الفتنة الكبرى، حيث استخدمت أطراف الصراع المختلفة النص الديني لتعضيد مواقفها، وبالتالي تم توظيف القرآن والحديث لخدمة المواقف السياسية، وهو الأمر الذي يؤكد أن "تفسير/تأويل" تلك النصوص يتم في السياقات النسبية ووفقا للرغبات البشرية المتأثرة بالتحيزات المختلفة وبما في ذلك طرائق استخدام اللغة.

والحال هكذا فإن حديث الددو مأخوذا في سياقه، لا يخرج عن إطار المحاولات الرامية لإعطاء المشروعية لفئة محددة من رجال الدين لاحتكار فهم النصوص الدينية وادعاء تطابق تأوليهم لها مع المقصد الإلهي، ولا يحتاج المرء لكثير عناء حتى يربط المحاولة بالخطاب الذي تتبناه الجماعة التي ترعى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأعنى الإخوان المسلمين، التي تدعي تطابق فكرها مع الإسلام تطابقا تاما.

في إطار نقده المعمق للخطاب الديني، أشار المفكر المصري الراحل، نصر حامد أبوزيد، إلى إحدى الآليات التي يستخدمها ذلك الخطاب وأطلق عليها مسمى "التوحيد بين الفكر والدين" حيث يتم من خلالها إلغاء المسافة الضرورية بين "الذات والموضوع" وبالتالي يُصبح التأويل الخاص للجماعة للنصوص الدينية متطابقا مع الدين نفسه.

يؤدي هذا النوع من الخطاب إلى نتائج خطيرة من بينها أن أصحابه لا يحتملون أي نوع من التأويل المختلف للقضايا الدينية ويعتبرونه خروجا على ما يسمونه "صحيح الدين" الذي يدعون أن جماعتهم تمثله وهو الأمر الذي يجعل منها، أي الجماعة، متحدثا حصريا باسم الله في خاتمة المطاف.

ظلت قضية معرفة المراد أو القصد الإلهي تمثل أحد الإشكالات الكبيرة في الفكر الإسلامي

​​في حديث يُعرِّف بطبيعة تكوين الإخوان المسلمين، قال المراقب العام السابق للجماعة في السودان، على جاويش، إن "الدعوة التي أسسها الإمام حسن البنا، رحمه الله، هي ذات الدعوة التي أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم ولا تختلف عنها إلا بقدر ما يبذل القائمون بها من جهد وما يحققون من عمل صالح".

قد يندهش البعض لهذه الجرأة الشديدة من الأستاذ جاويش في وصف دعوة البنا بأنها "هي ذات الدعوة التي أتى بها النبي"، ولكن هذا الاستغراب سيزول سريعا إذا ما علموا أن الرجل لم يبتدع شيئا وإنما هو يسير على خطى المرشد المؤسس البنا، الذي قال في رسالة المؤتمر الخامس إن "على كل مسلم أن يعتقد أن هذا المنهج (أي منهج الإخوان المسلمين) كله من الإسلام، وأن كل نقص منه نقص من الفكرة الإسلامية الصحيحة".

إذن، خلاصة الأمر هي أن ادعاء إمكانية معرفة العلماء لمراد الله ليس سوى محاولة لتكريس نوع من الخطاب يجعل منهم الوسيط الأوحد بين الله والمؤمنين، وبالتالي يفسح المجال أمام الجماعات التي ينتمون إليها لتصبح بدورها الوحيدة القادرة على تجسيد الإسلام الصحيح.

اقرأ للكاتب أيضا: ثورة السودان: ما المدنية؟

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

هل يمكن معرفة مراد الله؟ F57ED956-1896-4866-AA45-757F651E7F67.jpg Reuters هل-يمكن-معرفة-مراد-الله مؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي في العام 2004 ورئيسه حتى عام 2014 2019-08-07 13:16:25 1 2019-08-07 13:17:40 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟